نساء ليبيا وسوق العمل.. بين البطالة وتدني الأجور

نساء ليبيا وسوق العمل.. بين البطالة وتدني الأجور

تقرير | منى توكا شها

تواجه النساء في ليبيا تحديات اقتصادية متعددة، تشمل صعوبة الحصول على فرص العمل، وتدني الأجور في بعض الوظائف، ومحدودية الحماية الاجتماعية، والعقبات التي تواجه صاحبات المشروعات الصغيرة في تأمين التمويل واستمرار النشاط الاقتصادي.

وتشير تقديرات سوق العمل إلى اتساع الفجوة في معدلات البطالة بين الشابات والشبان. ففي عام 2025، بلغ معدل البطالة بين الليبيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و24 عامًا نحو 69.2 في المئة، مقابل 41.7 في المئة لدى الشبان، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية المنشورة عبر البنك الدولي. وفي عام 2024، بلغت النسبة 69.6 في المئة بين الشابات، مقابل 42.3 في المئة بين الشبان.

ولا تعني هذه النسب أن سبعًا من كل عشر شابات ليبيات لا يعملن، إذ يُحسب معدل البطالة من بين المشاركين في قوة العمل، أي الأشخاص الذين يعملون أو يبحثون عن عمل. أما من لا يعملن ولا يبحثن عن وظيفة فلا يدخلن في حساب هذا المؤشر، ما يجعل معدل المشاركة في سوق العمل مؤشرًا مهمًا لفهم الوضع الاقتصادي للنساء.

المشاركة الاقتصادية والبطالة

تُظهر بيانات منظمة العمل الدولية أن مشاركة النساء في قوة العمل الليبية أقل من مشاركة الرجال. ويعني ذلك أن بعض النساء يبقين خارج سوق العمل ولا يظهرن في معدلات البطالة، سواء بسبب مسؤوليات الرعاية الأسرية أو محدودية فرص التوظيف أو عدم توقع العثور على وظيفة مناسبة.

وتختلف ظروف النساء بحسب أوضاعهن المهنية والاجتماعية. فبعضهن يبحثن عن أول وظيفة، وأخريات يعملن بأجور محدودة، فيما تعتمد نساء على أنشطة منزلية ومشروعات صغيرة لا توفر بالضرورة دخلًا منتظمًا.

وبالنسبة إلى الشابات، يمثل الانتقال من التعليم إلى العمل إحدى مراحل التحدي، إذ تشير معدلات البطالة المرتفعة في الفئة العمرية بين 15 و24 عامًا إلى صعوبة حصول كثيرات منهن على فرص عمل في بداية مسارهن المهني.

أجور محدودة وظروف عمل غير مستقرة

تعمل صباح محمد، وهي صيدلانية، في الصيدليات منذ عام 2019. وتقول إن أجرها في بداية عملها كان ثلاثة دنانير للساعة، بما يعادل نحو 450 دينارًا شهريًا. واستمر دخلها عند مستويات محدودة لسنوات، قبل أن يرتفع لاحقًا.

وتوضح تجربتها مستوى الأجور الذي قد تحصل عليه بعض العاملات في القطاع الخاص، حتى بعد سنوات من العمل في المجال.

أما زينب خليفة، فتعمل ممرضة لدى إحدى العيادات الخاصة في سبها، مقابل 200 دينار شهريًا لقاء دوام جزئي. وتدفع 100 دينار من راتبها مقابل المواصلات بسبب بُعد مكان سكنها عن العيادة، وتخصص 50 دينارًا لمصروفها الشخصي، فيما يتبقى لها 50 دينارًا للمساهمة في شراء مستلزمات المنزل.

وتقول زينب إنها عملت في العيادة ثلاث سنوات دون زيادة في راتبها. كما تشير إلى محدودية المرونة في ظروف العمل عند المرض أو حدوث طارئ عائلي، موضحة أنها لا تتمتع بإجازات، وأنها مطالبة بتوفير بديل مؤقت عند تعذر حضورها، لتجنب فقدان وظيفتها.

وتتحمل زينب، بصفتها الابنة الكبرى، مسؤولية المساهمة في إعالة أسرتها إلى جانب والدتها، في ظل إصابة والدها بمرض عضال يمنعه من العمل. وكانت والدتها تعمل عاملة نظافة في إحدى المدارس مقابل 200 دينار شهريًا.

وتقول زينب إن الجزء الأكبر من راتبها يذهب إلى تكاليف المواصلات، ما يحد من مساهمتها في مصروفات المنزل وعلاج والدها. وتستمر في العمل رغم محدودية الدخل، في ظل حاجة الأسرة إلى مساهمتها المالية.

الحماية القانونية وشروط العمل

تقول جميلة موسى، رئيسة جمعية حكمة نساء، إن التحديات الاقتصادية التي تواجه النساء تشمل فرص العمل والأجور وشروط التوظيف، إضافة إلى مدى قدرتهن على الاستفادة من الحماية القانونية.

وتوضح أن بعض العاملات قد يترددن في تقديم شكاوى بشأن ظروف العمل خوفًا من فقدان الوظيفة أو مصدر الدخل، خصوصًا في الحالات التي لا تتوفر فيها فرص بديلة.

وترى موسى أن دعم التمكين الاقتصادي للنساء يتطلب توفير فرص عمل لائقة، وأجور منصفة، وحماية اجتماعية، وآليات فعالة لتقديم الشكاوى. وتشير كذلك إلى ارتباط الاستقلال المالي بقدرة النساء على تدبير احتياجاتهن واتخاذ قرارات تتعلق بأوضاعهن الأسرية، بما في ذلك الحالات التي يتعرضن فيها للعنف.

العمل من المنزل ومحدودية الدخل

تعتمد بعض النساء على العمل من المنزل في أنشطة مثل الخياطة وإعداد الطعام وبيع المنتجات والخدمات عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وتتيح هذه الأنشطة لهن تحقيق دخل، لكنها قد تتأثر بتكاليف المواد الخام والنقل والتسويق وتراجع الطلب.

كما تختلف عوائد هذه الأنشطة من شهر إلى آخر، بحسب عدد الطلبات وقدرة الزبائن على الدفع. ولا توفر جميع المشروعات المنزلية تأمينًا أو حماية اجتماعية، ما يجعل دخل صاحباتها مرتبطًا باستمرار النشاط وحجم المبيعات.

وتواجه النساء اللاتي يبدأن مشروعات بموارد محدودة صعوبات إضافية عند ارتفاع تكاليف الإنتاج أو تراجع المبيعات، خصوصًا في ظل عدم توفر احتياطي مالي يغطي النفقات خلال فترات انخفاض الدخل.

مشروع خياطة لم يوفر دخلًا مستقرًا

بعد وفاة زوجها، أصبحت سعاد مسؤولة عن إعالة أطفالها وتدبير شؤون المنزل. ومع تزايد المصاريف، قررت الاستفادة من مهارتها في الخياطة، وبدأت استقبال طلبات من نساء في محيطها لتنفيذها من المنزل.

لكن الطلبات لم تكن منتظمة بما يكفي لتوفير دخل شهري ثابت. وكانت سعاد تشتري الأقمشة والخيوط ومستلزمات الخياطة من مالها الخاص، في وقت ارتفعت فيه تكاليف المواد وتراجعت قدرة بعض الزبائن على الدفع.

ومع صعوبة تغطية تكاليف الإنتاج ومصروفات الأسرة، توقفت تدريجيًا عن استقبال الطلبات، ولم تتمكن من تحويل نشاطها إلى مصدر دخل مستقر.

وتوضح تجربتها بعض التحديات التي تواجه النساء المعيلات لأسرهن عند العمل لحسابهن الخاص، ومنها محدودية رأس المال، وتفاوت الطلب، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

مسؤوليات الرعاية وتأثيرها في العمل

تؤثر مسؤوليات رعاية الأطفال وكبار السن والمرضى في قدرة بعض النساء على الالتحاق بالوظائف أو الاستمرار فيها، خصوصًا عندما تتطلب الوظيفة ساعات عمل طويلة أو لا تتوفر خدمات رعاية مناسبة.

وتقول خديجة سعد، وهي طبيبة أسنان، إنها اضطرت إلى ترك العمل لفترة بسبب مسؤولياتها المنزلية ورعاية أطفالها، في ظل محدودية مشاركة زوجها في الأعمال المنزلية.

وعادت خديجة إلى العمل لاحقًا، وكانت تتقاضى راتبًا جيدًا، لكنها واجهت صعوبة في الانتظام في الدوام عند مرض أطفالها أو حدوث ظروف أسرية طارئة. ومع تكرار الغياب، فقدت وظيفتها.

وتربط خديجة تجربتها بصعوبة الجمع بين العمل المدفوع الأجر ومسؤوليات الرعاية التي كانت تتحمل الجزء الأكبر منها. وأدى فقدان الوظيفة إلى خسارتها مصدر دخل كانت تعتمد عليه.

وتوضح هذه التجربة أحد العوامل التي قد تؤثر في استمرار النساء في العمل، إذ تتداخل الالتزامات الأسرية مع متطلبات الوظيفة، خاصة في غياب ترتيبات مرنة للعمل أو توزيع متوازن لمسؤوليات الرعاية.

الاستقلال المالي والحماية من العنف

قد يؤثر غياب الدخل المستقل في الخيارات المتاحة للمرأة التي تتعرض للعنف داخل الأسرة، خصوصًا إذا كانت تعتمد ماليًا على الشخص الذي يمارس العنف ضدها.

وتشمل الصعوبات التي قد تواجهها القدرة على تأمين السكن والغذاء واحتياجات الأطفال، إلى جانب محدودية الموارد اللازمة لبدء حياة مستقلة. وتختلف هذه الظروف من حالة إلى أخرى، بحسب الدخل والدعم العائلي والاجتماعي والخدمات المتاحة.

ويرتبط هذا الجانب من التمكين الاقتصادي بوجود فرص عمل ودخل مستقل، إلى جانب خدمات الحماية والمأوى والدعم القانوني والاجتماعي للنساء المعرضات للعنف.

التدريب والتمويل واستمرار المشروعات

تنفذ جهات محلية ودولية برامج تستهدف النساء بالتدريب المهني والتأهيل لسوق العمل ودعم المشروعات الصغيرة وتوفير التمويل، بما في ذلك برامج موجهة إلى المناطق المتأثرة بالنزاع.

وتوفر هذه المبادرات فرصًا للتدريب وبدء أنشطة اقتصادية، لكن الاستفادة منها تختلف بحسب طبيعة البرنامج والموارد المتاحة وقدرة المستفيدات على الوصول إلى الأسواق ومواصلة النشاط.

ولا يقتصر تقييم هذه البرامج على عدد النساء المشاركات أو المشروعات التي أُطلقت، بل يشمل أيضًا مدى استمرار المشروعات، وقدرتها على تحقيق دخل منتظم، وإمكانية حصول صاحباتها على تمويل إضافي عند الحاجة.

مؤشرات أوسع لقياس الوضع الاقتصادي للنساء

تظهر البيانات والشهادات تفاوت الظروف الاقتصادية للنساء في ليبيا، من البطالة وصعوبة دخول سوق العمل إلى تدني الأجور والعمل غير الرسمي ومسؤوليات الرعاية وتعثر المشروعات الصغيرة.

وتتطلب دراسة هذه الأوضاع النظر في مجموعة من المؤشرات، تشمل معدلات المشاركة في قوة العمل والبطالة، ومستويات الأجور، واستقرار الوظائف، ومدى توفر العقود والحماية الاجتماعية، إلى جانب فرص الحصول على التمويل واستمرار الأنشطة الاقتصادية.

كما أن دراسة مسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر تساعد على فهم بعض العوامل التي تؤثر في دخول النساء إلى سوق العمل واستمرارهن فيه.

وتتيح هذه المؤشرات، إلى جانب الشهادات الميدانية، تكوين صورة أوسع عن التحديات التي تواجه النساء في الحصول على دخل منتظم، والاحتفاظ بوظائفهن، وإدارة التزاماتهن المعيشية والأسرية.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :