حين يخذل الجسد صاحبه : حكايات مع التهاب النخاع الشوكي في ليبيا

حين يخذل الجسد صاحبه : حكايات مع التهاب النخاع الشوكي في ليبيا

تقرير/ سلمى مسعود.

لا ينهار الجسد دائمًا فجأة. أحيانًا يبدأ في الانسحاب بصمت، حركة بعد أخرى، عصبًا بعد عصب، حتى يكتشف الإنسان أن جسده لم يعد يطيعه كما كان.

هذا ما يعيشه المصابون بالتهاب النخاع الشوكي، مرض عصبي قد يصيب الشباب في مقتبل العمر ويحوّل حياتهم في وقت قصير إلى معركة يومية مع الألم، وفقدان الحركة، وفقدان الاستقلال. وفي ليبيا، حيث تعاني منظومة الصحة من انهيار مزمن، يتحول هذا المرض من حالة طبية قابلة للإدارة إلى مسار طويل من المعاناة، والانتظار، والتدهور.

في هذا التقرير، نسلّط الضوء على عدد قليل من القصص من بين كثيرين يعيشون هذه المعاناة بصمت، لنفهم كيف يؤثر التهاب النخاع الشوكي على حياتهم، وكيف يواجهون المرض في ظل غياب الرعاية الصحية الكافية، وتأخر التشخيص، وضعف خدمات العلاج الطبيعي والتأهيل.

هذه ليست قصص مرض فقط، بل قصص بشر يحاولون أن يستمروا في الحياة، بينما يخذلهم الجسد، وتخذلهم المنظومة التي يفترض أن تحميهم.

بين سرير المرض ومكاتب الدولة، ضاعت سناء.

أصيبت سناء الوافي بمرض في النخاع الشوكي في عام 2018، عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها. اليوم، في مطلع عام 2026، تبلغ سناء نحو خمسة وعشرين عامًا، وقد أمضت ما يقارب سبع سنوات في مواجهة مرض أنهك جسدها وحياتها.

بحسب إفادة سناء، فإن المرض أدى إلى فشل في الأعصاب، وتدهور متدرج في قدرتها على الحركة، وصولًا إلى عدم قدرتها اليوم على المشي بشكل طبيعي على قدميها، إضافة إلى تقرحات مؤلمة في الساقين ومضاعفات صحية متراكمة.

تقول سناء:«هذا المرض حرمني من أن أعيش طفولتي وشبابي، وحرمني من دراستي. وضعي صعب، وتوقف كل شيء، وصحتي تدهورت، وصرت حملًا ثقيلًا على أهلي».

وتضيف أن مسارات علاجها، وخصوصًا العلاج بالخارج، تعرقلت لاحقًا، وأن وضعها الصحي بدأ يسوء بشكل أوضح بعد توقف الإجراءات المتعلقة بملف العلاج.

وتشير سناء إلى أن ملف علاجها، ولا سيما ما يتعلق بالسفر للعلاج بالخارج، تعرقل بعد تولي عبدالحميد الدبيبة رئاسة الحكومة في مارس 2021، حيث تقول إن المراسلات توقفت، وإن الأمور “وقفت على كل شيء”، وهو ما انعكس مباشرة على حالتها الصحية.

وتقول في إحدى رسائلها:«بعد تولي الدبيبة، أوقفوا عليّ كل شيء، وحالتي بدأت تسوء أكثر من قبل

كما تشير إلى أنها دخلت العناية المركزة مرتين في نهاية عام 2025 بسبب تدهور حالتها الصحية.

وتقول سناء إنها أُبلغت قبل فترة قصيرة بوجود توسع في الشعب الهوائية وتآكل في أنسجة الرئة، وقد يصل الأمر إلى استئصال جزء من الرئة إذا لم تتحسن حالتها.

في تصريح لوالدة سناء، تقول:

«لقد أنهك المرض ابنتي، ووضعنا زاد الأمر تعقيدًا. أصعب ما يكون أن تكون في بلدك فاقدًا لهويتك، فيأكل المرض ابنك وأنت تقف مكتوف اليدين. المنظومة الصحية متهالكة، والسفر للخارج يحتاج هوية ودعمًا من الدولة، وهذا ما حُرمنا منه

قضية سناء الوافي، كما تظهر من شهادتها وشهادة والدتها، تكشف كيف يمكن لمرض خطير أن يتحول إلى معاناة طويلة حين تتعطل منظومة العلاج، وتغيب القدرة على الوصول إلى الرعاية المناسبة، ويُترك المريض وأسرته في مواجهة الألم والانتظار وحدهم.

علاج بلا نهاية، ونهاية بلا علاج.

محمد إبراهيم شاب ليبي بدأ رحلته مع المرض في عام 2016، عندما خضع لأول مرة للعلاج الكيماوي، بعد تشخيصه بحالة صحية خطيرة مرتبطة بالنخاع الشوكي.

منذ ذلك التاريخ وحتى عام 2023، ظل محمد يتنقل بين جلسات العلاج والمتابعة الطبية، في محاولة للسيطرة على المرض ومنع تدهوره. خلال هذه السنوات، لم يكن العلاج مسارًا مستقيمًا ولا سهلًا، بل سلسلة طويلة من المحاولات، والتوقفات، والانتكاسات، والآمال المؤجلة.

في مرحلة لاحقة، سافر محمد إلى تركيا، حيث خضع لعملية زرع نخاع في محاولة لإنقاذ حياته. وبعد العملية، واصل العلاج والمتابعة لمدة تقارب سنتين كاملتين، ضمن بروتوكول علاجي طويل يتطلب استقرارًا صحيًا، ورعاية دقيقة، واستمرارية في الأدوية والمتابعة.

لكن هذه الاستمرارية لم تدم.

بحسب إفادة أسرته، توقّف قيد العلاج في مرحلة لاحقة، لأسباب تتعلق بتعقّد الإجراءات، وضعف المنظومة الصحية، وغياب التعاون المؤسسي. ومع توقف العلاج والمتابعة، بدأ جسده يدخل في مرحلة لم يعد يحتمل فيها الحلول المؤقتة ولا التأجيل.

تقول أسرته إن فصيلة محمد نادرة، وهو ما زاد من تعقيد حالته، وصعّب العثور على دعم طبي مناسب له في الداخل.

تقدّمت الأسرة بأوراقه إلى عدة جهات رسمية، من بينها مركز الأورام في طرابلس، ورفعت ملفه للعلاج في الخارج، لكنها – بحسب قولها – لم تتلقَّ ردًا واضحًا، ولا تعاونًا فعليًا، ولا قرارًا يمكّن محمد من مواصلة علاجه في الوقت المناسب.

تقول الأسرة:”قدّمنا أوراقنا لكل الجهات، لا يوجد رد. العلاج في الخارج متوقف، ولا نجد تعاونًا، والمنظومة الصحية في البلاد ضعيفة.”

مع مرور الوقت، وغياب العلاج المنتظم، وصل محمد إلى مرحلة لم يعد جسده يحتمل فيها الاستمرار في هذا المسار القاسي من المرض دون دعم طبي فعلي، لينتهي الأمر بوفاته بعد رحلة طويلة من الألم والعلاج غير المكتمل.

رأي المختصين: لماذا لا يكفي الدواء وحده؟

تقول عائشة مسعود، ممرضة وأخصائية علاج طبيعي، إن حالات التهاب النخاع الشوكي تحتاج إلى برنامج تأهيلي طويل ودقيق، وليس إلى تدخلات متقطعة فقط. وتوضح: “العلاج الطبيعي في هذه الحالات ليس ترفًا ولا مرحلة ثانوية، بل هو جزء أساسي من العلاج نفسه، لأنه يساعد على منع التيبس العضلي، ويحافظ على ما تبقى من الوظيفة الحركية، ويخفف الألم، ويمنع المضاعفات التي قد تجعل المريض طريح الفراش بالكامل.”

وتضيف مسعود: “المشكلة التي نراها كثيرًا في ليبيا أن المرضى يصلون متأخرين إلى برامج التأهيل، أو ينقطعون عنها بسبب الظروف المادية أو الإدارية أو لعدم وجود مراكز قريبة منهم، وهذا يجعل نتائج العلاج أضعف بكثير مما يمكن أن تكون عليه لو توفرت المتابعة المنتظمة منذ البداية.”

تقول الأخصائية النفسية سالمة ياقة إن الأمراض العصبية المزمنة، مثل التهاب النخاع الشوكي، لا تؤثر فقط على الجسد، بل تُحدث صدمة عميقة في نفس المريض، لأنه يفقد فجأة السيطرة على جسده وعلى تفاصيل حياته اليومية.

وتضيف: “المريض في هذه الحالات لا يتألم من المرض وحده، بل من التغيّر المفاجئ في هويته ودوره الاجتماعي، ومن الشعور بالعجز والاعتماد على الآخرين بعد أن كان مستقلًا. هذا التحوّل القاسي، خصوصًا حين يحدث في سن الشباب، يترك أثرًا نفسيًا عميقًا يحتاج إلى دعم موازٍ للدعم الطبي.”

وتؤكد ياقة أن غياب منظومة دعم نفسي متخصصة يزيد من معاناة المرضى، قائلة: “حين لا يجد المريض من يفهم ما يمر به نفسيًا، ولا توجد خدمات دعم ترافق العلاج الطبي، يتحول المرض إلى عبء مضاعف، جسدي ونفسي، وهذا ما نراه في كثير من الحالات المزمنة في ليبيا.”

ملاحظة لافتة في هذا التقرير أنه، رغم البحث في المواقع الإخبارية الليبية وصفحات وزارة الصحة والمنصات الطبية المحلية، لا توجد حتى الآن تصريحات منشورة صريحة لأطباء ليبيين مختصين في الأمراض العصبية أو التهاب النخاع الشوكي تتناول هذا المرض بشكل مباشر أو تقدّم رؤية واضحة حوله للرأي العام.

وهذا الغياب في حدّ ذاته دلالة مهمة؛ إذ يشير إلى أن هذا النوع من الأمراض العصبية المزمنة ما يزال خارج دائرة النقاش الصحي والإعلامي الرسمي، ولا يحظى بالاهتمام المؤسسي الكافي، لا من حيث التوعية، ولا من حيث السياسات، ولا من حيث التواصل مع المجتمع.

وإن دلّ هذا الغياب على شيء، فإنه يدلّ على ضعف المنظومة الصحية في التعامل مع الأمراض العصبية المعقّدة، ليس فقط من ناحية العلاج، بل أيضًا من ناحية الاعتراف بها كقضية صحية عامة، تستحق أن تُناقش، وتُفهم، ويُوضع لها إطار واضح من الاستجابة والشفافية.

البيانات الرسمية بين الإعلان والتنفيذ: أين وصل ملف علاج الأورام وزراعة النخاع؟

في عام 2019، أعلنت وزارة الصحة الليبية رسميًا عن بدء قبول ملفات الحالات التي تحتاج إلى زراعة النخاع، وعلاج التصلّب اللويحي، وأورام المخ في الخارج، ودعت المرضى أو ممثليهم إلى تقديم المستندات اللازمة للجنة الاستشارية العليا لفحصها وإقرارها، في خطوة اعتُبرت حينها اعترافًا رسميًا بعدم توفر بعض العلاجات المتقدمة محليًا، وضرورة تمكين المرضى من الوصول إليها خارج البلاد.

لاحقًا، وفي عام 2022، ناقشت وزارة الصحة إمكانية تسهيل إجراءات علاج المرضى الليبيين في الخارج عبر مراجعة مسارات الإحالة والتنسيق بين الإدارات المختلفة، في محاولة لإزالة العقبات الإدارية أمام الحالات الحرجة التي لا يمكن علاجها داخل ليبيا، وهو ما عكس إدراكًا رسميًا لوجود تعقيدات في المنظومة القائمة وحاجة إلى إصلاحها.

وفي منشور رسمي أحدث على صفحة وزارة الصحة الليبية، أعلنت الوزارة عن قرب انطلاق برنامج لعلاج حالات الأورام، وزراعة النخاع، والجراحات الدقيقة للأطفال غير المتوفرة محليًا، مشيرة إلى أن هذه الملفات تُعد من أولوياتها الصحية، على الأقل من حيث الخطاب المعلن.

غير أن هذه التصريحات، رغم أهميتها، لا تجد انعكاسًا واضحًا في واقع كثير من المرضى الذين لا يزالون ينتظرون ردودًا على ملفاتهم، أو قرارات فعلية تمكّنهم من الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب. فبين إعلان قبول الملفات عام 2019، والحديث عن تسهيل الإجراءات عام 2022، والإعلان عن برامج قريبة الانطلاق لاحقًا، لا تزال الفجوة قائمة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للمرضى، الذين يواجهون بطئًا إداريًا، وتعثرًا في الإحالة، وغيابًا لآلية واضحة وشفافة تضمن لهم حقهم في العلاج دون أن يتحول إلى معركة طويلة مع الوقت والمرض.

وتكشف هذه الفجوة أن المشكلة لا تكمن في غياب الوعود أو التصريحات، بل في ضعف تحويلها إلى سياسات تنفيذية فعّالة، وإلى منظومة عمل واضحة يمكن للمريض أن يفهمها ويتتبعها ويثق بها. وفي هذا السياق، لا تبدو قصص المرضى حالات استثنائية، بل مؤشرات على خلل بنيوي في إدارة ملف العلاج المتقدم في ليبيا، حيث يسبق الإعلان التنفيذ، ويتقدّم الخطاب على الاستجابة، بينما يظل المريض في مساحة انتظار مفتوحة لا يملك فيها إلا الوقت، وهو أكثر ما لا يملكه.

خاتمة:

التهاب النخاع الشوكي ليس مرضًا نادرًا بقدر ما هو نادر في النقاش العام، ونادر في السياسات، ونادر في الاستجابة المؤسسية. وبين جسد يخذل صاحبه، ومنظومة تتركه ينتظر، يقف المرضى في ليبيا في منطقة رمادية لا هي رعاية كاملة ولا هي تَخلٍ صريح، بل فراغ طويل تتآكل فيه الصحة والكرامة معًا.

قصص سناء ومحمد، وغيرهما ممن لم تصل قصصهم إلى الإعلام، ليست مآسٍ فردية، بل مؤشرات على خلل أعمق في طريقة تعامل الدولة مع الأمراض المزمنة والمعقّدة؛ خلل يجعل العلاج مرتبطًا بالحظ، والوقت، والعلاقات، بدل أن يكون حقًا مضمونًا وواضح المسار.

هذا التقرير لا يطلب معجزات، ولا يبحث عن مذنبين بأسمائهم، بل يطرح سؤالًا بسيطًا ومؤلمًا:

هل من المقبول أن يتحوّل الحق في العلاج إلى رحلة استغاثة؟

وهل من الطبيعي أن يصبح الانتظار جزءًا من الخطة العلاجية؟

في بلد يمتلك الإمكانات، ويعلن عن البرامج، ويؤكد التزامه الصحي، يبقى الامتحان الحقيقي ليس في عدد البيانات الصادرة، بل في عدد المرضى الذين يصلون فعلًا إلى العلاج قبل أن يسبقهم المرض إلى نهايته.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :