رحل القلم وبقي الأثر”المهدي كاجيجي” رحلة ستة عقود بين الصحافة والتوثيق

رحل القلم وبقي الأثر”المهدي كاجيجي” رحلة ستة عقود بين الصحافة والتوثيق

رحل يوم السبت، الموافق 18 أبريل 2026م، الصحفي المخضرم المهدي يوسف كاجيجي، الرجل دمث الخلق، صاحب القلم الرشيق والذوق الرفيع، ابن مدينة هون، التي قدّمت في عهد الاستقلال وتأسيس الدولة الليبية الحديثة نخبةً من أبنائها الذين برزوا بشكل لافت في مجالي الصحافة والفنون.

ذلك الصحفي الذي بزغ نجمه في ستينيات القرن الماضي، خلال عهد المملكة الليبية الزاهر، فكتب بقلم المتابع للأحداث، واهتم بالسير وحوادث التاريخ، وانشغل بالرصد والتوثيق، وكأنه يكتب بروح الموثّق والمؤرخ. وقد جمع بأسلوبه الفريد بين الصحافة والأدب.
ينتمي المهدي كاجيجي إلى عائلةٍ ارتبطت بصلاتٍ وثيقةٍ بالعائلة السنوسية التي حملت لواء الدعوة وقادت الجهاد ضد المستعمر الإيطالي. وكان والده، الشيخ يوسف كاجيجي، من الشخصيات الوطنية البارزة في زمانه، ومن الذين عاشوا في مصر سنواتٍ طويلة في المنفى، وكان قريباً من عائلة آل سيف النصر التي لعبت دوراً مهماً في حركة الجهاد الليبية وفي تأسيس الدولة الليبية الحديثة بعد إعلان استقلالها في 24 ديسمبر 1951م. كما كان على تواصلٍ مع الأمير إدريس السنوسي — الذي أصبح ملكاً للبلاد بعد الاستقلال — ويحتفظ الأرشيف الوطني بعددٍ من المراسلات المتبادلة بينه وبين الأمير إدريس.
انتقل المهدي كاجيجي، ابن الجنوب، في أواخر الخمسينيات إلى العاصمة طرابلس. وكان قد انتسب إلى الحركة الكشفية منذ بدايات تأسيسها، حيث التحق بها قبل انتقاله إلى طرابلس، ويُعدّ من بين أبنائها المؤسسين. فقد تأسست الحركة الكشفية في ليبيا عام 1954م، مع إنشاء أول فرقة كشفية في البلاد بمدرسة طرابلس الثانوية، بقيادة علي خليفة الزائدي، الذي يُعدّ مؤسس الحركة الكشفية في ليبيا. وفي العام نفسه، تأسست أولى الفرق الكشفية في مدينتي بنغازي وسبها.
التحق بالعمل الصحفي عقب انتقاله إلى طرابلس، ولمع نجمه في ستينيات القرن الماضي، خلال ما يُعرف بالفترة الذهبية للصحافة الليبية الحديثة. نشر عدداً من المقالات والتحقيقات والتقارير في الصحف الليبية قبل أن يلتحق بالعمل في جريدة «الحرية» التي كان يملكها الصحفي المخضرم عمر الطشاني. عمل محرراً في الجريدة، ثم تولّى منصب مدير التحرير. وعقب إغلاق الصحافة الخاصة عام 1972، عمل مراسلاً لـ«دار الصياد» التي كان يملكها الصحفي والناشر اللبناني البارز سعيد فريحة. ويُذكر أن معمر القذافي قام في العام نفسه بمصادرة وتأميم الصحافة الليبية الأهلية «الخاصة» بشكل رسمي ونهائي، محولاً إياها إلى صحافة تابعة لنظامه الحاكم، لتصبح منذ ذلك الحين وحتى سقوط نظامه مجرد بوقٍ له.
تزوّج الأستاذ المهدي من السيدة الفاضلة نجاة القريتلي، ورُزق منها بابنتهما الوحيدة هبة. وكانت السيدة نجاة زوجةً بارةً به، وقد عاشا معاً حياةً ملؤها التفاهم والسعادة.
قرر الهجرة في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، فاستقر في القاهرة التي أحبها، وكانت له فيها صلات وذكريات. وكان دائم التردد على لندن، التي كانت آنذاك مركزاً مهماً للأعمال والإعلام. أسّس في القاهرة شركةً للدعاية والإعلام، ونفّذ من خلالها العديد من المشاريع خلال الثمانينيات والتسعينيات، محققاً أرباحاً مميزة في تلك الفترة.
كانت فترة الثمانينيات والتسعينيات مرحلةً حافلةً بالنشاط والحراك الواسع للقوى الوطنية في المهجر. وقد ظلّ المهدي كاجيجي متابعاً لما يجري، وعلى صلةٍ وثيقةٍ بالعديد من المعارضين، دون أن ينضم إلى أيٍّ من تنظيمات المعارضة.
وخلال هذه الفترة، أقام علاقاتٍ قوية مع عددٍ من المقيمين في المهجر، منهم: السيد سيف النصر عبد الجليل، رئيس المجلس التنفيذي لولاية فزان سابقاً ووزير الدفاع الأسبق في العهد الملكي؛ والأستاذ فاضل المسعودي، الكاتب والصحفي ورئيس تحرير صحيفة “الميدان” سابقاً، وأحد أوائل المعارضين لنظام القذافي، والمشرف على مجلة «صوت ليبيا»، وهي أول صحيفة دورية لقوى المعارضة الليبية في المهجر؛ والدكتور أمين بشير المرغني، الفنان التشكيلي والرئيس السابق لشركة الخطوط الجوية الليبية في أبهى سنواتها؛ والأستاذ بشير الزروق، أحد الشخصيات الطرابلسية المعروفة والصحفي الرياضي البارز؛ والأستاذ نوري رمضان الكيخيا من أوائل مؤسسي حركة المعارضة الوطنية في الخارج ومن أبرز رموزها؛ والأستاذ فتح الله فركاش رجل الأعمال المعروف… وآخرون.
وفي مطلع الألفية الجديدة، تمكّن من الحصول على إقامة دائمة في إسبانيا، حيث كان يتنقّل في تلك المرحلة بين إسبانيا ومصر.
عرفت الأستاذ المهدي كاجيجي في إحدى زياراتي إلى مصر في تسعينيات القرن الماضي، وتوطدت علاقتي به منذ عام 2002م بعد انتقالي مع أسرتي للإقامة في القاهرة. وكنت ألتقيه بين الحين والآخر، في بعض المناسبات الاجتماعية، وكذلك في أحد المقاهي بميدان المساحة في الدقي، أو في منزل السيد سيف النصر عبدالجليل القريب من الميدان. وكان السيد سيف النصر عبدالجليل، وزير الدفاع الأسبق، حكايةً أخرى؛ إذ كان بمنزلة الأب والعم بالنسبة إليّ.
وفي أواخر عام 2019م، طلبت من الأستاذ المهدي تقديم كتابي: «ملك ورجال.. سيرة رؤساء مجلسي الشيوخ والنواب في ليبيا»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1441هـ/2020م، فتفضل مشكوراً بكتابة التقديم، وشرفني بذلك. ومما جاء في تقديمه، الذي حمل عنوان «الملك.. وحكمة الاختيار»، ما يلي: «هذا الكتاب “ملك ورجال” عمل متميز لمؤلفه الأستاذ شكري محمد السنكي، الذي اشتهر بعمله الدؤوب وبحثه المتواصل في التفاصيل الدقيقة لتأريخ حقبة الاستقلال. وهو العمل الأول من نوعه في إلقاء الضوء على فريقٍ من الرجال الذين اختارهم الملك إدريس، رحمه الله، لتأسيس المملكة الليبية المتحدة. وأعتقد أن القارئ سيستمتع بقراءة تفاصيل دقيقة جمعها المؤلف وتُنشر لأول مرة».
فرح الأستاذ المهدي كاجيجي بثورة السابع عشر من فبراير وساندها، وتابع أحداثها ساعةً بساعة، وكتب العديد من المقالات في موقع «ليبيا المستقبل»، أحد أشهر مواقع المعارضة الإعلامية. كما نشأت علاقةٌ وطيدة بينه وبين حسين الأمين، صاحب الموقع ورئيس تحريره. وقد دعم الموقع وسعى، قدر استطاعته، إلى استمرار حضوره على شبكة الإنترنت، غير أن الظروف كانت أقوى، فاضطر صاحب الموقع إلى إيقافه بعد مسيرة إعلامية استمرت ما يقارب عشرين عاماً.
حصيلة كتاباته على مدى ستين عاماً كبيرةٌ جداً، ويمكن – بعد جمعها وتصنيفها وتبويبها – أن تُنشر في أربعة أو خمسة كتب.
وهذا ما ينبغي العمل عليه، بالتعاون مع أسرته وكلِّ من يحتفظ بأرشيف يضم موادَّ متفرقة من كتاباته.
توفي صباح يوم السبت الموافق 18 أبريل 2026م، بعد صراعٍ مع المرض، في إحدى المصحات بمدينة طرابلس، ودُفن في مقابرها عقب صلاة العصر.
رحل تاركاً وراءه مكتبةً عامرةً بالكتب والصور النادرة، فضلاً عن مراسلاتٍ عديدة مع شخصياتٍ كان لها أثر بارز في مسار حركتنا الوطنية والثقافية والصحفية. كما خلّف رصيداً هائلاً من كتاباته التي تناولت الشأن المحلي والذاكرة الليبية، وهي جديرة بالعناية والحفظ ضمن إصداراتٍ تضمن عدم ضياعها.
رحم الله المهدي كاجيجي وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من كتابات ومساهمات وذكر طيب في موازين حسناته، ونوّر قبره، وآنس وحشته، ووسّع مدخله، وجعل ذكراه العطرة صدقةً جاريةً لا تنقطع.
إنا لله وإنا إليــــــه راجعــــــون.

بقلم: شكري السنكي
فجر اليوم الأحد الموافق 19 أبريل 2026م

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :