أشباه الأصدقاء الوجه الآخر للإدمان والجريمة
تحقيق : حواء عمر
تتعدد قصص الخيانة لكنها جميعا تحمل وجها واحدًا بشعا ولعل أشدها بشاعة هي التي يكون فيها الجاني صديق مقرب أو قريب للضحية وكان سلاح الجريمة فيها ثقة عمياء أثبتت جسرا متينا لطعنات قاتلة يدرك الضحايا دائما وجوه مرتكبيها لكنهم يجهلون سببها.
في هذا التحقيق نسرد قصصا حقيقية أبطالها شباب عاشوا بيننا وأدمنوا المخدرات في غفلة منهم استدرجوا وصاروا أبطالا لحكايات الوصم التي لم يختاروها عانوا ويلات الإدمان ونظرات الاستهجان من القريب قبل البعيد منهم من يقبع في ظلمات السجون ومنهم من تمكن من العبور والتشافي وظل ذاك الجرح غائرا يلسعه كلما ذكرت أمامه كلمة صداقة.

صديق واحد كان كافيا لتدمير الحلم.
الشاب محمود أمحمد، وهو اسم مستعار لشاب من مدينة أوباري نال الشهادة الثانوية بتفوق فقرر الذهاب للعاصمة لإكمال دراسته كان الحلم كبيرا والطموح أعظم وأكبر وكانت العاصمة عالما غامضا وساحرا على شاب قادم من أقصى الجنوب من مدينة هي أشبه بقرية.
يقول محمود كنت شابا خجولا ونحيلا لا أفقه في عوالم المدن شيئا قادم من هناك حيث لا عمارات شاهقة ولا كليات ضخمة ولا ملابس فاخرة كنا نسمع عن عاصمة البلاد وكأنها أرض الأحلام لكني تخلصت من الرهبة باكرا اعتدادي بنفسي وثقتي الكبيرة في نفسي جعلتني أذوب سريعا في تفاصيل الجامعة.
لكن الحارس على باب الكلية كان جدا ودودا استقبلني بمنتهى الترحاب ومد لي يده للعون حتى أصبحنا أصدقاء نتقاسم كل التفاصيل بلا استثناء كان دائما سباقا لتقديم الخدمات كان شهما وبلهجتنا الجنوبية فزاع بدأت الحكاية بسيجارة واحدة ثم بتجربة سيجارة حشيش في البداية ترددت بل واستهجنت قلت له علمتني التدخين لكن لن أسمح لك بأن تدخلني على الحشيش لكنه كان لينا عذب اللسان كان يشعرني أنني أخاه الصغير.

بداية الانحدار نحو المخدرات.
بتنهيدة وجع أكمل محمود حديثه لازلت أذكر أن صديقي استغرق شهرا كاملا حتى يقنعني بتناول أول رشفة سيجارة من سبسي الحشيش كان يقنعني أن هذه السيجارة قادرة على منحي السعادة والثقة بالنفس والأهم سوف تساعدني على سرعة الاستيعاب بدون مقدمات أصبحت مدمنا وكان صديقي يغدق علي العطايا أقصد الحشيش بعد ثلاثة أشهر أخبرني أنه لا يملك ثمن الحشيش وعليّ تدبر أمري وكانت بدايتي مع ابتزاز دفعت ثمنه غاليا تركت الدراسة وعملت في المقاهي حتى أوفر ثمن سيجارة الحشيش أصبحت مدمنا بختم رسمي.
طريق الألم والخيانة.
يستأنف وكأنه يستجلب إرثا ثقيلا من بعد سحيق كان أبي وأمي المسكينان يتصلان بي باستمرار يؤكدان لي أنهما يضعان عليّ آمالا كبيرة الحقيقة أني خجلت من تعبهما وأنا ابن الأسرة المحافظة التي تعبت كثيرا في تربيتي قررت فجأة ترك كل شيء قاومت وتعبت وفشلت مرات عديدة حتى نجحت في ترك ذاك السم وأكملت دراستي وعدت للاستقرار في مدينة سبها.
وأكد محمود أبدا لم تكن الحكاية سهلة الآن وأنا أرويها أشعر بمرار الخيانة والخذلان رغم أنني تجاوزت ونجحت لكني أحذر جميع الشباب من الرفيق الغادر والصديق الخائن.

