بين مدارس بدأت التدريس وأخرى أربكها الاعتصام .. طلاب العام نفسه لا يبدؤون من النقطة ذاتها.
تقرير/ عمر بن خليب – د. سلمى مسعود
في صباح يُفترض أن يكون واحدًا لطلاب العام الدراسي نفسه، دقّ جرس مدارس في مدن ليبية، ودخل الطلاب إلى فصولهم وتسلم بعضهم كتبه وبدأوا دروسهم، بينما بقيت مقاعد أخرى خالية، ولم تنتظم الدراسة في مدارس أخرى بالوتيرة نفسها.
ورغم أن التقويم الدراسي الرسمي حدد موعدًا موحدًا لانطلاق العام الدراسي، فإن البداية الفعلية اختلفت من منطقة إلى أخرى، بل ومن مدرسة إلى أخرى.
ففي بعض المؤسسات التعليمية بدأت الدراسة واستُقبل الطلاب، بينما تأخرت أو تعطلت في مؤسسات أخرى على خلفية اعتصامات وتحركات للمعلمين، إلى جانب ظروف محلية أثرت في قدرة بعض الأسر على إرسال أبنائها إلى المدارس.

ويتتبع هذا التقرير، من خلال عينة من المدارس وشهادات أولياء أمور ومسؤولين تربويين ومتابعة البيانات والقرارات المنشورة في مناطق مختلفة، كيف انعكس هذا التفاوت على الأيام الأولى من الدراسة، وما إذا كانت التحذيرات التي سبقت الاعتصام قد أتاحت للجهات المسؤولة فرصة لتفادي وصول الأزمة إلى الفصول.
بداية واحدة على الورق.. وواقع مختلف في المدارس
في سرت، بدأت الدراسة في عدد من المدارس مع انطلاق العام الدراسي، واستقبلت المؤسسات التعليمية طلابها وشرعت في توزيع الكتب المدرسية، فيما شهدت مدن أخرى بداية أقل انتظامًا.
وفي طرابلس، تزامن موعد انطلاق الدراسة مع تحركات واعتصامات للمعلمين، ما انعكس على انتظام الدراسة في عدد من المدارس.
وفي مصراتة، بدت الصورة متفاوتة بين مؤسسات استقبلت الطلاب وأخرى لم تنتظم فيها الدراسة بالوتيرة نفسها.
أما في الجنوب، فشهدت سبها حضورًا للطلاب والمعلمين في بعض المدارس وتسليمًا للكتب، مقابل ضعف الحضور وعدم انتظام العملية التعليمية بصورة كاملة في مدارس أخرى، بالتزامن مع الاعتصام وأزمة الوقود وصعوبات واجهت بعض الأسر في الوصول إلى المؤسسات التعليمية.
وفي الشرق، ظهرت تحركات نقابية في بنغازي والبيضاء وتوكرة، حيث أعلنت جهات نقابية الاعتصام أو تعليق الدراسة للمطالبة بحقوق مالية ووظيفية للمعلمين، ما يجعل إطلاق حكم واحد على انتظام الدراسة في كامل المنطقة غير دقيق، ويستدعي النظر إلى كل مدينة ومدرسة على حدة.

وبذلك، لم يبدأ جميع الطلاب من النقطة نفسها؛ فبعضهم جلس في مقعده وبدأ تلقي الدروس، وبعضهم وصل إلى المدرسة وتسلم كتبه من دون انتظام كامل للدراسة، فيما بقي آخرون خارج الفصول.
ولا تكفي هذه الوقائع وحدها للقول إن الفارق تحول بالفعل إلى فجوة تعليمية قابلة للقياس، لكنها تطرح السؤال الذي يتتبعه التقرير: إذا كان التقويم والمنهج ومواعيد الاختبارات واحدة، فكم سيصبح الفارق في أيام وحصص التعليم الفعلية إذا استمر هذا التفاوت، ومن سيعوض الطلاب عما يفوتهم؟
أولياء الأمور.. بداية واحدة وقرارات مختلفة
لم يكن اختلاف بداية العام الدراسي محصورًا بين مدرسة فتحت أبوابها وأخرى لم تنتظم فيها الدراسة، بل امتد إلى الأسر نفسها؛ إذ أظهرت شهادات جمعها التحقيق من أولياء أمور في سبها وسرت ومصراتة وطرابلس تفاوتًا في التعامل مع الأيام الأولى، بين من أرسل أبناءه إلى المدرسة، ومن أبقاهم في المنزل تضامنًا مع المعلمين، ومن حالت ظروف أخرى دون وصول أطفاله إلى فصولهم.
في سبها، يقول أحد أولياء الأمور إنه اصطحب أبناءه إلى المدرسة، حيث استقبلتهم الإدارة وجرى توزيع الكتب المدرسية عليهم، في خطوة اعتبرها بداية لاستعدادهم للعام الجديد.
لكن ولي أمر آخر في المدينة اتخذ موقفًا مغايرًا، وقرر عدم إرسال أبنائه إلى المدرسة تضامنًا مع المعلمين المعتصمين، معتبرًا أن استئناف التدريس في ظل استمرار الاعتصام يمثل، بحسب تعبيره، «خيانة للمعلم» ومطالبه.
وبعيدًا عن الموقف من الاعتصام، أبقى سبب آخر أطفال أسرة ثالثة في سبها بعيدًا عن المدرسة. فقد أوضح ولي أمر أن بُعد مدرسة أبنائه عن مكان سكن الأسرة، إلى جانب أزمة الوقود والوقت الذي يضطر إلى قضائه في الانتظار، جعلا نقلهم إلى المدرسة بصورة منتظمة أكثر صعوبة.

وفي طرابلس، يقول ولي أمر أخر إنه أرسل أبناءه إلى المدرسة صباحًا معتقدًا أنهم سيبدؤون يومهم الدراسي بصورة طبيعية، لكنهم عادوا بعد وقت قصير بعدما تبين أن التدريس لن يستمر.
وبحسب رواية ولي الأمر، أُبلغ الأطفال داخل المدرسة بما يفيد أن الدراسة لن تستأنف قبل حصول المعلمين على حقوقهم.
وهي رواية ينسبها التحقيق إلى ولي الأمر، ولم يتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة من إدارة المدرسة المعنية.
أما في سرت ومصراتة، فتشير شهادات أولياء أمور تحدث إليهم التحقيق إلى اختلاف قرارات الأسر بين إرسال أبنائها وانتظار اتضاح موقف الاعتصام واستقرار الدراسة.
ويظل توثيق تجربة كل أسرة بصورة منفصلة أكثر دقة من تعميم هذه المواقف على المدينتين بالكامل.
وتكشف هذه الشهادات أن بداية العام لم تضع المعلمين والمدارس فقط أمام قرارات مختلفة، بل وضعت الأسرة أيضًا أمام سؤال يومي: هل ترسل طفلها إلى مدرسة قد لا تستمر فيها الحصص، أم تنتظر حتى تتضح صورة الدراسة؟
وفي الحالتين يبقى الطالب هو الطرف الذي يُقاس عليه أثر الأزمة: كم يومًا سيجلس في الفصل؟ وكم حصة سيتلقاها مقارنة بزميل في الصف نفسه بدأ الدراسة منذ اليوم الأول؟

«المقعد وحده لا يكفي».. الوقود وشروط القبول والخدمات تربك بداية الدراسة في سبها
في سبها، لم تكن صعوبات بداية العام الدراسي مرتبطة باعتصام المعلمين وحده.
فقبل الموعد المقرر لانطلاق الدراسة، طُرحت خلال اجتماع لمديري مكاتب التعليم مذكرة كان من بين مطالبها تأجيل الدراسة لعدة أسباب، بحسب مراقب التربية والتعليم في سبها المكلف محمد إسماعيل أبوبكر.
ويقول أبوبكر إن المراسلة أُحيلت إلى عميد البلدية لمخاطبة وزير التعليم في الحكومة الليبية، وإن عميد البلدية خاطب الوزارة لاحقًا، لكن لم يصدر، وفق إفادته، قرار أو بيان رسمي يقضي بتأجيل الدراسة.
ومع بقاء الموعد الرسمي قائمًا، يقول مراقب التعليم إن حضور المعلمين والطلاب في بعض مدارس سبها كان «بسيطًا جدًا»، بالتزامن مع تحركات المعلمين للمطالبة بحقوقهم وأزمة الوقود التي زادت من صعوبة وصول بعض أولياء الأمور إلى المدارس.
ويحذر أبوبكر من اختزال المشهد في القول إن مدارس سبها لم تستقبل الطلاب؛ إذ شهدت بعض المدارس حضور محدود، وتوجه طلاب إلى مؤسساتهم وتسلموا الكتب، لكن العملية التعليمية لم تبدأ بصورة طبيعية ومنتظمة في جميع المدارس.
ويشير إلى أن قبول الطلاب يخضع أيضًا لإجراءات تنظيمية، من بينها منح الأولوية للطلاب المقيمين بالقرب من المدرسة، إلى جانب استيفاء متطلبات التسجيل في المنظومة التعليمية.
وينفي مراقب التعليم، في الوقت نفسه، وجود أزمة عامة في المقاعد بعد استكمال عملية القبول، موضحًا أن بعض الإشكالات المتعلقة بشروط التسجيل تستند إلى قرارات لا تملك المراقبة منفردة صلاحية تغييرها.
أما بالنسبة إلى الطلاب غير الليبيين، فيوضح أن قبولهم يخضع لشروط تتعلق بوضع الإقامة واستكمال الإجراءات المطلوبة، مع وجود ترتيبات لبعض الحالات التي تكون إجراءاتها قيد الاستكمال.
ولا يثبت التقرير، من خلال هذه الإفادة وحدها، وجود أزمة عامة في المقاعد على مستوى سبها؛ لكنه يكشف عن مجموعة من العوائق المتزامنة التي يمكن أن تؤثر في الوصول إلى التعليم وانتظامه، من الاعتصام وأزمة الوقود إلى إجراءات القبول وبعد بعض المدارس عن أماكن سكن الطلاب.

اراء مدراء المدارس
يقول احد مدراء المدارس بسبها نحن مع حقوق المعلم.. ولكننا أيضًا مع حق الطالب
الأمر ليس خصومة مع المعلم، ولا انتقاصًا من حقوقه، وإنما دعوة إلى العدل في الحقوق والواجبات معًا.
ويضيف فالطالب ليس طرفًا في أزمة المرتبات، وليس مسؤولًا عن تأخر مستحقات المعلمين، ولا يجوز أن يتحول حقه في التعليم إلى ورقة ضغط. عندما تتوقف الدراسة، فإن المتضرر الأول هو أبناءنا.
والأكثر إيلامًا أن بعض من بادروا إلى فتح أبواب مدارسهم أمام أبناء المدينة حتى لا يُتركوا للشارع، تعرضوا للاتهام والخيانة وكأنهم ارتكبوا جريمة!
أي خيانة في أن نحمي أبناءنا من الضياع؟ وأي جريمة في أن نفتح لهم أبواب التعليم؟
ويؤكد نحن لا نقف ضد المعلم، بل نقول إن حقوق المعلم يجب أن تُصان، وفي الوقت ذاته يجب أن تُصان حرمة التعليم وحق الطالب في الدراسة.
المطلوب من الجهات المسؤولة أن تحسم ملف حقوق المعلمين، والمطلوب من المعلمين والنقابات أن تكون مطالبهم واضحة وعادلة، والمطلوب من الجميع ألا يجعلوا أبناءنا يدفعون ثمن أزمة لم يصنعوها.
لكن في المقابل، هناك سؤال يجب أن يُطرح بوضوح: ماذا عن المعلم الذي لا يدخل المدرسة، أو الذي غادر البلاد، ثم يطالب بمرتبه كاملًا؟
يمكن أن نعاقب الطالب بسبب عجز الدولة عن حل ملف المرتبات.
الطالب ماذا فعل؟
هل هو المسؤول عن تأخر المرتبات؟
هل هو المسؤول عن ضعف الخدمات؟
هل هو من قرر توقف الدراسة؟
هل يجب أن يُترك في الشارع حتى تُحل أزمة بين المعلم والجهات المسؤولة؟
الطالب اليوم هو الحلقة الأضعف. وإذا خسر أيام الدراسة، فلن تعود إليه بسهولة. وإذا تُرك في الشارع، فإن الخسارة لا تكون في عام دراسي فقط، وإنما في سلوك ومستقبل وجيل كامل..
حقوق المعلم لا تُلغى.. وواجباته لا تُلغى.. وحق الطالب لا يجوز أن يكون هو الثمن.

داخل مدرسة في سبها.. 500 طالب وحدود للاستيعاب
داخل إحدى مدارس سبها، تقدم الأرقام صورة أكثر تحديداً عن القدرة الاستيعابية.
يقول مدير المدرسة، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن الطاقة الاستيعابية للمؤسسة تبلغ نحو 500 طالب، وإن الإدارة تستهدف أن يكون متوسط عدد الطلاب في الفصل نحو 25 طالباً، حتى يتمكن المعلم، وفق تقديره، من إيصال المادة التعليمية بصورة أفضل.
وبحسب المدير، استقبلت المدرسة منذ بداية التسجيل 125 طالباً جديداً، ولا يزال باب التسجيل مفتوحاً، فيما تقدر الإدارة قدرتها على استقبال نحو 25 طالباً إضافياً قبل إغلاقه.
ويؤكد المدير أن المدرسة لم ترفض حتى وقت إجراء المقابلة ملفات المواطنين المستوفين لشروط التسجيل، وأنها تستقبل متقدمين من مختلف محلات سبها، رغم وجود أولوية للطلاب المقيمين في محيط المدرسة.
ولا يعني توفر المقعد، بحسب شهادته، أن المدرسة بدأت العام من دون مشكلات.
ذفالمدير يتحدث عن انقطاع المياه عن المؤسسة، وفترات لانقطاع الكهرباء، وأعمال صيانة لم تستكمل بعد، إلى جانب مشكلات مرتبطة بأعمال النظافة.
وتكشف شهادته أن قياس جاهزية المدرسة لا يمكن أن يقتصر على عدد المقاعد أو فتح أبوابها في اليوم الأول؛ فالمياه والكهرباء والصيانة والنظافة عناصر من البيئة التي يفترض أن يقضي فيها الطالب ساعات يومه الدراسي.
كما تطرح أرقام المدرسة سؤالًا يحتاج إلى بيانات أشمل قبل الإجابة عنه: إذا كانت مؤسسة بطاقة تقارب 500 طالب قد استقبلت 125 طالباً جديداً واقتربت من إغلاق التسجيل، فما وضع بقية مدارس سبها؟
ولم يحصل التقرير حتى الآن على بيانات شاملة تقارن إجمالي الطاقة الاستيعابية لجميع مدارس المدينة بعدد الطلاب المسجلين والمتقدمين الجدد؛ ولذلك لا يمكن تعميم وضع هذه المدرسة على سبها بأكملها.

بين قرار الوزارة واعتصام المعلمين.. تحذيرات سبقت جرس المدرسة
لم يبدأ الخلاف صباح دخول الطلاب إلى المدارس. فقبل الموعد الرسمي لانطلاق الدراسة بأيام، كانت تحركات ونقابات للمعلمين في مناطق مختلفة قد أعلنت تعليق العمل أو الاعتصام، ورفعت مطالب مالية ووظيفية إلى الجهات المختصة.
وفي السابع من سبتمبر، أي قبل بداية الدراسة بنحو أسبوع، أعلنت تحركات نقابية تعليق العمل لمدة 15 يومًا، مطالبة بجملة من الحقوق والمستحقات، مع التلويح بالتصعيد في حال عدم الاستجابة.
وخلال الأيام التالية، اتسعت رقعة التحركات. وتضمنت المطالب التي ظهرت في البيانات والتصريحات النقابية زيادة المرتبات وتحسينها بما يتناسب مع الأوضاع المعيشية، وصرف الفروقات والمستحقات والعلاوات، وتفعيل علاوة الحصة، وتوفير التأمين الصحي، ومعالجة أوضاع العقود والمرتبات المتعثرة، إلى جانب مطالب تتعلق بحماية المعلم وتحسين البيئة التعليمية.
وامتدت التحركات إلى الشرق؛ ففي بنغازي أعلن ممثلون عن المعلمين تعليق الدراسة إلى حين الاستجابة للمطالب، بينما أعلنت نقابة معلمي البيضاء الاعتصام، ورفعت تحركات نقابية في توكرة مطالب مالية ووظيفية، إلى جانب الحديث عن مشكلات تتعلق بكثافة بعض الفصول.
لكن المسار الرسمي مضى في اتجاه آخر.
ففي العاشر من سبتمبر، اجتمع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بوزير التربية والتعليم محمد القريو، وأعلنت الحكومة متابعة ملف حقوق المعلمين والعمل على تحسين ظروف العاملين في القطاع، فيما تحدث وزير التعليم عن جاهزية المؤسسات التعليمية واستكمال الترتيبات المتعلقة بانطلاق الدراسة.
وقبل موعد البداية، أكد القريو أن حقوق المعلمين المادية والمعنوية «خط أحمر»، مع التمسك بانطلاق الدراسة وفق التقويم المعتمد.
وفي 13 سبتمبر، أعلنت وزارة التربية والتعليم رسميًا انطلاق العام الدراسي استنادًا إلى قرار وزير التربية والتعليم رقم 1197 لسنة 2026، في الوقت الذي بدأ فيه معلمون ونقابات تنفيذ الاعتصام أو تعليق العمل في عدد من المناطق.
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط المساءلة في التحقيق: فالتحذيرات من الاعتصام سبقت الموعد الرسمي للدراسة، بينما استمرت الجهات التعليمية في الاستعداد للبداية وفق التقويم المحدد.
وبحسب مراجعة التقرير للبيانات والقرارات الرسمية المنشورة حتى 15 سبتمبر، تحدثت الجهات الحكومية عن متابعة حقوق المعلمين وضمان استقرار العملية التعليمية، لكن التحقيق لم يعثر ضمن المواد المنشورة التي راجعها على خطة تنفيذية معلنة تحدد جدولًا زمنيًا للاستجابة للمطالب الأساسية التي رفعتها النقابات، مثل زيادة المرتبات وصرف بعض المستحقات وتفعيل التأمين الصحي.
ولا يعني عدم العثور على خطة منشورة عدم وجود إجراءات غير معلنة أو مراسلات داخلية؛ ولذلك تظل هذه النقطة بحاجة إلى رد مباشر من وزارة التربية والتعليم والجهات الحكومية المختصة قبل النشر النهائي.

من يعوض الأيام المفقودة؟
وراء الخلاف بين الوزارة والنقابات سؤال لم تظهر إجابته بعد بصورة واضحة في الفصول: ماذا يحدث للطالب الذي بدأ متأخراً؟
فالطلاب الذين بدأوا الدراسة منذ الأيام الأولى، وأولئك الذين لم تنتظم مدارسهم بعد، يفترض أن يدرسوا المنهج نفسه ويصلوا في نهاية العام إلى مراحل التقييم والاختبارات المقررة.
لكن إثبات وجود فجوة تعليمية لا يتحقق بمجرد وجود مدرسة مفتوحة وأخرى متوقفة؛ بل يحتاج إلى قياس عدد الأيام والحصص الفعلية التي حصل عليها الطلاب.
ولهذا، يبقى أحد المؤشرات الأساسية التي يحتاج إليها التحقيق خلال الأيام المقبلة مقارنة طلاب من الصف نفسه في مدارس بدأت الدراسة وأخرى تعطلت: عدد أيام الحضور، وعدد حصص المواد الأساسية، والموضع الذي وصل إليه كل فصل في المنهج.
وإذا استمر التعطل، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ستُضاف أيام دراسية لتعويض ما فات؟ هل ستُعاد جدولة الحصص؟ وهل ستتغير مواعيد الاختبارات بالنسبة إلى المدارس المتأخرة، أم سيُطلب من جميع الطلاب الوصول إلى النقطة نفسها رغم اختلاف عدد الأيام التعليمية التي حصلوا عليها؟
وتحتاج هذه الأسئلة إلى إجابة رسمية وخطة قابلة للقياس؛ لأن تعويض أسبوع مفقود لا يتحقق بمجرد إعلان عودة الدراسة، بل باستعادة الساعات التعليمية التي خسرها الطالب بالفعل.
جرس واحد.. وبدايات مختلفة
في نهاية الأيام الأولى من العام الدراسي، لم يعد السؤال عمّا إذا كان الجرس قد دق رسمياً في موعده، بل عمّن استطاع أن يسمعه فعلاً.
فبين طالب دخل فصله وتسلم كتبه وبدأ دروسه، وآخر ذهب إلى المدرسة ثم عاد إلى منزله، وثالث أبقته أسرته بعيدًا عن مقعده تضامنًا مع المعلمين أو بسبب صعوبة الوصول إلى المدرسة، بدأت السنة نفسها بمسارات مختلفة لطلاب يفترض أن يصلوا في نهايتها إلى المنهج والاختبارات ذاتها.
المعلمون يقولون إن اعتصامهم جاء بعد مطالب يعتبرونها حقوقاً مستحقة وسبق طرحها بداية العام، بينما تمسكت الوزارة بالتقويم الدراسي وأكدت حقوق المعلمين وحق الطلاب في التعليم.
وبين الحقين تقع مسؤولية لا ينبغي أن يتحملها الطالب: أن تتحول أزمة بين العاملين في التعليم والجهات المسؤولة إلى ساعات وأيام تعليمية مفقودة.
وحتى الآن، تثبت الوقائع التي جمعها التقرير أن بداية الدراسة لم تكن متساوية، لكنها لا تكفي بعد لحساب الحجم النهائي للفجوة التعليمية بين الطلاب.
ذلك الرقم ستحدده الأيام المقبلة: كم يومًا درس كل طالب؟ وكم حصة فقد؟ وكيف ستُعوض؟
فقد دق الجرس في الموعد المحدد على الورق، لكن بالنسبة إلى بعض الطلاب، يبقى السؤال مفتوحاً:
متى يبدأ عامهم الدراسي فعلاً، وهل يصلون إلى نهايته من النقطة نفسها التي وصل إليها زملاؤهم؟













