مقابلة خاصة | صحيفة فسانيا
حوار: سلمى مسعود.
الضيف: طارق لملوم — حقوقي وباحث في ملف الهجرة بليبيا ورئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء.
في أطراف المدن الليبية، بعيداً عن عدسات الكاميرا، تتحرك قصة الهجرة في صمت ثقيل. قوافل بشرية تعبر الصحراء في الليل، قوارب متهالكة تدفع نحو البحر بحثاً عن أفق مجهول، ومراكز احتجاز لا يعرف كثيرون ما يجري خلف جدرانها العالية.
هنا، لا يبدو ملف الهجرة مجرد عنوان سياسي أو أرقام تتداولها نشرات الأخبار، بل واقعاً يومياً تتداخل فيه السياسة بالأمن، والاقتصاد بالبقاء، والإنسان بالخوف.
منذ أكثر من عقد، تحوّلت ليبيا إلى محور أساسي في مسارات الهجرة عبر المتوسط. لكن هذا الموقع الجغرافي لم يعد يعني العبور فقط، بل أصبح يعكس أزمة مركّبة تجمع بين هشاشة الدولة، وضغوط الخارج، وتشابك شبكات المصالح. وبينما تُدار السياسات الدولية غالباً بلغة الأرقام والحدود، يبقى الإنسان هو العنصر الأكثر غياباً عن النقاش العام، رغم أنه قلب القصة الحقيقي.
في هذا التحقيق الحواري، تفتح صحيفة فسانيا نقاشاً معمّقاً مع الحقوقي والباحث طارق لملوم، أحد أبرز المتابعين لملف الهجرة في ليبيا، لفهم ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وكيف تحوّلت الهجرة من قضية إنسانية إلى معادلة سياسية وأمنية معقدة، وما إذا كان من الممكن إعادة بناء مقاربة تضع الكرامة الإنسانية في مركز الحل.

السؤال: كيف تقيّم الوضع الحالي لملف الهجرة غير النظامية في ليبيا مقارنة بالسنوات الماضية؟
طارق لملوم: إذا أردنا الحديث بدقة، فعلينا أن نعترف بأن ملف الهجرة في ليبيا تغيّر جوهرياً. في السنوات الأولى بعد 2011 كانت الهجرة نتيجة مباشرة للانفلات الأمني وسقوط مؤسسات الدولة، أي أنها كانت ظاهرة تتحرك داخل فوضى عامة. أما اليوم، فنحن أمام بنية أكثر تعقيداً. الهجرة لم تعد مجرد حركة بشرية، بل أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية وسياسية تتداخل فيها شبكات التهريب، وعمليات الاحتجاز، والابتزاز، وحتى بعض التمويلات التي تُدار تحت عنوان مكافحة الهجرة.
الخطير في الأمر أن هذه المنظومة خلقت نوعاً من الاعتياد على الأزمة، بحيث أصبحت بعض الانتهاكات تبدو وكأنها أمر طبيعي ضمن المشهد. التقارير الحقوقية الدولية تتحدث بشكل متكرر عن أنماط متشابهة من العنف والاستغلال، ما يدل على أن المسألة لم تعد حوادث فردية. نحن أمام واقع يعيد إنتاج نفسه باستمرار، ويجعل المهاجرين جزءاً من اقتصاد قائم، وليس مجرد عابرين في طريقهم إلى أوروبا.
الأزمة اليوم أكثر رسوخاً، لأن جذورها لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت مرتبطة بشبكات مصالح واستفادات، وهو ما يجعل أي محاولة للحل أكثر تعقيداً من السابق.
❝ المشكلة لم تعد في أعداد المهاجرين، بل في البنية التي تنتج الانتهاكات وتعيد تدوير الأزمة. ❞

السؤال: هل ليبيا اليوم دولة عبور أم أصبحت دولة استقرار قسري للمهاجرين؟
طارق لملوم: من الناحية النظرية لا تزال ليبيا تُصنف كدولة عبور، لكن الواقع على الأرض مختلف تماماً. هناك آلاف الأشخاص الموجودين داخل البلاد منذ سنوات، ليس لأنهم اختاروا الاستقرار، بل لأن الخيارات المتاحة أمامهم أغلقت. الطرق البحرية أصبحت أكثر خطورة بفعل سياسات الردع والاعتراض، والعودة إلى بلدانهم ليست دائمًا ممكنة لأسباب أمنية أو اقتصادية، كما أن المسارات القانونية للهجرة شبه غائبة.
هذا ما يجعلنا نتحدث عن «استقرار قسري». المهاجر يجد نفسه عالقاً بين حدود مغلقة وبحر مراقب وواقع داخلي هش، فيعيش حالة انتظار طويلة لا يملك التحكم فيها. كثير من الأشخاص يدخلون ليبيا وهم يعتقدون أنها محطة مؤقتة، لكنهم يكتشفون سريعاً أنهم أصبحوا جزءاً من أزمة ممتدة.
هذه الظاهرة لها آثار نفسية واجتماعية خطيرة، لأن الإنسان يعيش في حالة عدم يقين دائم، بلا مستقبل واضح ولا حماية قانونية مستقرة.
السؤال: ما الذي يجعل ملف الهجرة في ليبيا أكثر تعقيداً من غيره في شمال أفريقيا؟
طارق لملوم: التعقيد الليبي ناتج عن تداخل عناصر نادراً ما تجتمع في بلد واحد. أولاً، هناك هشاشة مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القرار، ما يعني غياب سياسة موحدة وواضحة. ثانياً، لدينا اقتصاد حرب لا يزال مؤثراً، حيث تتحول بعض الأنشطة غير الرسمية إلى مصادر دخل، وتصبح الهجرة جزءاً من هذا الاقتصاد.
ثالثاً، هناك ضغط خارجي كبير، خصوصاً من الدول الأوروبية التي تنظر إلى ليبيا باعتبارها نقطة احتواء للتدفقات. هذا الضغط يجعل السياسات تركز على المنع أكثر من الإدارة الإنسانية. وعندما تجتمع كل هذه العناصر، تصبح الأزمة متعددة المستويات: سياسية، أمنية، اقتصادية، وإنسانية في الوقت نفسه.

السؤال: ما أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون داخل ليبيا اليوم؟
طارق لملوم: الانتهاكات متعددة، ولا يمكن اختزالها في جانب واحد. نتحدث عن احتجاز تعسفي، وعنف جسدي، واستغلال اقتصادي، وابتزاز مالي، وأحياناً عنف جنسي. كثير من المهاجرين يعيشون في ظروف لا تتوفر فيها الحماية الأساسية، سواء داخل أماكن احتجاز رسمية أو غير رسمية.
الأمر الأكثر خطورة هو غياب آليات الرقابة الفعالة. عندما لا توجد مساءلة حقيقية، يصبح الانتهاك سهلاً ومتكرراً. لدينا شهادات كثيرة عن أشخاص دفعوا فديات، أو عملوا قسراً، أو فقدوا الاتصال بعائلاتهم لفترات طويلة. هذه ليست قصصاً استثنائية، بل جزء من واقع يومي صعب.
السؤال: كيف تصف أوضاع مراكز الاحتجاز؟
طارق لملوم: هناك فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع. الخطاب يتحدث عن إيواء وتنظيم، بينما الواقع في كثير من الأماكن يشير إلى اكتظاظ شديد ونقص في الخدمات الأساسية. لكن المسألة ليست فقط في الظروف، بل في الفكرة نفسها: تحويل الاحتجاز إلى أداة أساسية لإدارة الهجرة.
المعايير الدولية تعتبر الاحتجاز إجراءً استثنائياً ومحدودا، لكن في حالتنا أصبح القاعدة. وهذا يخلق دائرة مغلقة؛ فكلما زادت عمليات الاعتراض، امتلأت المراكز، وكلما امتلأت زادت الأزمات الإنسانية. لذلك لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون إعادة التفكير في فلسفة الاحتجاز نفسها.
السؤال: هل المجتمع الدولي يتعامل بانتقائية مع معاناة المهاجرين؟
طارق لملوم: هناك شعور واضح بأن الأولوية الأساسية هي تقليل الوصول إلى أوروبا، وليس تحسين أوضاع المهاجرين داخل ليبيا. كثير من السياسات تُقاس بنتائج رقمية: كم شخصاً تم منعه من العبور، وليس كم شخصاً تم حمايته.
هذا لا يعني غياب الجهود الإنسانية، لكنها تبقى أقل تأثيراً من السياسات الأمنية. عندما يصبح الهدف هو الإيقاف فقط، يتم نقل الأزمة من مكان إلى آخر بدل حلها جذرياً.

❝ النجاح السياسي يقاس بعدد من لم يصلوا، لا بعدد من تمت حمايتهم. ❞
السؤال: أين تقف حقوق الإنسان وسط تداخل الأمن والسياسة؟
طارق لملوم: للأسف حقوق الإنسان غالبا ما تأتي في المرتبة الثانية. الأمن أصبح الكلمة المفتاحية في النقاش، ومعها يتم تبرير الكثير من الإجراءات القاسية. لكن الواقع يقول إن غياب البعد الحقوقي لا يخلق استقرارا، بل يولّد مزيدا من التوتر والفوضى.
الأمن الحقيقي هو حماية الناس، وليس فقط منع الحركة. عندما يشعر الإنسان بأنه خارج القانون، تتعمق الأزمة بدل أن تنحل.
السؤال: ما تقييمك لدور الدولة الليبية في إدارة الملف؟
طارق لملوم: المشكلة الأساسية هي غياب سياسة وطنية واضحة وشاملة. هناك إجراءات متفرقة غالبًا ما تأتي كردود فعل وليس ضمن رؤية طويلة المدى. هذا الغياب يفتح المجال لاجتهادات متعددة ويخلق تناقضات في التطبيق.
الدولة تواجه تحديات كبيرة، لكن المطلوب هو بناء منظومة قانونية وإدارية واضحة تحدد المسؤوليات وتضمن الرقابة والمساءلة. بدون ذلك ستبقى الأزمة تدور في حلقة مفرغة.
السؤال: هل يمكن فصل ملف الهجرة عن اقتصاد الحرب في ليبيا؟
طارق لملوم: من الصعب جداً. الهجرة أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية. بعض الأطراف ترى فيها مصدر دخل، سواء عبر التهريب أو الاحتجاز أو الاستغلال. طالما استمر اقتصاد الحرب، سيظل المهاجرون جزءًا من المعادلة.
هذا يفسر لماذا تفشل كثير من محاولات التفكيك السريع، لأننا لا نتعامل مع جماعات منفصلة، بل مع شبكة مصالح متشابكة.

السؤال: كيف تقرأ سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه الهجرة عبر ليبيا؟
طارق لملوم: السياسات الأوروبية تركز على إدارة المخاطر خارج الحدود. الفكرة الأساسية هي تقليل الضغط الداخلي عبر دعم عمليات الاعتراض والردع. هذا جعل ليبيا عملياً خط الدفاع الأول.
المشكلة أن البعد الأمني يتقدم دائماً على البعد الحقوقي. لا توجد استثمارات كافية لبناء منظومة حماية داخل ليبيا توازي حجم التعاون الأمني، وهو ما يخلق اختلالاً واضحاً.
السؤال: كيف أثّر وجود المهاجرين على المجتمع الليبي؟
طارق لملوم: من الطبيعي أن يكون هناك أثر اجتماعي واقتصادي، خاصة مع ضعف الخدمات والاقتصاد المحلي. لكن تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات الداخلية أمر غير دقيق. جذور الأزمة مرتبطة بضعف الإدارة والحوكمة والاقتصاد.
عندما يتحول المهاجر إلى شماعة تُعلّق عليها المشاكل، نبتعد عن النقاش الحقيقي حول الإصلاحات المطلوبة.
السؤال: ما المقاربة الواقعية للحل؟
طارق لملوم: الحل لا يمكن أن يكون أمنياً فقط. نحن بحاجة إلى مقاربة متعددة المستويات تبدأ بإصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون، وتقليل الاعتماد على الاحتجاز، وفتح مسارات قانونية مؤقتة للعمل والحماية. كما يجب دعم البلديات والمجتمع المدني، لأنهما الأقرب إلى الواقع اليومي.
في الوقت نفسه، ينبغي أن يرتبط أي تعاون دولي بمعايير حقوقية واضحة قابلة للقياس. الحلول المؤقتة قد تخفف الضغط، لكنها لن تنهي الأزمة ما لم تُعالج الجذور الأساسية.

السؤال: ما الرسالة الأخيرة التي تود توجيهها؟
طارق لملوم:رسالتي لليبيين أن حماية القانون تعني حماية الجميع. عندما نقبل بانتهاك حقوق فئة ضعيفة، فإننا نضعف القانون على الجميع. للمهاجرين أقول إن إنسانيتكم لا تسقط مهما كانت الظروف. وللعالم أقول إن سياسات المنع وحدها لن توقف الهجرة، بل ستجعلها أكثر خطراً وكلفة إنسانية.
خاتمة:
بين اعتبارات الأمن وضغط السياسة وصوت الضحايا، يظل ملف الهجرة في ليبيا واحدًا من أكثر ملفات المنطقة تعقيداً. هذه المقابلة لا تقدم حلولاً نهائية، لكنها تفتح نافذة لفهم أعمق، يضع الإنسان في مركز الصورة لا على هامشها. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل يمكن تحويل ليبيا من ساحة لإدارة الأزمة إلى جزء من الحل الإقليمي؟














