مرتبات الليبيين ضعيفة أمام الأسعار.. فهل تعيد الزيادة المرتقبة للمواطن قدرته الشرائية؟

مرتبات الليبيين ضعيفة أمام الأسعار.. فهل تعيد الزيادة المرتقبة للمواطن قدرته الشرائية؟

وائل أحمد – صحيفة فسانيا.

  في ليبيا، لم يعد السؤال الذي يشغل الموظف هو موعد صرف المرتب فقط، بل ماذا يستطيع هذا المرتب أن يشتري بعد ارتفاع الأسعار؟

ومع عودة الحديث رسميًا عن إعادة النظر في المرتبات وإعداد جدول موحد لموظفي الدولة، تتجه أنظار الليبيين إلى زيادة طال انتظارها، وسط ضغوط معيشية تجعل كل زيادة في أسعار الغذاء والخدمات انعكاسًا مباشرًا على ميزانية الأسرة.

آخر محطة.. جدول المرتبات الموحد.

لم تكن قضية المرتبات وليدة العام الحالي؛ ففي أغسطس 2021 شُكلت لجنة وزارية لإعداد جدول موحد للعاملين بالدولة، ثم اعتمدت حكومة الوحدة الوطنية في يونيو 2022 العمل بجدول المرتبات الموحد، قبل أن يقر مجلس النواب قانون المرتبات الموحد في نوفمبر من العام نفسه.

وفي 2023 صدر القانون رقم 18 لسنة 2023 بشأن مرتبات الموظفين الوطنيين الممولة من الخزانة العامة، متضمنًا جداول للمرتبات الأساسية والزيادات السنوية.

وبحسب الجداول العامة الواردة في القانون، يبدأ مربوط الدرجة الأولى من 1,100 دينار، فيما يصل مربوط الدرجة السادسة عشرة إلى 2,880 دينارًا، قبل إضافة العلاوات والبدلات والمزايا المالية المستحقة وفق التشريعات.

وهذه الأرقام هي المرتبات الأساسية في الجدول، وليست بالضرورة الراتب النهائي الذي يتقاضاه كل موظف، لأن القيمة الفعلية تختلف بحسب العلاوات والبدلات وطبيعة الوظيفة والجهة.

12.7%.. التضخم يأكل من قيمة المرتب.

تكشف أحدث بيانات مصرف ليبيا المركزي حجم الضغط الذي تعرضت له القوة الشرائية خلال 2026.

فبحسب تقرير الرقم القياسي لأسعار المستهلك والتضخم لشهر يونيو، ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 12.7%، بعدما سجل 4.3% في يناير، و9% في فبراير، و12.4% في مارس، و14.3% في أبريل، و14% في مايو.

وفي يونيو وحده، ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 12.2% على أساس سنوي، بينما ارتفعت أسعار الملابس والأحذية 27%، والأثاث والأجهزة المنزلية 19.8%، والمطاعم والفنادق 18.3% بحسب مصرف ليبيا المركزي.

بمعنى اقتصادي بسيط: الموظف الذي لم يرتفع راتبه خلال عام، فقد جزءًا من قدرته على شراء السلع نفسها.

كم خسر المرتب من قوته الشرائية؟

الأرقام الرسمية تعطي صورة أكثر وضوحًا

كان الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك في يونيو 2025 عند 101.7 نقطة، وارتفع إلى 114.6 نقطة في يونيو 2026؛ أي أن مستوى الأسعار ارتفع بنحو 12.7% خلال عام.

وعليه، فإن الموظف الذي كان يتقاضى 1,500 دينار في يونيو 2025 يحتاج إلى نحو 1,691 دينارًا في يونيو 2026 لشراء السلة نفسها من السلع والخدمات، أي بزيادة تقارب 191 دينارًا فقط للحفاظ على القوة الشرائية نفسها.

وبالمثل، فإن مرتب 2,000 دينار يحتاج إلى نحو 2,254 دينارًا، ومرتب 2,500 دينار إلى نحو 2,818 دينارًا.

هذه ليست تقديرات لاحتياجات الأسرة، بل حساب لتعويض أثر التضخم الرسمي فقط

–لكن الغذاء أكثر قسوة من المتوسط.

المشكلة أن التضخم العام لا يعكس بالضرورة تجربة كل أسرة فالغذاء يمثل 40.39% من أوزان مؤشر أسعار المستهلك في بيانات مصرف ليبيا المركزي، وقد ارتفعت أسعار مجموعة الغذاء والمشروبات 12.2% في يونيو على أساس سنوي.

ولهذا قد يشعر المواطن بأن دخله تراجع بصورة أكبر من النسبة التي يعكسها التضخم العام، خصوصًا إذا كانت غالبية إنفاق أسرته تذهب إلى الغذاء والنقل والسكن والتعليم والصحة وفق المصرف المركزي⁠.

المواطن لا يحتاج زيادة اسمية فقط.

المعادلة هنا واضحة: إذا ارتفع المرتب بنسبة أقل من ارتفاع الأسعار، فإن الزيادة لا تعني بالضرورة تحسنًا في مستوى المعيشة

أما إذا ارتفع المرتب بما يعادل التضخم أو يتجاوزه، فإن الزيادة تبدأ في التحول إلى تحسن حقيقي في القوة الشرائية.

ولهذا، فإن الحديث عن زيادة المرتبات يجب ألا ينفصل عن سؤال آخر: كيف نحافظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف حتى لا تلتهم الأسعار الزيادة الجديدة؟

مصرف ليبيا المركزي.. حماية القدرة الشرائية من الجانب النقدي.

في هذه المعادلة، لا يقع العبء على الحكومة وحدها.

مصرف ليبيا المركزي يتحرك في الجانب النقدي عبر إدارة سوق النقد الأجنبي، وتوفير العملة الأجنبية للمواطنين، ومعالجة نقص السيولة، وتوسيع المدفوعات الإلكترونية، وتسريع وصول المرتبات عبر منظومة راتبك لحظي.

وقد بلغ إنفاق الباب الأول، المخصص للمرتبات، 46.9 مليار دينار حتى نهاية أغسطس 2026، من دون احتساب مرتبات أغسطس، وفق بيان الإيراد والإنفاق الصادر عن المصرف. كما بلغ إجمالي الإنفاق خلال الفترة 68.6 مليار دينار وفق المصرف المركزي⁠.

وبالتالي، فإن دور المصرف لا يتمثل في تحديد المرتب، وإنما في تهيئة البيئة النقدية التي تساعد على حماية قيمته؛ فاستقرار سعر الصرف وتوفير النقد الأجنبي والسيولة عوامل تؤثر مباشرة في تكلفة السلع المستوردة وفي القوة الشرائية للدينار.

الزيادة يجب أن تكون للدولة لا للجهات.

المشكلة التي تواجه ملف المرتبات ليست فقط حجم الزيادة، وإنما طريقة إدارتها. فخلال السنوات الماضية حصلت قطاعات وجهات مختلفة على جداول أو زيادات خاصة، ما خلق تفاوتًا بين موظفي الدولة، وفتح الباب أمام مطالبات مماثلة من جهات أخرى.

وحتى الجهات الرقابية لم تكن بعيدة عن هذا المسار، مع محاولات لزيادة مرتبات العاملين بها بصورة مستقلة.

لكن استمرار هذا النهج يعني أن كل مؤسسة ستدخل في سباق منفصل لتحسين مرتبات موظفيها.

أما جدول المرتبات الموحد، فيفترض أن يعالج المشكلة على مستوى الدولة كلها، وفق معايير واحدة تراعي الدرجة والتخصص والمسؤولية والخبرة، وتمنع اتساع الفجوات بين موظفي المؤسسات العامة.

وماذا عن 150%؟

النسبة التي ترددت أخيرًا، وهي 150%، رفعت سقف توقعات الشارع بشأن الزيادة المنتظرة ، لكن من الضروري التفريق بين الزيادات الخاصة بفئات أو قطاعات معينة وبين زيادة عامة لكل موظفي الدولة.

فالـ150% ليست حتى الآن نسبة يمكن تقديمها باعتبارها زيادة عامة مقررة لجميع موظفي الدولة.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :