قزازين

قزازين

مفتاح العلواني

في زمنٍ بعيد.. حين كان الصيف يُقاس بطول الرعي لا بعدد الأيام.. كنا نقيم مع الأغنام موسمًا كاملًا.. وكان لأبي سيارة ميتسوبيشي (قلع).. هرِمة.. متعبة.. تشبهه في صبرها أكثر مما تشبه السيارات.

في الليل.. كان أخي عبد الحميد يقترب مني كما لو أنه يسرق سرًّا من الهواء.. يهمس:

هيا معاي.

فنخرج خلسة.. نأخذ السيارة من نومها الثقيل.. ونشق بها الطريق الترابي الطويل.. تحت قمرٍ لا يفعل شيئًا سوى أنه يضيء.. وكأن الضوء وحده كافٍ لئلا نخاف.

لم يكن في السيارة مسجّل.. لكن عبد الحميد كان يملك مسجّلًا محمولًا.. وكان يملك أكثر شريط كاسيت واحد فقط.. للفنان الشعبي مفتاح بوحليقة.

كلما ابتعدنا قليلًا عن المنزل.. كان يلتفت إليّ.. بعينين تعرفان الجواب قبل السؤال، ويقول:

نسمعوا حاجة؟

فأقول:

نسمعوا.

وأنا أعرف.. كما يعرف الطريق نهايته.. ما الذي سنسمعه

كما في كل مرة.

يُخرج الشريط.. يدخله بحذر كمن يعيد قلبه إلى مكانه.. ويبدأ بوحليقة بالغناء:

نا وانتي ديما يا عين

نشّاكوا كي القزازين.

وفي كل مرة.. كانت الأغنية تُولد من جديد.. كأنها لم تُسمع من قبل.. كأن الصوت نفسه يتفاجأ بوجوده.

نقود قليلًا.. ثم نعود في هدوء.. بعد رحلة قصيرة لا شيء فيها سوى ظلامٍ يقتحمه نور القمر بلا مقاومة.

وهكذا.. ليلة بعد ليلة.. أغنية بعد أغنية.. حتى مات أبي.. وعندها فقط صرنا فعلًا قزازين.. لا في الأغنية.. بل في الحياة.. صرنا نشتكي لبعضنا.. ونستعيد تلك الليالي.. نضحك أحيانًا.. ونصمت أكثر.. ثم أدركتُ متأخرًا.. أننا لم نكن نسرق السيارة.. ولا نهرب في الليل.. ولا نبحث عن أغنية.. كنا نتمرّن.. دون أن ندري على اليُتم.. كنا نأخذ شيئًا متهالكًا.. ونقوده تحت قمرٍ مؤقت.. ونعود قبل أن ينتبه الزمن.. وحين جاء اليوم الذي لم نعد فيه.. اكتشفنا أن الطريق الترابي لم يكن يؤدي إلى أي مكان:

بل كان يُعلّمنا كيف نمشي لاحقًا من دون أب.

_______

القزازين: جمع قزّون.. وهي كلمة شعبية تعني اليتيم.

وفي الصورة سيارة قديمة بمزرعة أحد الأصدقاء.

Ahmeda Alelwani

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :