- عتيق حيدرة
دائما يتردد على المسامع أرقام وإحصائيات تثير الكثير من الإعجاب والدهشة في آنٍ واحد؛ إحصائيات تتحدث عن انخفاض نسبة الأمية في ليبيا إلى ما دون 9%، وعن وجود أكثر من 27 ألف حامل لشهادة الدكتوراه، فضلاً عن مليون حافظ لكتاب الله تعالى، ناهيك عن جحافل المهندسين، والأطباء، والمعلمين، والوعاظ الذين يملأون المنابر والمؤسسات.
نحن هنا لا نكذب هذه الأرقام أو نشكك في صحتها، بل لعلنا نتمنى أن تكون أكبر من ذلك. ولكن، ثمة سؤال جوهري يفرض نفسه بجرأة وإلحاح أمام كل ذي بصر وبصيرة: إذا كانت هذه الأرقام حقيقية، فأين أثرها على أرض الواقع؟
إن القيمة الحقيقية لأي كتلة بشرية متعلمة ونخبوية لا تُقاس بعدد الشهادات المعلقة على الجدران، ولا بالصفات والألقاب التي تسبق الأسماء، وإنما تُقاس بمخرجاتها في حياة الناس اليومية. والواقع المعاش، بكل أسف، يضعنا أمام مفارقات صارخة تستدعي الوقوف والتأمل:
أين عقول الـ 27 ألف دكتور؟ لماذا لا نرى انعكاس هذه الترسانة الأكاديمية في تطوير الإدارة العامة، أو وضع خطط إستراتيجية لإنقاذ الاقتصاد، أو تحديث المناهج التعليمية التي تجاوزها الزمن؟ لماذا ما زالت مؤسساتنا تدار بعقلية البيروقراطية البدائية بينما نمتلك هذا العدد الهائل من حملة أعلى الدرجات العلمية؟
أين أثر “المليون حافظ” في سلوكنا العام؟ إن حفظ القرآن الكريم مبعث فخر واعتزاز، لكن القرآن منهج حياة وسلوك قبل أن يكون نصوصاً تُرتل. أين أثر هذا المليون في تعزيز قيم النزاهة، والانضباط الوظيفي، ومحاربة الفساد، ونشر التسامح، والحفاظ على الفضاء العام ونظافة مدننا؟
أين جيوش المهندسين والأطباء؟ لماذا لا تزال بنيتنا التحتية متهالكة، وقطاعنا الصحي يئن تحت وطأة الأزمات، مما يضطر المواطن للبحث عن العلاج خارج حدود الوطن؟
إن هذه الفجوة العميقة بين “الرقم” و”الأثر” تكشف عن خلل بنيوي خطير؛ فهي تؤكد أننا ركزنا لعقود على “الكم” وأهملنا “الكيف”. لقد تحولت الشهادات في كثير من الأحيان إلى غاية اجتماعية أو وسيلة لتحسين المرتبات والترقيات، بدلاً من أن تكون أداة لإنتاج المعرفة وحل المشكلات. كما أن غياب مؤسسات الدولة الحقيقية، وتفشي المحاصصة والولاءات على حساب الكفاءة، ساهم في تهميش العقول الفاعلة وإحباطها، لتبقى تلك الأرقام مجرد حبر على ورق الإحصائيات.
ختاماً، إننا لا نبخس الناس أشياءهم، ولا ننكر وجود كفاءات وطنية مخلصة تحاول البناء وسط الركام. لكن الاستمرار في التغني بالأرقام دون النظر إلى المخرجات هو نوع من التخدير الذاتي. لقد آن الأمر لنتساءل بكل شجاعة: متى تتحول هذه الأرقام من مجرد مؤشرات رقمية صماء، إلى طاقة حقيقية تحرك عجلة التنمية وتغير واقع المواطن نحو الأفضل؟














