بين وتر ودعاء ” موسيقى تتهادى على مهل وأنغام على أوتار القلوب “

بين وتر ودعاء ” موسيقى تتهادى على مهل وأنغام على أوتار القلوب “

  • متابعة وتصوير | نيفين الهوني | تونس خاص

ليس في تجربة ظافر يوسف ما يشبه الخط  المستقيم فخطاه الأولى لم تكن متجهة إلى خشبة المسرح بل كانت تمضي نحو فضاء الإنشاد والذكر حيث تشكل وعيه الأول على أصوات التلاوة والابتهال في بيئة تونسية احتفظت للموروث الصوفي بنبضه الحي ومن هناك نما إدراكه للصوت على اعتباره  وسيلة للتعبير وطريقا إلى المعنى ومنذ البدايات كان العود يجاور الصوت دون أن يطغى عليه ثم أخذ الاثنان يكبران معا حتى أصبحا لغة واحدة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر ومع انتقاله إلى أوروبا حمل ظافر يوسف آلته الموسيقية و ذاكرة كاملة من المقامات والإنشاد والحنين والسكينة ليضعها في حوار واسع مع موسيقى الجاز والارتجال والموسيقى الكلاسيكية والإيقاعات القادمة من ثقافات متعددة وقد أشار في حوارات عدة إلى أن الموسيقى بالنسبة إليه ليست مشروعا لإثبات الهوية بل مساحة للقاء وأن العود كائن حي قادر على اكتشاف آفاق جديدة كلما وجد من يصغي إليه بمحبة وصدق.

ما قاله العود وعجزت عنه كل الحروف الهجائية

في عرض مهرجان الحمامات الدولي دخل ظافر يوسف إلى المسرح كناسك إلى خلوته تاركا للموسيقى أن تقدم نفسها قبل الكلمات وما إن انبعثت النغمة الأولى حتى بدا المسرح وكأنه يتحول إلى فسحة من التأمل والتعبد فكان سردا موسيقيا متصلا لا يعرف الحدود الفاصلة بين المقطوعات إذ كانت كل نهاية تنبثق منها بداية أخرى كقصيدة طويلة تحكي حكاية شارك الموسيقيون العالميون وهم :دانيال غارسيا  دييغو عازف البيانو الإسباني وماريو روم عازف الترومبيت النمساوي وليليان ميل عازف الترومبيت الفرنسي سوالي مبابي عازف آلة الباص وتاو إيرليش عازف الدرامز/الباتري ونغوين لي عازف الغيتار  ومصمم الصوت العالمي في بنائها فكان حوارا بين العود والبيانو والبوق وايقاعات أشبه بحوار أرواح تعرف بعضها البعض منذ زمن بعيد و صوتا ظل يحلق فوق الجميع دون لغة حتى عانق عنان السماء .

شيراز حين يصبح الحب مقامات من نغم 

افتتح العرض بمقطوعة عطر الورد مثل نسمة أولى تحمل رائحة ورد بعيد ثم أخذت الموسيقى تنمو بهدوء حتى تتهيأ الروح للدخول إلى عمق العرض ثم في طرفة عين وأبدية بجزأيها بدت فكرة الزمن الومضة يمكن أن يحمل عمر الإنسان كله في ومضة تستعيدها الذاكرة في لحظة سكون وتأمل عميق لحدث ما  ثم بدأت  الارتجالات تتسع شيئا فشيئا لتمنح كل آلة فسحتها الخاصة في التعبير عن هذا الزمن وتلك الذاكرة  أما ثلاثية رسالة الحب فقد جاءت لتشكل القلب العاطفي للعرض بمقاطعها المتعددة ففي جزئها الأول بدا الهمس أقرب إلى الاعتراف ثم اتسعت المساحة في الجزء الثاني لتغدو الموسيقى أكثر دفئا بينما بلغ الجزء الثالث ذروة الانفعال حيث تماهى صوت ظافر يوسف مع العود في لحظة بدت أقرب إلى البوح الهامس من التصريح المعلن بل أقرب إلى الدعاء منه إلى الغناء. ومع معزوفة حنين ذاكر باي الأبدي بجزأيها والتي كانت تحية وجدانية إلى الموسيقار الهندي الراحل زاكير حسين تسامت أرواحنا مع معزوفة ملؤها الامتنان والوفاء أما في علامات فارقة فقد بدت الموسيقى هنا مثل تأمل طويل في محطات العمر بينما جاءت شيجان خاتمة هادئة أعادتنا  إلى السكون بعد رحلة امتلأت بالمشاعر والتحولات.

الموسيقى سيرة قلب يحب

يؤكد  ظافر يوسف في أكثر من حديث أن الفن يولد من التجربة الإنسانية وأن أجمل الألحان هي تلك التي تمر عبر القلب قبل أن تبلغ الأذن مشيرا إلى أن الألم ليس نقيض الجمال بل قد يكون الطريق الأكثر صدقا إليه وأن الارتجال ليس خروجا عن البناء بل بحث دائم عن الحقيقة الكامنة داخل النغمة لهذا تبدو أعماله دائما بعيدة تماما عن الرغبة في الإدهاش السريع أو التأثير المؤقت وعلى العكس من ذلك فهي تمنح المستمع زمنا كافيا كي يعثر على نفسه داخل الموسيقى فلا تفرض عليه معنى ولا تؤطره بفضاء وإنما تترك له حرية اكتشاف حكايته الخاصة عبر التماهي معها.

شيراز حين يتحول الامتنان إلى موسيقى

يحمل ألبوم شيراز خصوصية لا تشبه ما سبقه لأنه خرج من تجربة إنسانية شديدة القرب من القلب فقد أهداه ظافر يوسف إلى زوجته شيراز بعد رحلة مع المرض تحولت في وجدانه إلى درس في الحب والصبر والامتنان وهذا الإهداء هو الفكرة المركزية التي التفت حولها جميع المقطوعات لهذا تبدو أعمال الألبوم مرتبطة كما تتوالى فصول رواية واحدة تبدأ برائحة الورد ثم تعبر الحب والذاكرة والحنين والرجاء حتى تبلغ سكينة الامل بختام كتب بالموسيقى بدلا من الكلمات ففي شيراز بحث ظافر يوسف عن انتصار فني جديد و عن مصالحة مع الحياة وعن قدرة الإنسان على تحويل الجرح إلى نور والخوف إلى رجاء والغياب إلى حضور دائم ولهذا خرج العرض من حدوده كحفل موسيقي ليصبح تجربة وجدانية يتقاطع فيها التصوف مع الجاز وتلتقي فيها الذاكرة العربية بالخيال الإنساني الرحب والتلاقح الكوني الأرحب وهكذا غادر الجمهور المسرح وهو يحمل في داخله أكثر من لحن وأكبر من معزوفة وأعمق من شعور حمل حب يؤكد بأن الموسيقى حين تصدر عن حب صادق تستطيع أن تكون حوارا يتجاوز الجغرافيا واللغات وأن العود بين يدي عاشق لا يعزف أوتاره وحدها بل يعزف أيضا على ما يختبئ في أعماق الإنسان من شوق وحنين وفرح وبعض من حزن والكثير الكثير من الأمل والسكينة

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :