المعرض الوطني للكتاب التونسي ذاكرة تكتب مستقبلها الثقافي

المعرض الوطني للكتاب التونسي ذاكرة تكتب مستقبلها الثقافي

تونس ـ خاص

متابعة وتصوير نيفين الهوني

استعادت العاصمة التونسية أجواء الاحتفاء بالكتاب والقراءة مع انطلاق الدورة الخامسة من المعرض الوطني للكتاب التونسي في 23 أكتوبر 2026 بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي في تظاهرة ثقافية امتدت حتى 1 نوفمبر تحت شعار اقرأ الحياة تشرق لتعيد الكتاب التونسي إلى واجهة المشهد الثقافي وتفتح نافذة جديدة أمام الناشرين والكتاب والقراء بعد انقطاع تجاوز السنتين وقد جاءت هذه الدورة بإشراف وزارة الشؤون الثقافية وبالتعاون مع اتحاد الناشرين التونسيين بمشاركة 66 دار نشر تونسية قدمت أكثر من 1400 عنوان في مختلف مجالات المعرفة والأدب والفكر والعلوم في خطوة عكست الرغبة في إعادة الاعتبار إلى صناعة الكتاب المحلية وتوسيع دائرة انتشار الإنتاج التونسي وتعزيز الصلة بين الناشر والقارئ ولم تقتصر أهمية المعرض على استئناف موعد ثقافي متخصص بالكتاب التونسي بل ارتبطت أيضا بمحاولة ترسيخ تظاهرة سنوية قارة تمنح دور النشر المحلية مساحة لعرض إصداراتها الجديدة وتتيح للقراء التعرف على المشهد الإبداعي التونسي بعيدا عن سطوة المناسبات الموسمية والمعارض ذات الطابع التجاري الواسع

نابل ضوء الجهات في قلب المشهد

وحملت الدورة الخامسة بعدا جهويا لافتا من خلال اختيار ولاية نابل ضيف شرف في مبادرة تستهدف إبراز خصوصية رصيدها الثقافي والأدبي والتعريف بإسهامات أبنائها في الحياة الفكرية والفنية التونسية وشمل برنامج التكريم ثلاثة أسماء بارزة من الولاية هم المؤرخ والأكاديمي توفيق البشروش والشاعر والباحث الصادق شرف المعروف بأبي وجدان والفنان التشكيلي والنحات رؤوف قارة في التفاتة أراد منظمو المعرض من خلالها توسيع مفهوم الاحتفاء بالكتاب ليشمل الذاكرة الثقافية المحلية ورموز الإبداع في مختلف المجالات ويأتي هذا الاختيار امتدادا لتوجه يهدف إلى منح المحافظات التونسية حضورا داخل التظاهرة الوطنية وعدم حصر الفعاليات في العاصمة وحدها هذا وقد كان المعرض قد استضاف ولاية صفاقس في دورته السابقة  كأول ولاية تحظى بهذه الصفة وعلى مستوى الفضاءات شهدت الدورة توسعا في مساحة العرض لتبلغ نحو 1000 متر مربع موزعة بين الأروقة الداخلية لمدينة الثقافة وساحة المسارح التي جرى إعدادها لاستقبال العارضين وقد أتاح هذا التوسع توفير فضاءات أكثر اتساعا للناشرين وتخصيص ركن مستقل لكتب الأطفال واليافعين بما يعزز الطابع العائلي والتربوي للمعرض وفتح المعرض أبوابه يوميا من الساعة 9 صباحا حتى 9 مساء مع إتاحة الدخول مجانا أمام الجمهور في محاولة لتجاوز الحواجز المادية أمام الوصول إلى الكتاب وتوسيع قاعدة المستفيدين من الأنشطة الثقافية

جوائز الكتاب التونسي الكلمة التونسية في ميزان التتويج

احتلت الجوائز موقعا محوريا في برنامج الدورة الخامسة بعدما تقرر توسيعها إلى 4 أصناف تشمل الشعر والرواية والقصة القصيرة والدراسات الفكرية أو البيداغوجية الموجهة للأطفال مع إضافة الصنف الأخير إلى المسابقات السابقة في إشارة إلى الاهتمام المتزايد بأدب الطفل والكتابة العلمية والتربوية الموجهة إلى الناشئة وتوزعت الأعمال المشاركة على 15 مجموعة شعرية و17 رواية و16 مجموعة قصصية و4 كتب في المجال العلمي والفكري والبيداغوجي الموجه للأطفال فيما بلغت القيمة المالية لكل جائزة 10000 دينار تونسي وكشفت لجنة التحكيم عن أسماء المتوجين خلال افتتاح المعرض في 23 أكتوبر على أن يقام حفل تسليم الجوائز في 27 أكتوبر بحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي حيث تفاسم في  فئة الشعر الجائزة محمد الهادي الجزيري عن مجموعته أما كان أجدى بك الانتظار قليلا الصادرة عن دار الأمينة للنشر والتوزيع وإيمان داود عن مجموعتها المكتوبة باللغة الفرنسية Murmures d’un cœur euphorique الصادرة عن منشورات دار وشمة

أما جائزة الرواية فذهبت إلى الكاتب الأزهر الصحراوي عن روايته عسل الدنيا الصادرة عن دار مسكيلياني للنشر فيما نالت ياسمين خدومة جائزة القصة القصيرة عن مجموعتها في داخلي سكك من حديد الصادرة عن دار ورقة للنشر

وفي الدراسات الفكرية أو البيداغوجية الموجهة للطفل توجت نجوى القادري عن دراستها طفولة السرد ولادة المعنى في سرديات الطفل من منظور عرفاني الصادرة عن دار أركاديا للنشر والتوزيع سنة 2026 وتعكس هذه الاختيارات محاولة لتوسيع خريطة الاعتراف بالإنتاج التونسي وعدم الاقتصار على الأجناس الأدبية التقليدية كما أن إدراج الدراسات الموجهة للأطفال يمنح الكتاب التربوي والفكري مساحة داخل منظومة الجوائز ويضع أدب الناشئة في صلب الاهتمام الثقافي

برنامج ثقافي يتجاوز حدود القراءة التقليدية

وقد  سعت برمجة المعرض الثقافية هذا العام  الى إقامة جسور بين الأدب والفنون المختلفة من خلال ندوات ولقاءات وورشات جمعت كتابا وشعراء وباحثين وفنانين ومختصين في مجالات متعددة وانطلقت الأنشطة الثقافية يوم 24 أكتوبر بندوة تناولت أدب الطفل إلى جانب قراءات شعرية ولقاء فكري حول حضور الشعر في الأجناس الأدبية الأخرى كما تضمن البرنامج ندوة خاصة بالناشرين وشهادات حول واقع الكتاب المترجم في تونس وما يواجهه هذا القطاع من تحديات تتصل بالنشر والتوزيع والترويج وحظيت العلاقة بين الأدب والمسرح باهتمام خاص من خلال لقاءات حول الكتابة المسرحية والكتابة الركحية وشهادات قدمها عدد من أبرز الأسماء المسرحية التونسية من بينهم الفاضل الجعايبي وتوفيق الجبالي وحمادي المزي في محاولة لاستكشاف التحولات التي عرفتها الكتابة المسرحية ومدى تفاعلها مع النصوص الأدبية كما خصص المعرض يوم الخميس 29 أكتوبر للسينما من خلال ندوة حول اقتباس الأعمال الأدبية وتحويلها إلى أفلام وعروض ونقاشات بمشاركة عدد من السينمائيين من بينهم مراد بن الشيخ ولسعد بن حسين وإبراهيم لطيف وامتدت البرمجة إلى الفنون التشكيلية والموسيقى عبر ندوة حول الفن التشكيلي برئاسة محمد صالح بالطيب ولقاء بعنوان الكتاب والموسيقى برئاسة فتحي زغندة وبمشاركة بثينة الغريبي ولسعد قريعة وفتحي زغندة

وكشفت هذه المحاور عن توجه يرمي إلى التعامل مع الكتاب كونه نقطة التقاء بين أشكال التعبير الإبداعي المختلفة .

خريطة الاستحقاق الأدبي الأطفال واليافعون في صدارة الاهتمام

وفي سياق الرهان على الأجيال الجديدة حظي الأطفال واليافعون ببرنامج خاص تضمن أنشطة ثقافية وتربوية وترفيهية ولقاءات مع كتاب متخصصين في أدب الطفل إلى جانب مسابقات وعروض سينمائية وفعاليات رقمية تستهدف تقريب الكتاب من اهتمامات الناشئة وتعريفهم بإمكانات التعبير والإبداع وفي هذا الإطار نظمت وزارة التربية بالتعاون مع وزارة الشؤون الثقافية 55 رحلة مدرسية لزيارة المعرض في خطوة استهدفت تحويل الزيارة إلى تجربة تعليمية مباشرة وإتاحة الفرصة أمام التلاميذ للتعرف على الإصدارات التونسية والاحتكاك بالكتاب والناشرين ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل  التراجع الذي تواجهه القراءة الورقية في ظل توسع الوسائط الرقمية وتغير عادات التلقي لدى الأجيال الشابة إذ لم يعد الاكتفاء بتوفير الكتب كافيا لاستقطاب القراء الجدد بل بات من الضروري تقديم أنشطة تفاعلية تجعل القراءة جزءا من التجربة التعليمية والثقافية اليومية

ميزانية المعرض وتحديات صناعة النشر

وعلى الصعيد المالي بلغت الميزانية المرصودة للدورة نحو 570 ألف دينار تونسي ساهمت وزارة الشؤون الثقافية منها بنحو 500 ألف دينار فيما استكملت بقية الموارد من خلال مساهمات وشراكات مع مؤسسات ثقافية وجهات أخرى

ويعكس هذا الحجم من الإنفاق أهمية الرهان الرسمي على إعادة تنشيط قطاع النشر التونسي غير أن التحدي الحقيقي يبقى مرتبطا بمدى قدرة مثل هذه التظاهرات على تحقيق مردود مستدام للناشرين وتحسين حركة توزيع الكتاب وتوسيع سوق القراءة خارج حدود العاصمة

و قد اعتبر رئيس اتحاد الناشرين التونسيين ونائب مدير الهيئة المنظمة محمد رياض عبد الرازق في تصريحاته المنشورة أن عودة المعرض فرصة لاستعادة الفضاء الذي يجمع الكتاب التونسي بجمهوره والتعريف بأحدث إصدارات دور النشر المحلية معربا عن الأمل في أن يتحول الموعد إلى تظاهرة سنوية منتظمة وتشابهت هذه الرغبة مع تصريحات مدير المعرض توفيق قريرة الذي أكد أهمية تثبيت موعد سنوي للمعرض بما يسمح للناشرين بالتخطيط المسبق لإصداراتهم ويمنح الجمهور موعدا ثقافيا واضحا ينتظره كل عام هذا وقد شهدت الدورة توسيع الحضور الرقمي في البرمجة الموجهة للأطفال واليافعين وطرح قضايا العلاقة بين الكتاب والتكنولوجيا الحديثة وهو توجه يكتسب أهميته من التحولات التي يشهدها قطاع النشر عالميا ومن الحاجة إلى تطوير صيغ جديدة للوصول إلى القارئ دون التفريط في مكانة الكتاب الورقي

أربعة أجناس وذاكرة واحدة عودة تحتاج إلى الاستمرارية

وبين استعادة الموعد الثقافي وتوسيع المشاركة وتطوير المساحة المخصصة للعرض والاهتمام بالجوائز والأنشطة الموجهة للأطفال تبدو الدورة الخامسة من المعرض الوطني للكتاب التونسي محاولة لإعادة بناء علاقة أكثر انتظاما بين الناشر والقارئ والمؤسسات الثقافية غير أن نجاح هذه العودة لن يقاس بعدد دور النشر المشاركة أو حجم العناوين المعروضة وحده بل بقدرة الجهات المنظمة على تحويل الإقبال الموسمي إلى حركة قراءة مستمرة وتوفير آليات توزيع أكثر فاعلية ودعم المكتبات وتوسيع وصول الكتاب إلى المناطق الداخلية كما تظل مسألة استقرار المعرض سنويا وإشراك المهنيين والناشرين في صياغة سياساته التنظيمية من القضايا الأساسية لضمان استمراره وتطويره

إن الدورة الخامسة  أعادت المعرض الوطني للكتاب التونسي الكتاب المحلي إلى واجهة النقاش الثقافي وفتحت مساحة للتلاقي بين الأجيال والتخصصات الفنية والمعرفية وقدمت مؤشرا على أن الرهان على القراءة لا يزال حاضرا في تونس رغم التحديات الاقتصادية والتكنولوجية التي تواجه صناعة النشر لكن التحدي الأهم هو بعد اختتام فعاليات المعرض وهو ألا تنتهي العلاقة بالكتاب بانتهاء التظاهرة وأن تتحول هذه المبادرة إلى مشروع ثقافي متواصل يعزز حضور المؤلف التونسي ويمنح الناشر المحلي فرصا أوسع للاستمرار والوصول إلى جمهور جديد.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :