صناديق ملونة ـــ طقوس احتفاء

صناديق ملونة ـــ طقوس احتفاء

بقلم :: ليلى المغربي

سألتني صديقتي اللبنانية سوزان ، هل ستحتفلين بقدوم العام الجديد ؟ قبل أن أجيبها رددت لها السؤال وماذا عنك هل أعددتِ لوازم احتفالك ككل عام ؟..بعفويتها المعهودة أخذت تصف لي الشجرة الخضراء الندية بحجمها الكبير التي وضعتها قرب المدفأة وزينتها بالكرات الملونة والنجوم الفضية وحمائم بيضاء تعلوها وشمس ذهبية في قمتها، قالت لي : اخترت الشمس لقمة الشجرة وسأوجه نحوها الكثير من الأضواء لتنشر أشعتها محبة وسلام رفقة تلك الحمائم البيضاء الصغيرة ، وفي اسفل الشجرة كدست الهدايا لعائلتي وأصدقائي حتى أنني خصصتك بهدية ، رَسَمتْ وجه حزين في صندوق الرسائل وتابعت .. كم تمنيت أن تكوني معي لنستقبل العام الجديد سوياً وأرى ملامح وجهك تشع بالسعادة وأنت تفتحين هديتك ، أعرف ذوقك وما تحبين ولن أخبرك بها هنا سأتركها في علبتها كما هي إلى أن نلتقي ، عادت لترسم الوجه الحزين قائلة .. مع كل هذه التحضيرات للاحتفال لكن الحزن يغلبني ويعتصر قلبي .. لا أدري ما السبب ليعتريني كل هذا الحزن في لحظات الفرح والانتشاء .. أحزان تغمرني مع نهاية العام .. كل عام .. توقفي أرجوك .. قاطعتها .. سأخبرك بالسبب .. إنها ببساطة طبيعة البشر ، التلذذ بالحزن والأسى كطقس لكل النهايات .. هناك من يستمتع باستعادة الذكريات الحزينة ويغرق نفسه بالشجن.. والمزج بين الحزن والفرح في نهاية العام واستقبال عام جديد كالحزن لفراق حبيب .. رحيل قريب .. أو فرح لقدوم مولود جديد… حب جديد … النهايات لا تكون حقيقية إلا برحيلنا نحن .. المأتم وحدها هي النهاية .. نحن قادرون على اختيار البدايات وإن كنا عاجزين عن رسم النهايات في الغالب ، لكن بعض النهايات فقط نستطيع التحكم بها .. كنهاية العام وطقوس توديعه بأحزانه وما حمله من أحداث متنوعة والاحتفاء بقدوم عام جديد . فلسفة عقيمة وإن بدت جميلة قالت سوزان وسألتني .. لماذا تهربتي من الإجابة حين سألتك كيف ستحتفلين بقدوم العام الجديد ؟ حسناً أنا أعرف أنك لا تفعلين مثلي وأنكم تعيشون ظروف صعبة ، نحن أيضاً عشناها لكننا لم نتوقف عن الاحتفال .. قلت لها .. يا سوزان يا صديقتي العزيزة سألتني ولم تمهليني الإجابة .. حسناً سأخبرك عن طقوسي القديمة وما استجد فيها .. منذ زمن بعيد لا أحتفي بمغادرة عام وقدوم أخر لكن كان لي طقس غريب لا أدري كيف ابتدعته ، إنه ارتداء ملابس جديدة أو قصة شعر مختلفة .. توقفت عن ممارسة هذا الطقس قبل سنتين تقريبا دون سبب يذكر .. أما هذه السنة فقد قررت ابتداع طقس جديد ومختلف كلياً .. هدايا وشجرة وكل اللوازم .. ضحكت سوزان .. لم أسمعها طبعاً لأنني كنت أحادثها كتابة فجاءت ضحكتها مكتوبة هاهاها وأردفتها بأن قالت .. أثرتِ فضولي لأتعرف بطقوسك الجديدة رغم أنها بوجود الهدايا والشجرة تبدو تقليدية جداً .. حسناً سأخبرك فلا تستعجلي .. في البداية سأجمع ما علق بي من أحزان هذه السنة وحتى السنوات الماضية ، سأحفر عميقاً في تراب حديقة البيت وأطمرهم .. ثم سأشكل صناديق ملونة من ذاك العجين الملون ( الصلصال ) الذي يلعب به ابني يوسف ويصنع منه أشكالاً مختلفة ، سأستعير بعضه وأصنع منه صناديق ملونة تشبه الهدايا التي توضع أسفل الشجرة ، وكل صندوق منها سأحفظ فيه قصيدة أو نص قرأته وترك أثراً في نفسي .. قالت سوزان .. فكرة جميلة وخيالية كالعادة عودي إلى الواقع واحتفلي كالبشر ../ اصبري يا عزيزتي أنت لم تتركيني أكمل وصف طقوسي .. / أكملي .. ولكن لا تنسي أن تخترعي شجرة من أجل صناديقك الوهمية .. هذه المرة أنا من ضحكت وأخبرتها أن الشجرة موجودة .. وأن الصناديق وإن بدت وهمية لكنها تنبض بالحياة .. ــ دعيني أتابع طقوسي .. فقد بدأتها فعلياً .. وضعت قصيدة حواء القمودي ” تلويحة غياب ” في صندوق بنفسجي تلك القصيدة التي تفطر القلب وجعاً وإبداعاً ، ونص عثمونة ” نداء فوق سطح الفندق ” في صندوق أصفر فنصوص عثمونة عميقة عفوية سلسلة لكنها لا تخلو من نزق يتجلى في ثنايا بعض نصوصه ، وصندوق زهري اللون” لقصيل “عائشة ابراهيم الذي أسرني ، وصندوق بلون سماوي ليونس الفنادي “دينامو الثقافة” وصندوق أبيض لسليمة بن نزهة بلون “نقاء سريرتها وقلبها” ، وصندوق برتقالي لصديقي الشاعر أحمد الشارف فهو “صديق لا مثيل له” ، وصندوق أخضر لصديقتي إيمان سيف النصر التي “تحتويني دائماً بمحبة” ، وصندوق عاجي اللون بلون ياسمين الشام لصديقتي سوسن الزعيم “قلب دمشق وعطرها وأحاديثنا الهاتفية التي لا تتوقف” ، وصندوق بني بلون التمر لمدينة هون “وأهلها الطيبين” ، وصندوق مزين بالتوليب ممتلئ “بالشوق والحنين” لشقيقتي رزان وأولادها و”صباحاتها التي تنعشنا” ، وصندوق بحجم كبير عسلي اللون لشقيقتي رابعة “توأم روحي” ..

ــ والشجرة ؟ مهلك يا سوزان سأخبرك عن الشجرة ، إنها شجرة البرتقال .. ولا تسألني لماذا اخترتها .. أنا سأشرح لك .. لأنها بنظري أجمل الأشجار ، مذ كنت صغيرة كانت أسهل شجرة في الرسم أتقنت رسمها وأحببت ألوانها ورائحتها وعطاءها بكرم .. وهذه الشجرة تشبه عمر عبدالدائم وحبات البرتقال فيها هي “قصائده الشهية ، قد تبدو متشابهة اللون لكن لكل قصيدة منها مذاق خاص يعشش في الذاكرة ، لا تفقد رونقها بتكرار قرائتها ، عميقة المعنى والأثر” .. نسيت أن أخبرك عن الصندوق الأحمر فقد احتفظت به لعائلتي “سيد العدسة” طه كريوي .. أنا لا أقصد عدسته الفوتوغرافية فقط ، بل عدساته الحقيقة .. “عيونه العسلية التي تلتقط مشاعري بنظرة ، وتحتويني بلهفة ، وتنشغل لقلقي وحزني وتعبي” .. و”يس” الذي منحني أجواء جميلة أثناء الكتابة “بعزفه على الجيتار أنغاماً أحبها” ، و”لميس” التي تعد لي “الشاي بالقرفة” كل مساء ، ويوسف الذي سمح لي باستعارة “صلصاله الملون” لصناعة الصناديق . ـــ وأنا ألم تحسبي حسابي بصندوق ؟ بلى يا عزيزتي .. “هذا النص” الذي كتب في “صندوق بريدك” وكنتِ القارئة الأولى له .. فقد تركت لك الصندوق الأخير .. وكما يقول الفيلسوف هرقليطس ” النهايات العظيمة تحتاج إلى طموح عظيم ” قررت أن أنهي العام بطقوس احتفاء عظيمة لعلي أحظى بعام جديد أفضل مما سبقه .

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :