ليبيا بين بصيص سرت وعتمة الزاوية: قراءة في إحاطة هانا تيتيه لمجلس الأمن 18 أغسطس 2026

ليبيا بين بصيص سرت وعتمة الزاوية: قراءة في إحاطة هانا تيتيه لمجلس الأمن 18 أغسطس 2026

  • د | رانية الصيد

وقفت الممثلة الخاصة للأمين العام، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه، اليوم في نيويورك، لترسم أمام مجلس الأمن صورة بلد يتناقض مع نفسه. بلد يملك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، لكن مئات الآلاف من أبنائه قضوا شهراً ونصف الشهر بلا كهرباء ولا ماء. بلد تنفق مؤسسته الوطنية للنفط مليار دولار شهرياً على استيراد الوقود، ومع ذلك تغرق شبكاته في العتمة.

لم تكن إحاطة اليوم تقريراً دبلوماسياً بارداً. كانت تشخيصاً موجعاً لحالة دولة تتهاوى مؤسساتها بينما يتقاتل مسلحوها على الوقود والمخدرات.

أكثر ما لفت في كلام تيتيه هو ربطها المباشر بين الظلام الذي عاشته البيوت وبين الفساد. قالت إن انقطاعات الكهرباء الأخيرة “لم تكن مجرد عطل فني عابر”، بل كشفت عن “أزمة أعمق”.

الأرقام التي أوردتها فاضحة: مليار دولار شهرياً تذهب لاستيراد الوقود. ومع ذلك لا وقود للمحطات، ولا كهرباء للناس. ترجمتها تيتيه بعبارة واحدة: “تحويل كميات كبيرة من الوقود المدعوم بعيداً عن مسارها الصحيح نحو قطاعي الكهرباء والأمن”.

هنا لم تعد تتحدث عن سوء إدارة. تتحدث عن تهريب منظم، عن اقتصاد موازٍ يغذي المليشيات ويجوع المواطن. أزمة الكهرباء إذن ليست تقنية، هي سياسية وأمنية بامتياز.

وزاد الطين بلة استهداف مصفاة الزاوية بالطائرات المسيّرة في 3 أغسطس، وما تبعه من إعلان حالة الطوارئ. عندما تُضرب المنشآت الحيوية ويُقتل مدير الاستخبارات العسكرية للجيش الوطني اللواء فوزي منصوري بتفجير في بنغازي، فإننا أمام مشهد دولة تتعرض للتفكيك من الداخل.

على المسار السياسي قدمت تيتيه خريطة الطريق التي تيسرها البعثة عبر ثلاثة محاور: انتخابات رئاسية وتشريعية، وحوار وطني مهيكل، وحكومة موحدة لإعادة توحيد المؤسسات.

الجديد الذي أعلنته هو أن “لجنة 4+4” باتت “على وشك الانتهاء” من معالجة أكثر القضايا إثارة للجدل، وأن اجتماعها القادم سيكون في 20 أغسطس. أي أننا أمام أسبوع حاسم. سبعة اجتماعات منذ 29 أبريل يفترض أن تثمر عن شيء ملموس.

كما ذكّرت بأن الحوار المهيكل الذي استمر ستة أشهر خرج بتوصيات في الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة وحقوق الإنسان. لكنها كانت صريحة: الخريطة “قد تستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً”. ليس تراجعاً، بل “تكيفاً ضرورياً مع تعقيدات واقع لا يزال يبحث عن توازنه”. ترجمة ذلك: البعثة فهمت أن التعجيل المفرط يقتل العملية، لكن التباطؤ يقتل الدولة.

الوضع المالي بحسب تيتيه دخل مرحلة توتر حاد. في يونيو بدأ المصرف المركزي بزيادة رواتب العسكريين في الشرق استجابة لطلب من ديسمبر 2025، ووردت أنباء بطلب مماثل من الغرب. سباق تسلح ممول من الميزانية.

وفي 9 أغسطس تقدم محافظ المصرف المركزي بطلب إعفاء من منصبه. قرأته تيتيه كمؤشر على “تصاعد الضغوط التي كان يُفترض ببرنامج التنمية الموحد أن يخفف منها”. أي أن حتى أدوات الإنقاذ الاقتصادي بدأت تنهار تحت وطأة الانقسام.

أما أمنياً، فالصورة قاتمة. اشتباكات دامية في الزاوية وصرمان بين جهات متورطة في المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب الوقود، سقط فيها مدنيون. هذا ليس صراعاً سياسياً. هذا تحوّل ليبيا إلى سوق مفتوحة للجريمة العابرة للحدود.

وسط هذا الركام أشارت تيتيه إلى لقاء في سرت بين رئيسي الأركان خالد حفتر وصلاح الدين النمروش. بحضور لجنتي 5+5 و 3+3 اتفقا من حيث المبدأ على قوة حدودية مشتركة ومناورات وتنسيق وتدريب موحد.

وصفته بأنه دليل على أن “بناء الثقة على أرض الواقع لا يزال ممكناً”. وهو كذلك، لكنه هش. لأن التفاؤل اصطدم فوراً بقرار المجلس الرئاسي إقالة مدير المخابرات وتعيين بديل، والطعن الفوري في القرار من نائب رئيس المجلس. حتى قمة الهرم الأمني منقسمة على نفسها.

إحاطة 18 أغسطس تقول شيئين في آن واحد.

الأول: أن ليبيا وصلت إلى نقطة لم يعد فيها الفصل بين الاقتصاد والسياسة والأمن ممكناً. لا كهرباء لأن الوقود يُهرب. لا ميزانية لأن الرواتب تُستخدم للتعبئة. لا انتخابات لأن المؤسسات تتصارع على الشرعية.

الثاني: أن البعثة لم تعد تكتفي بالوساطة. هي الآن تدير عداداً زمنياً. لجنة 4+4 أمامها أيام، والحوار المهيكل وضع توصياته، وبرنامج التنمية الموحد مطروح كطوق نجاة. من يعطل سيدفع الثمن علناً.

سؤال تيتيه الضمني لمجلس الأمن كان واضحاً: هل ستدعمون حكومة موحدة وميزانية موحدة ومراجعة للإنفاق، أم ستتركون ليبيا رهينة لمليار دولار وقود تتبخر شهرياً بينما الناس في الظلام؟

بصيص سرت موجود. لكنه لن يصمد طويلاً أمام عتمة الزاوية، ما لم تتحول الإرادة الدولية إلى ضغط حقيقي على صناع القرار في طرابلس وبنغازي.

د رانيا عبد السلام عثمان الصيد

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :