بقلم: أبوبكر بن خيلب.
أستاذ القانون – جامعة سبها.
يُقال تاريخياً إن “الجار قبل الدار”، وهي حكمة لم تأتِ من فراغ، بل من إدراك عميق بأن جودة الحياة لا تقف عند حدود جدران مسكنك، بل تبدأ من طريقة تعاملك مع من يشاركك المحيط.
وفي المنظومة القانونية الليبية، وتحديداً في المادة 817 من القانون المدني، نجد تجسيداً تشريعياً رصيناً لهذه الحكمة، حيث حاول المشرع ضبط شعرة معاوية الفاصلة بين سلطة المالك المطلقة في ملكه، وحق الجار في السكينة والسلامة.
بيْد أن الواقع المعاصر بات يكشف عن فجوة متسعة بين النص القانوني والممارسة اليومية.
فالمادة القانونية واضحة في تصنيفها؛ هناك مضار “مألوفة” يجب أن يتسع لها صدر التعايش المشترك، وهناك مضار “غير مألوفة” تتجاوز احتمالات الشخص العادي وتستوجب التدخل القضائي لإزالتها والتعويض عنها.
ولكن، متى تحولت بيوتنا وأحياؤنا إلى ساحات مفتوحة للورش المقلقة، والروائح النفاذة، والتعديات المعمارية التي تحجب الضياء والهواء؟
المشكلة الحقيقية اليوم لا تكمن في غياب النص، بل في أمرين:
الأول: يتمثل في الفهم الخاطئ للترخيص الإداري؛ إذ يعتقد الكثيرون أن الحصول على رخصة تجارية أو صناعية يمنحهم حصانة مطلقة للجور على حقوق جيرانهم، متناسين أن المشرع الليبي كان حاسماً حين نص على أن الترخيص الإداري لا يحمي صاحبه من المسؤولية إذا استطال ضرره ليتجاوز الحد المألوف.
والثاني: هو تراجع ثقافة “حسن الجوار” اللصيقة بأعرافنا المجتمعية، والاندفاع نحو الأنانية الفردية تحت شعار “أنا حر في ملكي”، وهو شعار باطل قانوناً إذا استُخدم للإضرار بالآخر.
إن القضاء الليبي، وإن كان يملك سلطة تقديرية واسعة عبر معايير مرنة (كالزمان والمكان والعرف الجاري) للفصل في هذه المنازعات، لا ينبغي أن يكون الملجأ الأول دائماً.
إن ضبط حدود الجوار يبدأ من الوعي الذاتي بأن الملكية وظيفة اجتماعية قبل أن تكون سلطة تسلطية.
وحماية السلم المجتمعي تبدأ من كف الأذى، فما فائدة اتساع دورنا إذا ضاقت بها صدور جيراننا؟