في ‘طاسة الشاهي’ حبة دمّرت حياة أسرة.
هيثم ابن مدينة سبها يقطن أحد أحيائها في بيت بسيط داخل أسرة يغلب عليها طابع الطيبة والثقة بعيدا عن الحذر المبالغ فيه أو الشك في الآخرين ولم يكن هيثم من رواد السهر أو رفقة الشوارع بل كان وقته موزعا بين الدراسة والبيت وحلمه لا يتجاوز مقعدا جامعيا ومستقبلا مستقرا.
سعدة شابة على مشارف الثلاثين من سكان مدينة سبها تتحدث بحرقة عن فقدان أخويها الاثنين بسبب الإدمان والخيانة.
تقول أخي الأكبر هيثم كان شابا مرحا مليئا بالحيوية دائم الابتسامة مرحابا وكثير الرفاق سريع الثقة فيمن حوله متفوق في دراسته وكان الولد البكر المحبوب من أمه وأبيه ومن العائلة كاملة كانت حياتنا كأسرة أكثر من جميلة وأعظم من مميزة ومستقرة وكان رفاق أخي تقريبا معروفين بالنسبة لنا هذا ما كنا نعتقده لكن ما حدث بعد ذلك أثبت لنا عكس كل توقعاتنا.

الصدمة بعد الرحلات الشبابية.
تؤكد سعدة عاد هيثم بعد إحدى الرحلات الشبابية ‘زردة’ غائبا عن الوعي تماما يحمله رفاقه الذين لم نكن نعرفهم جميعا عاد أبي سريعا من عمله ليجد الوضع مريبا، توجه بأخي إلى أقرب مستشفى ليعود بعد ساعات والصدمة تعلو وجهه بل كل ملامحه، منهار تماماً يرافقه أخي الذي بدا أكثر انهيارا من أبي ومنذ تلك اللحظة انقلبت حياتنا رأسا على عقب، علمنا أن أحدهم وضع لأخي قرصا مخدرا في كوب شاي كما أخبرنا أبي وبعد فترة طويلة صمت يبتر استرسال سعدة في الحديث ثم تكمل بتنا نخاف من هيثم الذي كان مصدر أمان لنا، ظل لفترة طويلة غريب التصرفات قاطعت أمي الخروج للجيران الذين قاطعونا هم أيضا بسبب انتشار خبر أن أخي مدمن أقراص مخدرة، أصبح يفتعل المشاكل في الشارع، وبدلا من علاجه أصبح والدي يحبسه في البيت وكذلك أخي الأصغر، مرت السنوات، عشر سنوات ونحن نعاني من الوصم تزوجنا جميعا خلال هذه السنوات حتى تزوج أخي الأصغر وكان يقطن مع أهلي في نفس المنزل مع السنوات كان أخي مسجونا في البيت تقريبا يخرج أحيانا نحاول علاجه من الإدمان بالسفر لطرابلس وبنغازي.
ليلة الفاجعة.
تكمل والدموع تملأ عينيها لكن رفاق السوء لا يتركونه كلما تحسن وضعه وكلما تحصل على فرصة للالتقاء بهم يعود للبيت وهو تحت تأثير المخدرات تحدث مشكلة كبيرة في البيت كنا نخفي عنه السكاكين والأسلحة لأنه أصبح بالفعل مؤذيا وفي ليلة صيف كئيبة وحالكة في سنوات الاقتتال والحروب في سبها لا أدري كيف غفل أبي وأخي عن إخفاء السلاح، ويبدو أن هيثم قابل أحد رفاق السوء تلك الليلة فعاد هائجا للبيت أخذ السلاح بشكل خاطف وخرج للشارع حاول أخي الآخر اللحاق به حاول افتكاك السلاح منه لكنه كان يطلق النيران في الهواء كان أخي يقول له هات السلاح كان يناديه باسمه فيرد عليه سأقتلك يا أخي لكني أعترف أنك رجل واجهتني وحدك بصدر مفتوح وفي مشهد درامي تمثيلي أطلق النار على أخيه وقتله نعم قتله
كان الشارع خاليا من المارة حتى سقط شقيقاي أحدهما قاتل والآخر مقتول لكن الاثنين مغدور بهما، خرج الجيران للشارع وتدافع الرجال بينما النساء وقفن مصدومات حمل الجيران أخي المقتول للمستشفى وسلم الآخر لمركز الشرطة، يتمت طفلة أخي وأصبحت قلوبنا مكلومة موجوعة حتى اللحظة تنهي سعدة حديثها لكن أخبركم كيف استقبلنا التعازي في الاثنين كيف توقفت الحياة بالنسبة لنا كم كان الفقد كبيرا وموجعا.
التوريط بالمخدرات جريمة قائمة بذاتها.
توضح القانونية نسرين فتحي أن ما ورد في هذه القصص لا يُصنَّف قانونيا في إطار التعاطي الطوعي فقط بل يدخل في دائرة الجرائم المركبة التي تبدأ بالفعل الجنائي المتمثل في دس مادة مخدرة لشخص دون علمه أو رضاه وهي جريمة قائمة بذاتها يعاقب عليها القانون الليبي.
وتؤكد فتحي أن توريط شخص في التعاطي عبر الخداع أو الاستدراج أو الاستغلال يُعد ظرفا مشددا للمسؤولية الجنائية خاصة إذا ترتب عليه ضرر جسيم سواء كان ضررًا صحيًا أو انهيارًا نفسيا أو تطور الأمر إلى ارتكاب جريمة قتل أو إيذاء جسدي كما هو الحال في قصة هيثم.
وتضيف أن القانون ينظر إلى الضحية في مثل هذه القضايا بوصفه مجنيًا عليه قبل أن يكون متهمًا لاسيما إذا ثبت أن بداية التعاطي لم تكن بإرادته الحرة بل نتيجة فعل إجرامي من الغير وفي هذه الحالة تنتقل المسؤولية الجنائية الأساسية إلى من قام بالفعل الأول، وضع المخدر أو التحريض أو التسهيل
وفيما يخص الجريمة اللاحقة كجريمة القتل توضّح القانونية نسرين فتحي أن المحكمة تأخذ بعين الاعتبار الحالة العقلية والنفسية للفاعل وقت ارتكاب الجريمة ومدى تأثير المواد المخدرة على إدراكه وإرادته وهو ما قد يفتح بابا لطلب خبرة طبية وقضائية لتقدير المسؤولية الجنائية المخففة دون إسقاطها كليا.
وتشدد فتحي على أن غياب التبليغ المبكر والخوف المجتمعي من الوصمة يسهمان في تفاقم الجريمة معتبرة أن الصمت العائلي والمجتمعي شريك غير مباشر في صناعة المأساة داعية إلى تفعيل آليات الحماية والتبليغ والعلاج الإجباري وملاحقة شبكات التوريط داخل المؤسسات التعليمية وأماكن تجمع الشباب.
وتختم القانونية نسرين فتحي بالقول إن هذه القضايا تكشف حاجة ملحة إلى تجريم واضح وصريح لفعل التوريط بالمخدرات وتشديد الرقابة وتكريس ثقافة قانونية تميز بين المدمن الضحية والمتاجر أو المحرض الجاني حماية للشباب وللسلم الاجتماعي.

الإدمان وآثاره النفسية والاجتماعية. وصمة المجتمع وعزلة الأسرة.
الأخصائية الاجتماعية عائشة بن يحمد تقول ، الإدمان يترك أثرا عميقا على حياة الشباب ليس فقط جسديا بل نفسيا واجتماعيا أيضا كثير من المدمنين الذين نتعامل معهم بدؤوا ضحايا لظروف قسرية أو توريط من أصدقاء وغالبا ما تضاعفهم وصمة المجتمع وعزلة الأسرة هذه الضغوط تجعل الشاب ينسحب من المحيط الاجتماعي ويصعب عليه بناء علاقات صحية مما يزيد احتمالية الانحراف أو العنف لاحقا.
الإدمان القسري وتحويل الأوهام إلى واقع.
قال استشاري الصحة النفسية الدكتور رجب محمد أبوجناح إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعاطي المخدرات فحسب بل في تحويل غير المباح إلى مباح وتحويل الأوهام إلى واقع مرير ينهش المجتمع.
دعا أبوجناح الشباب إلى رفض السلوكيات السلبية والسعي خلف المعرفة والوعي الحقيقي بمخاطر الإدمان محذرا من أصدقاء و رفاق السوء باعتبارهم الترتيب الأول كمسبب في تعاطي المخدرات. وشدد أبوجناح على أن تجار المخدرات يواصلون نشر سمومهم على مدار العام بينما تظل حملات التوعية محدودة من حيث التكرار والتأثير مطالبا بتكامل الأدوار بين المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام وخطباء المساجد للتصدي لهذه الظاهرة المتفاقمة.
وأكد الشاب الذي يدفع نحو الإدمان عن غير قصد يمر بصدمات نفسية متتابعة كفقدان السيطرة على حياته والعزلة وصعوبة التكيف مع محيطه. وأضاف التأثير لا يقتصر على الفرد فقط بل يمتد للأسرة والمجتمع.
وتابع الحالات التي عالجناها أظهرت أن الإدمان القسري أو المفروض يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب والتقلبات السلوكية وحتى الانفجار العاطفي في بعض الحالات ما قد ينتج عنه أفعال عنيفة أو كارثية كما حدث في حالات سابقة.
قصص هيثم ومحمود ليست استثناء بل هي من بين آلاف الحكايات التي سمعنا بها والتي لم تروى بعد.
القانون يحمي الضحية ويحاسب الجاني والمجتمع والأسرة والأخصائيون النفسيون والاجتماعيون كلهم شركاء في الوقاية والدعم.
الوعي والتدخل المبكر هما السبيل الوحيد لمنع الشباب من الوقوع في فخ المخدرات والخيانة، ولحماية حياتهم ومستقبلهم قبل أن تتحول الثقة إلى مأساة.














