- صلاح إبراهيم.
في قصص الأولين كانوا يشجعون أنفسهم على الصبر و الانتظار بقولهم “اللي يستنا خير من اللي يتمنى“.
أي أن الانتظار أقل وطأه من التمني فحالة الانتظار تعني أن الشيء قادم هي فقط مسألة وقت..
أما في وطننا الذي تقدم فيه الخدمات بحسب المسافة بين المواطن و شاطئ البحر فالانتظار يصاحبه التمني و ترجح كفة الخيبة على تحقيق المنال ، طوابير تتفاوت مسافتها ويستعصي عليك حصرها يقف فيها المواطن وهو غير متيقن من النتيجة ولكنه يضع الخيبة و الفشل نصب عينيه و تسيطر عليه الظنون و جزء من عقله يفكر في الحل البديل فالأمر معقد و يعتمد على عدة عوامل لا تستند للقوانين الفيزيائية أو ما دونها من قرارات تنظيمية و ترتكز بالأساس على الحالة النفسية والمزاجية للمشرفين على تنظيم توزيع الخدمة التي هي في الأصل أمور اعتيادية بحكم المواطنة و العيش ضمن هذه التركيبة الاجتماعية.
الشكوى و الامتعاض من هذه الحالة لم يعد يجدي نفعا و المنشورات الفيسبوكية و الكلمات بل حتى مقالتي هذه لن تغير واقع الحال وستنتهي هي وأخواتها إما مرمية في إحدى المؤسسات أو تزيل الغبار من بعض الأرفف في مكان ما.. لا تعتقد أن هذا تراجعا أو استسلاما بل هي الحقيقة التي دائماً تؤلم من تعود على الخيال.
مناشداتنا بالاهتمام بالجنوب و ساكنيه ليست مجرد حالات عابرة أو فراغ أدبي و فكري ، عندما تستحوذ الحاجة على ماتبقى من كراسي عقلك فلن تجد مكانا لأفكارك الإرشادية و التوجيهية وهذا ما يراد تحقيقه من أهل البحر …. فهم بأمس الحاجة لنفطنا و مائنا ولا حاجة لهم بأفكارنا ولا أجسادنا النحيفة المتسمرة من الشمس الحارقة يكفيهم تدفق الماء و البترول و صناديق التمور التي يحملها المتزلفون و المتملقون لينالوا من خلالها الرضا…مزعج هذا الطرح وإن كان هو واقع مواطني الجنوب ولا تعتقد بأنه مختلف كثيراً عن باقي الاتجاهات فهو يتفق في بعض العموميات ويختلف جذرياً في بعضها فما يراه الآخرون بديهيات أصبح جنوباً كماليات .. هذا لايقلل من العمل القائم بالفعل في عين المكان من صيانة وتطوير وإعمار بل أجزم بأن مفتعل كل هذه الأزمات داست على ذيله عجلة التنمية و الإعمار فقرر اتباع طريقة التجويع و الإذلال ليفرض سيطرة واهية على رقعة غرقت سنين في بحر الظلمات و خرجت للنور بعد تضحية لا يمكن اختزالها في مقال وبضع كلمات..
العقل الجنوبي مكبّل بالأزمات و اختنق صوته من كثر الصراخ و الآهات و بالرغم من ذلك ينتظر على أحر من الجمر اكتمال المشاريع التنموية وافتتاح الطرقات ويتمنى المزيد من التطوير و الاهتمام ، يقف صابراً محتسباً في طوابير الانتظار ليس طمعاً في الخدمات بل أخلاق متأصلة فيهم ومستلهمة من الصحراء التي لا تنبت العشب لكنها تنبت القيم و الأخلاق..
لابأس من أن يجتاحنا الغموض بين الحين والآخر..أما تحوله إلى نمط حياة فهذا يعني بأننا دخلنا مرحلة الضياع بكل تفاصيلها..
أثقلت كاهلي الأزمات و انعكست سلباً على مصدر الكتابة لدي و منبع الأفكار ، أصبح عقلي أشبه بخزان وقود سيارتي الفارغ و رزمة الورق أمامي كأنها طوابير الانتظار أمام المحطات..
دائرة مفرغة لا مفر منها إلا إليها نبذل قصارى جهدنا للهروب من الانفعال و الخوض في الأزمات نطرق الأبواب و نقفز من مجال إلى مجال باحثين عن طوق النجاة .. ليس خوفاً أو جهلا بحقيقة الحال إنما محاولة غير مجدية لزراعة الأمل و إبقاء خيط رفيع يربطنا بالرغبة في مواصلة الحياة .. الكتابة هي الأخرى حياة تضم مجموعة من الحروف والكلمات التي تتنفس وتعبر عن المشاعر و المواقف وتصنع التغيير بالرغم من ندرة القارئين و تقوقع الأدباء و المثقفين إلا أن إدمانها أشد وطأة من إدمان الكيماويات وإن كانت نشوتها لا تقارن بالأخريات فهي تهذب العقل وترشده بعكس ما ذكر من مذهبات للعقل و انسلاخ من الذات.
حبل الصمت يلتف حول عنقي فلا أجد مفراً منه إلا بقلمي ولا مناديل لدموعي سوى ورقي ..
في زحمة الأزمات و مايحيط بها من ملتقيات ومناظرات تصبح رجاحة العقل و رزانة الأفكار جهاداً للنفس ومنعاً للضرر و الضرار فالكلمة أمانة في وقت أصبحت فيه الخطابات تسويقا و شراء ذمم و أصوات.
حرر هذا النص وأنا أقف في أحد الطوابير.














