الكهرباء في ليبيا… انهيارٌ فني أم أزمةٌ مفتعلة تتجاوز حدود الشبكة و سقوطٌ كان مُرتَّبًا له؟

الكهرباء في ليبيا… انهيارٌ فني أم أزمةٌ مفتعلة تتجاوز حدود الشبكة و سقوطٌ كان مُرتَّبًا له؟

تقرير | بية فتحي

المشهد يتكرر والنتيجة واحدة تحسنٌ مؤقت لم يصمد أمام أول اختبار.

موظف بشركة الكهرباء : “الوحدات كانت جاهزة للتشغيل لكن صدرت تعليمات بعدم إدخالها إلى الشبكة

المصراتي: “أزمة الكهرباء تتجاوز الجانب الفني والحكومة مطالبة بكشف نتائج التحقيقات“.

المجلس الأعلى للدولة “المليارات صُرفت والأزمة مستمرة، وهذا يستوجب المساءلة“.

الدكتور إلياس الباروني “الكهرباء لم تعد أزمة فنية بل أصبحت مرآة لأزمة الدولة الليبية“.

  في الدول التي تُنفق المليارات على قطاع الكهرباء، تكون النتيجة غالبًا محطات جديدة، وشبكات أكثر استقرارًا، وخدمة تتطور عامًا بعد آخر. أما في ليبيا، فالمعادلة تبدو معكوسة؛ فكلما ارتفعت أرقام الإنفاق، اتسعت رقعة العتمة، وكلما أُعلنت مشاريع جديدة، عاد طرح الأحمال بصورة أشد، حتى أصبح انقطاع التيار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية لملايين الليبيين.

سنوات طويلة امتلأت بالوعود والخطط، والعقود، واللجان، والتصريحات التي بشّرت بقرب انتهاء الأزمة، لكن النتيجة بقيت واحدة: مواطن ينتظر الكهرباء أكثر مما ينتظر أي خدمة أخرى، بينما تتضخم فاتورة الإنفاق عامًا بعد آخر دون أن يلمس أثرها في منزله أو مدينته.

في كل صيف يتكرر المشهد ذاته بيانات رسمية تتحدث عن حلول قريبة، ومسؤولون يؤكدون أن الأزمة في طريقها إلى الانتهاء، ثم تعود ساعات الإظلام لتفرض واقعا مختلفا ، وكأن كل ما أُعلن لم يكن سوى فصل جديد في أزمة لا تعرف نهايتها.

وراء هذا المشهد يقف واحد من أكبر الملفات التي أثقلت كاهل الدولة الليبية ، مليارات أُنفقت، وعقود أُبرمت، ومحطات وُعد المواطن بدخولها الخدمة، وخطط قيل إنها ستُنهي معاناة الليبيين. لكن بعد كل هذه السنوات، ما زال السؤال حاضرًا بإلحاح: كيف استُهلكت كل هذه الأموال، ولماذا بقيت الكهرباء غائبة؟

ولم تكن أزمة الكهرباء في ليبيا تسير في اتجاه واحد فخلال العامين الماضيين، شهدت الشبكة تحسنا نسبيا بعد دخول وحدات إنتاج جديدة، وانخفضت ساعات طرح الأحمال مقارنة بسنوات سابقة ما أعاد الأمل بإمكانية طي واحد من أكثر الملفات استنزافا للدولة والمواطن ، لكن ذلك التحسن لم يلبث أن انهار مع أول اختبار حقيقي فرضه ارتفاع درجات الحرارة، لتعود الانقطاعات، ويعود معها الجدل، والاحتجاجات وتبادل الاتهامات، والأسئلة التي ظلت معلقة دون إجابات حاسمة.

هذا التحقيق لا يسعى إلى إعادة رواية الأزمة، بل إلى إعادة بناء قصتها من بدايتها ، عبر تتبع التصريحات الرسمية، والقرارات ومقارنتها بما حدث على الأرض، في محاولة للإجابة عن السؤال الذي لم تجد له ليبيا جوابا حتى الآن: هل كانت الأزمة عجزا في إنتاج الكهرباء أم عجزا في إدارتها؟.

رواية من داخل الشركة تشكيك في تفسير الأزمة

لم تقتصر علامات الاستفهام على الشارع الغاضب، بل امتدت إلى داخل الشركة العامة للكهرباء نفسها، حيث شكك أحد موظفي الشركة في الرواية التي أرجعت فقدان نحو 500 ميغا وات من القدرة الإنتاجية إلى نقص إمدادات الغاز الطبيعي، معتبرًا أن البيانات الفنية المتوفرة داخل محطات التوليد لا تدعم هذا التفسير.

وأوضح الموظف، في حديثه، أن منظومة تشغيل المحطات تعتمد على مراقبة إلكترونية دقيقة لضغط الغاز، وأن أي تغير في مستويات الإمداد يُرصد لحظة بلحظة عبر أنظمة التحكم، مؤكدًا أن الضغط وفقًا لما وصفه ظل مستقرًا خلال الأيام التي سبقت الأزمة، ولم يسجل سوى انخفاض طفيف لا يتجاوز بارا إلى بار ونصف ، وهو مستوى لا يكفي، بحسب تقديره، لإخراج هذا الحجم من القدرة الإنتاجية من الخدمة.

وأضاف أن محطات التوليد مزودة بإجراءات تشغيل بديلة، إذ تتحول الوحدات تلقائيًا إلى العمل بالوقود الخفيف عند حدوث أي انخفاض مؤثر في ضغط الغاز، بما يضمن استمرار الإنتاج وعدم توقف الوحدات بصورة مفاجئة، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء يُعد جزءًا من بروتوكولات التشغيل المعتادة داخل القطاع.

ولفت إلى أن جميع المحطات تُعد تقارير تشغيل دورية في كل وردية عمل، تتضمن بيانات تفصيلية عن مستويات ضغط الغاز، وكميات الوقود، وحالة الوحدات العاملة والمتوقفة، معتبرًا أن هذه السجلات تمثل مرجعًا فنيًا يمكن لأي لجنة تحقيق أو جهة قضائية الاستناد إليه للتحقق من حقيقة أوضاع الإمدادات خلال فترة الأزمة.

وانطلاقًا من ذلك، دعا الموظف إلى تشكيل لجنة فنية مستقلة تتولى مراجعة ملف إمدادات الغاز بصورة شاملة، مطالبًا مكتب النائب العام والجهات الرقابية المختصة بالاطلاع على تقارير التشغيل اليومية، والتحقق من مدى تطابق البيانات الفنية مع التصريحات الرسمية التي أرجعت جانبًا من الأزمة إلى نقص الغاز.

ولم تتوقف ملاحظاته عند هذا الحد، إذ اعتبر أن التركيز على إطلاق مشاريع جديدة لا يمثل، من وجهة نظره، أولوية عاجلة بقدر استكمال المشاريع المتعثرة التي بلغت نسب إنجاز متقدمة، مشيرًا إلى أن بعض هذه المشاريع كان من الممكن أن يضيف مئات الميغاواطات إلى الشبكة خلال فترة وجيزة، لو استُكملت بدلًا من الشروع في مشاريع تحتاج إلى سنوات قبل دخولها الخدمة.

وضرب مثالًا بمشروع الخمس الغازية، الذي قال إنه كان قادرًا على تعزيز الشبكة بنحو 220 ميغاواط عبر استكمال منظومة التوربينات البخارية المستفيدة من الغاز العادم، إلى جانب مشروع محطة سرت الذي أكد أنه وصل إلى مراحل متقدمة من التنفيذ، فضلًا عن محطة أوباري التي يرى أن تشغيلها بكامل طاقتها يرتبط باستكمال خط الغاز المغذي لها.

كما أثار تساؤلات حول جدوى التوسع في مشاريع جديدة داخل طرابلس ومصراتة وطبرق، في وقت توجد فيه ــ بحسب روايته ــ مشاريع قائمة أو شبه مكتملة يمكن أن تدخل الخدمة خلال فترة أقصر وتساهم سريعًا في تقليص العجز.

كما تحدث عن واقعة أخرى، قال إنها حدثت عقب الانقطاع الشامل للشبكة، موضحًا أن بعض وحدات التوليد كانت جاهزة لإعادة التشغيل، وأن الفرق الفنية تمكنت بالفعل من تجهيزها، غير أنها تلقت بحسب روايته تعليمات من مركز التحكم بعدم إدخال تلك الوحدات إلى الشبكة، رغم جاهزيتها الفنية، وهو ما اعتبر أنه يستوجب التحقيق لمعرفة أسباب تلك القرارات والجهة التي أصدرتها.

وختم الموظف حديثه بالتأكيد على أن الأزمة، من وجهة نظره، لا يمكن اختزالها في الجوانب الفنية وحدها، بل تتداخل فيها ملفات إدارة القطاع، وآليات اتخاذ القرار، والعقود، والمشاريع المتعثرة، داعيًا إلى تحقيق فني وقضائي شامل ومستقل يكشف ملابسات ما جرى ويعلن نتائجه للرأي العام.

الشركة العامة للكهرباء: نقص الوقود والغاز والأحمال القياسية وراء الأزمة

في المقابل تمسكت الشركة العامة للكهرباء بروايتها الرسمية مؤكدة أن الأزمة الأخيرة جاءت نتيجة مجموعة من العوامل الفنية والتشغيلية التي تزامنت في وقت واحد وفي مقدمتها نقص إمدادات الوقود والغاز الطبيعي اللازمين لتشغيل عدد من محطات التوليد، بالتزامن مع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة وما صاحبه من زيادة غير مسبوقة في معدلات استهلاك الطاقة.

وأوضحت الشركة أن استمرار تراجع إمدادات الوقود والغاز انعكس بصورة مباشرة على القدرة الإنتاجية المتاحة، محذرة من أن استمرار هذا الوضع يهدد استقرار المنظومة الكهربائية بأكملها الأمر الذي دفعها إلى مطالبة الجهات المختصة بالتدخل العاجل لتوفير احتياجات المحطات بما في ذلك وقف تصدير الغاز بصورة مؤقتة إذا اقتضت الضرورة، إلى حين تغطية الطلب المحلي وضمان استقرار الشبكة.

وفي خضم الأزمة أعلنت الشركة أن المنظومة الكهربائية تعرضت لانهيار واسع النطاق بعد خروج عدد من محطات التوليد الرئيسية عن الخدمة من بينها محطتا الخليج ومصراتة وهو ما تسبب  بحسب بياناتها في فقدان ما يقارب 1350 ميغا وات  من القدرة الإنتاجية، وأدى إلى حالة إظلام واسعة طالت مناطق مختلفة من البلاد.

وأكدت أن الفرق الفنية شرعت فورًا في تنفيذ خطة طوارئ لإعادة بناء الشبكة تدريجيا، بالتوازي مع تنفيذ أعمال صيانة عاجلة ورفع كفاءة عدد من وحدات التوليد، إلى جانب إدخال وحدات أخرى إلى الخدمة.

كما أشارت إلى أن العمل يتواصل بالتوازي لاستكمال مشروع محطة جنوب طرابلس الجديدة، الذي وصفته بأنه أحد المشاريع الاستراتيجية التي يُنتظر أن تسهم في تعزيز استقرار الشبكة خلال المرحلة المقبلة، مؤكدة أن معالجة الأزمة تتطلب استمرارية توفير الوقود، واستكمال مشاريع التطوير، والحفاظ على استقرار المنظومة التشغيلية.

الحكومة تحمل إدارة الشركة المسؤولية وتعلن فتح تحقيق

ولم تمض ساعات على اتساع رقعة الانقطاعات حتى اتخذت الأزمة منحى آخر بعدما وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، انتقادات مباشرة إلى إدارة الشركة العامة للكهرباء، محملًا إياها مسؤولية تفاقم الأزمة، ومعلنًا فتح تحقيق شامل في أدائها.

وأكد الدبيبة أن حكومته خصصت خلال السنوات الماضية مبالغ مالية كبيرة لمعالجة أزمة الكهرباء، وأنها نفذت عددًا من المشاريع التي كان من المفترض أن تنعكس على استقرار الشبكة، معتبرا أن عودة الأزمة رغم تلك الإجراءات تستوجب الوقوف على أسبابها ومحاسبة المسؤولين عنها.

وأشار إلى أن الحكومة كانت قد بشّرت المواطنين بتحسن أوضاع الكهرباء إلى درجة أنها دعتهم في وقت سابق إلى الاستغناء عن المولدات الخاصة، إلا أن عودة طرح الأحمال والانقطاعات الواسعة بحسب تعبيره أعادت البلاد إلى نقطة الصفر، وهو ما عزاه إلى وجود اختلالات داخل إدارة القطاع تستوجب التحقيق.

وفي إطار الإجراءات التي أعلنتها الحكومة تقرر تشكيل لجنة عاجلة تتولى حصر المعيقات الفنية والإدارية التي تواجه المنظومة الكهربائية وتقييم احتياجات الشبكة ووضع تصور يضمن تحسين الأداء وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأحمال بين مختلف المناطق.

المجلس الأعلى للدولة: الأزمة تستوجب المراجعة والمساءلة.

ولم يقتصر الجدل على تبادل الروايات بين الحكومة والشركة العامة للكهرباء، بل امتد إلى المؤسسات السياسية، حيث حمّل المجلس الأعلى للدولة حكومة الوحدة الوطنية المسؤولية السياسية والإدارية عن الإخفاق في إدارة ملف الكهرباء، معتبرًا أن استمرار الأزمة، رغم ما خُصص للقطاع من اعتمادات مالية وما أُعلن عنه من مشروعات، يفرض مراجعة شاملة لآليات إدارة هذا المرفق الحيوي.

ودعا المجلس في بيان رسمي الجهات الرقابية، وفي مقدمتها هيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومكتب النائب العام، إلى فتح تحقيق في الجوانب الإدارية والمالية والفنية، للكشف عن أسباب تعثر مشروعات الكهرباء، والتحقق من أي شبهات تتعلق بإهدار المال العام أو الفساد، مع إعلان نتائج التحقيق للرأي العام.

وأكد أن استقرار خدمة الكهرباء يمثل حقًا للمواطن، و أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات مؤسسية قائمة على الكفاءة والشفافية والمساءلة، بعيدًا عن الحلول المؤقتة.

المشاريع المتعثرة، هل توقفت الحلول عند منتصف الطريق؟

وبعيدًا عن تبادل الاتهامات بين الحكومة والشركة العامة للكهرباء، تبرز تساؤلات أكثر عمقًا تتعلق بقدرة المنظومة الكهربائية نفسها على مواكبة الطلب المتزايد على الطاقة، ومدى مساهمة المشاريع المتعثرة في إبقاء الأزمة قائمة رغم ما أُعلن عن توسعات خلال السنوات الأخيرة.

ويرى مسؤول سابق بالشركة العامة للكهرباء أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى توقف المشاريع الاستراتيجية التي كان يُفترض أن تعيد تشكيل المنظومة الكهربائية قبل عام 2011، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في حجم القدرة الإنتاجية المعلنة فحسب، وإنما في عدم استكمال منظومة متكاملة كانت تستهدف إنشاء محطات توليد كبرى، وتحديث شبكات النقل، وتعزيز الربط الكهربائي بين شرق البلاد وغربها.

وأشار إلى أن الانهيارات المتكررة التي شهدتها الشبكة خلال عامي 2017 و2018 دفعت الدولة إلى إطلاق مشاريع جديدة، بعدما كشفت تلك الأحداث أن الخلل لا يقتصر على نقص الإنتاج، بل يمتد إلى البنية الأساسية التي تقوم عليها المنظومة بأكملها.

ومن بين أبرز المشاريع التي ما تزال محل نقاش، محطة سرت البخارية ومحطة غرب طرابلس البخارية، واللتان صُممتا لإضافة نحو 1400 ميغاواط لكل منهما، إلا أن تعثر التنفيذ حال دون دخولهما الخدمة، رغم أن مشروع سرت بلغ مراحل متقدمة قبل توقفه، بينما بقيت معدات مشروع غرب طرابلس مخزنة لسنوات دون استكمال التنفيذ.

وأضاف أن جانبًا من القدرة الإنتاجية المعلنة يعتمد على وحدات تجاوزت عمرها التشغيلي، الأمر الذي يجعل القدرة الفعلية المتاحة أقل من الأرقام الرسمية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الشبكة، خصوصًا خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعًا كبيرًا في الطلب على الكهرباء.

و رغم التحسن النسبي الذي شهدته المنظومة خلال عامي 2023 و2024، يرى المسؤول السابق أن ذلك لم يكن نتيجة معالجة جذرية للأزمة، وإنما جاء بعد دخول عدد من المحطات الغازية التي جرى التعاقد عليها في سنوات سابقة، مؤكدًا أن هذه الإضافات ساهمت في تقليص العجز القائم، لكنها لم تواكب الزيادة السنوية في الطلب على الطاقة، والتي تُقدَّر بما بين 300 و600 ميغاواط كل عام.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما طرحه خبير الطاقة أحمد المسلاتي، الذي يرى أن اختزال الأزمة في حجم الإنتاج وحده يمثل قراءة غير مكتملة، موضحًا أن استقرار المنظومة يعتمد على منظومة مترابطة تشمل إنتاج الكهرباء، وتوفير الوقود والغاز، وكفاءة شبكات النقل والتوزيع، وأعمال الصيانة، وأنظمة التحكم والتشغيل.

وأشار إلى أن استمرار تدفق الوقود والغاز لا يعني بالضرورة استقرار الشبكة، في ظل وجود تحديات أخرى، من بينها تهالك أجزاء من البنية التحتية، وارتفاع الفاقد الفني، وتأخر أعمال الصيانة، إلى جانب الزيادة الكبيرة في الأحمال خلال فصل الصيف.

وفي السياق ذاته، أوضح المتحدث باسم وزارة الكهرباء والطاقات المتجددة بالحكومة المكلفة، ربيع خليفة، أن الانقطاع الأخير لم يكن نتيجة نقص الوقود، وإنما جاء عقب خروج أحد خطوط النقل الاستراتيجية بجهد 400 كيلو فولت الرابط بين محطتي مصراتة والخمس، وهو ما أدى إلى فقدان التوازن داخل الشبكة وخروج عدد من وحدات التوليد عن الخدمة، مؤكدًا أن الجهات المختصة باشرت تحقيقًا فنيًا للوقوف على أسباب الحادث.

وأضاف أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على زيادة الإنتاج فقط، بل تتطلب تحديث شبكات النقل والتوزيع، واستكمال مشاريع التوليد، ورفع كفاءة البنية التحتية، باعتبار أن المنظومة الكهربائية تعمل كوحدة واحدة، وأي خلل في أحد مكوناتها قد يؤدي إلى اضطراب الشبكة بالكامل.

 الأزمة تجاوزت حدود الشبكة.

ومع اتساع رقعة الانقطاعات لم تعد أزمة الكهرباء تُقرأ بوصفها خللا في منظومة التوليد أو النقل فقط، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في المشهد السياسي، بعدما أصبحت الخدمات الأساسية معيارًا يقيس المواطن من خلاله أداء مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الملفات الحيوية.

ويرى خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني أن أزمة الكهرباء لم تعد مجرد أزمة خدمات، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا للأزمة التي تعيشها الدولة الليبية بمختلف أبعادها، موضحًا أن عجز دولة تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز عن توفير خدمة مستقرة لمواطنيها يطرح تساؤلات تتجاوز الجانب الفني، لتشمل طبيعة الإدارة، وآليات اتخاذ القرار، ومستوى التنسيق بين المؤسسات.

وأوضح أن استمرار الأزمة رغم الموازنات التي خُصصت للقطاع خلال السنوات الماضية يشير إلى أن المشكلة لا ترتبط بنقص الموارد بقدر ارتباطها بعوامل أخرى، أبرزها الانقسام المؤسسي، وضعف الحوكمة وتعثر تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وهو ما جعل الكهرباء، بحسب وصفه، ضحية لأزمة الدولة، لا مجرد أزمة قطاع.

وفي المقابل، شدد الباروني على أن الربط بين انقطاع الكهرباء ووجود مخططات سياسية أو إدارة متعمدة للأزمة يبقى في إطار الفرضيات التي تحتاج إلى أدلة موثقة لإثباتها، مؤكدًا أن تكرار الأزمات في توقيتات سياسية حساسة قد يفتح باب التساؤلات، لكنه لا يكفي وحده لبناء استنتاجات قاطعة.

ورأى أن استمرار الأزمة قد يدفع نحو عدة سيناريوهات، من بينها زيادة الضغوط لإجراء تغييرات داخل السلطة التنفيذية، أو إعادة ترتيب بعض المؤسسات أو تسريع التوافقات السياسية إذا رأت الأطراف المختلفة أن استمرار تدهور الخدمات بات يهدد الاستقرار العام.

لم تقتصر المطالبات على تفسير أسباب الانهيار، بل اتجهت إلى الدعوة لكشف نتائج التحقيقات وإعلانها للرأي العام، في ظل تزايد الاتهامات بوجود إخفاقات تتجاوز الجوانب الفنية.

وفي هذا السياق اعتبر محمود المصراتي أن أزمة الكهرباء لم تعد أزمة تشغيلية فحسب، بل تحمل أبعادًا أخرى تستوجب كشفها للرأي العام، داعيًا الحكومة، بعد إعلانها وجود شبهات فساد داخل الشركة العامة للكهرباء، إلى نشر نتائج التحقيقات وإحالة أي مسؤول تثبت مخالفته إلى مكتب النائب العام، مع توضيح الوقائع للرأي العام.

وأشار إلى أن الشركة العامة للكهرباء كانت قد نبّهت، قبل اندلاع الأزمة الأخيرة، إلى قرب نفاد الوقود اللازم لتشغيل بعض محطات التوليد، معتبرًا أن ارتفاع درجات الحرارة ساهم في زيادة الضغط على الشبكة، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المواطنين من حقهم معرفة الأسباب الحقيقية التي أعادت البلاد إلى دوامة طرح الأحمال بعد أشهر من التحسن النسبي.

كما دعا إلى مراجعة سياسة تصدير الغاز، مقترحًا إعطاء الأولوية لتلبية احتياجات محطات التوليد المحلية قبل استئناف أي كميات مخصصة للتصدير، بما يضمن استقرار الشبكة الكهربائية.

وفي السياق ذاته، كتب المدير العام للجهاز الوطني للتنمية، الدكتور محمود الفرجاني، عبر صفحته الشخصية، أن كثيرًا من الأزمات التي تعيشها البلاد وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، ليست مستعصية على الحل بل يمكن معالجتها إذا توفرت الإدارة الفاعلة والإرادة التنفيذية، معتبرا أن تعقيد هذه الملفات لا يتناسب مع الإمكانات المتاحة للدولة.

أما الصحفي أسعد أبوقيلة، فرأى أن استمرار انقطاع الكهرباء خاصة في المناطق الجنوبية، ينذر بتصاعد حالة الاحتقان الشعبي، محذرًا من أن استمرار تدهور الخدمات قد يدفع نحو موجة احتجاجات أوسع، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد معاناة المرضى والأسر التي تعاني من الانقطاعات الطويلة.

قد تختلف الروايات حول أسباب الانهيار الأخير، وقد تتباين التفسيرات بين خلل فني، أو قصور إداري، أو تعثر مشاريع، أو نقص في الإمدادات، لكن ما لا يختلف عليه الليبيون هو أن النتائج بقيت ثابتة انقطاعات تتكرر وخدمة لم تصل إلى مستوى الاستقرار وثقة تتراجع مع كل صيف.

وحتى تكشف التحقيقات الرسمية أسباب ما حدث وتحدد المسؤوليات وفقا لما ستنتهي إليه الجهات المختصة يبقى ملف الكهرباء واحدا من أكثر الملفات التي تختبر قدرة الدولة على إدارة مواردها، وتحويل الإنفاق إلى نتائج ملموسة، لا إلى وعود تتجدد مع كل أزمة.

ويبقى السؤال الذي يلاحق هذا الملف منذ سنوات: كيف لدولة تملك ثروات نفطية وغازية هائلة أن تعجز عن توفير خدمة كهرباء مستقرة وهل تكشف التحقيقات الجارية الحقيقة الكاملة، أم سيظل ملف الكهرباء مفتوحًا على أزمة جديدة مع أول اختبار للشبكة؟.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :