فلسفة السعادة
دعبيرخالديحيي
من بين الذكريات التي ما زالت تعود إليّ كلما قرأت في علم النفس، حادثة وقعت معي في السنة الثانية من الدراسة الجامعية، يوم كانت الرحلة بين طرطوس ودمشق تبدأ قبل السفر بأيام، لأن الحجز في بولمانات (الكرنك) كان يحتاج إلى كثير من الحظ، ولا سيما في مواسم الإجازات.
صادفتنا آنذاك عطلة امتدت أربعة أيام، يعقبها امتحان عملي لا يحتمل التأجيل.
بحث والدي، أطال الله في عمره، عن حجز في بولمان ينطلق من طرطوس إلى دمشق فلم يجد، فحجز لي في رحلة قادمة من الشيخ بدر، تمر بطرطوس ثم حمص قبل أن تتابع طريقها إلى العاصمة.
في استراحة حمص، خطرت لي فكرة بدت في غاية البراءة (يمكن كثرة غلبة): أن أتصل بصديقتي الحمصية، توأم روحي، لأعرف موعد عودتها إلى دمشق.
دخلت كابينة الهاتف، وطلبت الرقم فردّت عليّ والدتها. وقبل أن أبادرها بالسؤال عن صديقتي حتى انهمرت الوصايا والشكوى والرسائل التي ينبغي أن أنقلها إلى ابنتها. كنت أستمع بأدب، غير مدركة أن عقارب الوقت كانت تركض أسرع مني.
خرجت من الكابينة، فلم أرَ البولمان.
في تلك اللحظة شعرت بأن الأرض أفلتت من تحت قدمي.
أخبرني الموجودون أنه غادر قبل دقائق، ونصحني أحدهم بأن أستأجر سيارة أجرة للحاق به. انطلقت سيارة الأجرة مسرعة، وبعد مطاردة قصيرة لمحنا البولمان على أول طريق الأتوستراد، أطلقنا أنا والسائق وضع (الهوبرة والزمامير) حتى نجحنا في إجباره على التوقف.
فتح المساعد الباب، وصعدت.
ما زلت أذكر ذلك الممر الطويل أكثر مما أذكر الطريق كله.
كانت الوجوه متجهة نحوي، والعشرات من العيون تلاحق خطواتي. لم ينطق أحد بكلمة، لكنني كنت أسمع في صمتهم محاكمة كاملة.
في تلك اللحظة وقعْتُ تحت ما يسميه علماء النفس “تأثير دائرة الضوء”؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يعتقد أن الجميع يراقبونه، وأن خطأه يحتل مركز الكون.
وزاد الأمر سوءًا أن مقعدي كان يحمل الرقم (45)، في الصف الأخير تمامًا. كان عليّ أن أقطع الممر كله تحت ذلك السيل من النظرات.
خطوة..
ثم خطرت لي فكرة لم أستدعها، بل داهمتني كشرارة: لماذا أمشي كمتهمة، وأنا أستطيع أن أمشي كمن يحتفل؟
ومن دون تخطيط، تحوّلت الخطوة الأولى إلى حركة دبكة خفيفة.
في اللحظة نفسها تبدل شيء داخلي. لم تتغيّر الوجوه، ولم تختفِ العيون، لكن الذي تغيّر هو أنا..استعدت زمام الموقف، وكأنني نزعت عن تلك النظرات سلطة الحكم عليّ.
ثم، ومع الخطوة الثانية، عاد إليّ صوت الرزانة مبتسمًا: “يكفي..لا تبالغي.”
فعُدت إلى مشيتي الطبيعية، ولكن برأس مرفوع هذه المرة، بعدما أدركت أن الخجل لم يعد يقودني.
جلست في مقعدي الأخير، وما إن استقرّيت فيه حتى انفجرتُ ضاحكة. كانت ضحكة صافية، خارجة من القلب، أعلنُ بها انتهاء المعركة.
بعد لحظات، بدأت الضحكة تنتقل من مقعد إلى آخر، حتى انفجر البولمان كله بالضحكات، وتحوّلت الحادثة التي بدأت بإحراج خانق إلى ذكرى مرحة يتقاسمها الجميع.
بعد سنوات طويلة، فهمت ما حدث في تلك الدقائق القليلة. لم تكن خطوتا الدبكة مجرد مزحة عابرة، كانتا فعلًا نفسيًا تلقائيًا، أعاد ترتيب الموقف في ذهني. فالإنسان لا يعاني دائمًا بالضرورة من نظرات الآخرين، لكنه فعليًّا يعاني من المعنى الذي يمنحه هو لتلك النظرات. وما إن ملكتُ القدرة على تغيير هذا المعنى، حتى تبدّد الإحراج، وحلّت مكانه حرية داخلية لا تزال ترافقني كلما واجهت موقفًا مشابهًا.
منذ ذلك اليوم، أيقنتُ أن الشجاعة لا تعني ألا نشعر بالخجل، لكنها تعني تمامًا أن ننتزع من الخجل سلطتَه علينا، أحيانًا..بخطوتين من خطوات الدبكة.
#














