لماذا نُسف الحريري؟

لماذا نُسف الحريري؟

  • مالك المانع.

  في بيروت .. قد لا يحتاج الأمر إلى حدوث زلزال أرضي كي تتغير معالم البلد .. يكفي فقط أن ينفجر شارع بوسط العاصمة بحمولة متفجرات تكفي لنسف جبلٍ بأسره و ليت ما نُسف كان جبلاً من الصخور والحجارة  ،، ولكن الجبل الذي استهدف كان ” رفيق الحريريفي ظهر الرابع عشر من فبراير شباط 2005، كان رفيق الحريري يعبر بيروت في موكبه، كعادته، قبل أن ينفتح قلب العاصمة فجأة على نارٍ ودخانٍ وحديد. لم يكن الانفجار مجرد انفجار، كان لحظةً بدا فيها أن لبنان نفسه قد تلقى رصاصة في صدره. قُتل الحريري و نحو 21 شخصاً آخرون، وأصيب 226، وتحولت دقائق قليلة إلى واحدة من أكثر اللحظات دموية وتأثيراً في التاريخ اللبناني الحديث.

لكن بعض الجرائم لا تنتهي حين يموت أصحابها، وبعض الأسئلة تعيش عمراً أطول من ضحاياها .. في ذلك اليوم بعد أن تلاشى الدخان وهدأت الأصوات ، بدأت بيروت تجمع أشلاءها، لينتشل السؤال من بين الركام : لماذا قُتل الرفيق؟

في الحقيقة لم يكن الرجل في تلك اللحظة مجرد رئيس حكومة سابق. بل كان واحداً من أولئك السياسيين الذين تتجاوز أسماؤهم حدود المناصب ، [ رجل أعمال، ورجل دولة، ووجهٌ عربيٌّ واسع العلاقات، وصاحب مشروع ارتبط بإعادة إعمار لبنان بعد الحرب ] الحريري كانت له

 صلات وثيقة بعواصم عربية وغربية، وكان اسمه حاضراً في الحسابات اللبنانية والإقليمية، ولذلك لم يكن وجوده السياسي مجرد تفصيل في دفتر السياسة اللبنانية. لقد كان وزناً قائماً بذاته.

والأخطر أن موته جاء في لحظة لم يكن لبنان فيها يعيش حياة سياسية طبيعية. كان الوجود السوري العسكري والسياسي لا يزال يثقل المشهد، وكانت العلاقة بين بيروت ودمشق قد دخلت مرحلة توتر متصاعد، فيما كان القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن في سبتمبر

/2004 قد وضع على الطاولة قضايا السيادة اللبنانية، وانسحاب القوات الأجنبية، ونزع سلاح الميليشيات، وإجراء انتخابات رئاسية بعيداً عن التدخل الخارجي.

وكان الحريري قد استقال من رئاسة الحكومة في أكتوبر تشرين الأول عام 2004، قبل أشهر قليلة من اغتياله. ثم جاءت تلك الشاحنة المشؤومة.

انفجار هائل، في قلب بيروت، بعبوة قدرت لجنة التحقيق الدولية لاحقاً أنها تعادل ما لا يقل عن 1200 كيلوغرام من مادة TNT، خلفت وراءها مشهداً يصعب أن يُمحى من ذاكرة المدينة. وخلصت اللجنة إلى أن ما حدث كان اغتيالاً مستهدفاً، لا حادثاً عابراً ولا ضربة عشوائية ..

ومن هنا بدأت الحكاية الثانية حكاية البحث عن القاتل..! دخلت الأمم المتحدة على خط

 التحقيق، ثم تأسست المحكمة الخاصة بلبنان، واستغرق المسار القضائي سنوات طويلة، إلى أن أُدين ثلاثة أشخاص غيابياً في القضية الأساسية، وهم [ سليم جميل عياش وحسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي ] وحُكم عليهم بالسجن المؤبد، فيما تمت تبرئة أسعد حسن

 صبرا. وأُغلقت المحكمة أبوابها نهائياً في نهاية عام 2023.لكن المفارقة أن انتهاء المحكمة لم يُنهِ السؤال ، فالقضاء استطاع أن يحدد مسؤوليات جنائية لأشخاص، لكنه لم يبدد الغموض السياسي إلى حقيقة مكتملة.

وهنا ينبغي ألا نخلط بين ما ثبت قضائياً وما بقي في مساحة التحليل والاتهام السياسي. فالسؤال الجنائي: هو من نفذ الجريمة ؟ ليس هو بالضرورة السؤال السياسي الأكبر : من أراد؟ ولماذا في ذلك التوقيت ..؟ ومن استفاد من النتيجة ..؟ بعد أسابيع من الاغتيال، خرج

 اللبنانيون إلى الشوارع. أصبح الرابع عشر من مارس اسماً لمرحلة سياسية كاملة، وتحوّل دم الحريري إلى وقود لحركة شعبية وسياسية واسعة، فيما خرجت القوات السورية من لبنان في أبريل نيسان عام 2005، منهية وجوداً عسكرياً دام قرابة 29 عاماً .

وهنا تكمن المفارقة التي تجعل اغتيال الحريري أكبر من جريمة اغتيال: الرجل مات، لكن موته غيّر ميزان القوى.

لقد أُزيل الحريري من المشهد، لكن غيابه حرّك الشارع، وغيّر الاصطفافات، وسرّع انسحاب

 الجيش السوري، وفتح لبنان على مرحلة جديدة من الصراع السياسي. ومن هذه الزاوية يصبح السؤال أكثر قسوة: هل كان المطلوب إسكات رفيق الحريري؟ أم إسكات لبنان الذي

 كان يمكن أن يولد من بعده؟صحيح أننا ككُتَّاب و صحفيين لا نملك بعد أكثر من عقدين من الزمن الحق الصحفي في أن نملأ الفراغات باليقين ، لكننا ولا شك نملك حق السؤال ، نملك أن ننظر إلى التوقيت ، إلى المشهد الإقليمي ، إلى موقع الرجل ، إلى ما كان يجري قبل

 اغتياله، وإلى ما جرى بعده، ثم نسأل: هل كان الحريري الهدف؟ أم أن الهدف كان شيئاً أكبر منه ؟ربما كان الرجل في السيارة، لكن السياسة كانت في الشارع، وسوريا كانت في المشهد ، والمجتمع الدولي كان يراقب، ولبنان كله كان يقف فوق برميلٍ من البارود .

وحين انفجرت السيارة، لم يمت رفيق الحريري وحده بل انفجرت معه مرحلة، وبدأت مرحلة أخرى.

و لهذا، بعد أن أغلقت المحكمة ملفاتها، وبعد أن غادر القضاة قاعاتهم، وبعد أن برد الحديد وتناثر الزجاج وتغيرت الوجوه في بيروت ، بقي السؤال واقفاً في المكان نفسه ، كأنه لم تصبه شظية واحدة:  لماذا نُسف الحريري ؟ ربما لأن بعض الرجال يصبحون، في لحظة معينة ، أكبر من أن يكونوا مجرد رجال.وربما لأن البارود الذي يقتل جسداً يستطيع أن يقتل مشروعاً أيضاً.وربما، وهذا هو السؤال الأكثر رعباً، أن الذين أرادوا إسكات الحريري لم يدركوا أن بعض الأصوات، حين تُقتل، لا تصمت بل تتحول إلى تاريخ و عندها فقط تستطيع أن تتكلم بصدق وحرية ودون خوف

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :