متابعة وتصوير / نيفين الهوني تونس/ خاص
بعد أكثر من خمسة عقود من العطاء لم يعد الفنان المالي العالمي ساليف كيتا مجرد فنان ذائع الصيت بل تحول إلى أحد أهم رموز الموسيقى الإفريقية في العالم حيث أنه لم يصنع مجده بلغة واحدة ولا بجمهور واحد وإنما بموسيقاه وصوته الذي استطاع أن يتجاوز به الحدود والجغرافيا حتى استحق عن جدارة لقب (الصوت الذهبي لإفريقيا) فجاء هذا اللقب تكريما رسميا و اعترافا عالميا بمكانة فنان نجح في أن يحمل تراث غرب إفريقيا إلى أكبر مسارح العالم وأن يمزج الموسيقى الماندينغية التقليدية بالجاز والبلوز والفانك والموسيقى العالمية محافظا في الوقت ذاته على جذوره وهويته

وتين ملكي يضخ دماء فنية مبدعة
لم يكن ساليف كيتا مجرد فنان خرج من بيئة عادية بل كان ينتمي إلى سلالة كيتا الملكية التي يعود نسبها إلى الإمبراطور سوندياتا كيتا مؤسس إمبراطورية مالي في القرن الثالث عشر وأحد أعظم الشخصيات في تاريخ إفريقيا ووفقا للتقاليد الماندينغية لم يكن الغناء يعد مهنة تليق بأبناء الأسر الحاكمة إذ كان حكرا على طبقة «الجريوت» حفظة التاريخ والرواة والموسيقيين غير أن ساليف كسر هذا القيد واختار أن يستبدل إرث العرش بإرث الفن وأن يجعل من صوته امتدادا للدماء الملكية التي حملت المجد يوما بالسيف ثم ستحمله بعد قرون بالأغنية وهكذا تحولت العروق الملكية التي تجري في جسده إلى دماء فنية نابضة بالإبداع ليصبح رمزا للموسيقى الإفريقية الحديثة وسفيرا لتراثها في أكبر المسارح العالمية.

الأسطورة بدأت في مالي
وكما تعودنا دائما فإن الأساطير لا تصنع في القصور بل في القرى البعيدة التي لا يسمع العالم أسماءها إلا بعد أن يخرج منها استثنائيون يغيرون صورته عنها ومن هناك من قرية جوليبا الواقعة على ضفاف نهر النيجر في مالي جاء ساليف كيتا طفلا ولد مختلفا لأن القدر اختار له طريقا وعرا و حمله منذ البداية اختبارا قاسيا فآثار البهاق في مجتمع ينسج حولها الخوف والأساطير يخلق حاجزا بينك وبين أبنائه فتجد نفسك في مواجهة العزلة قبل أن تعرف معنى الحياة وهذا ما حدث لفنانا العالمي لكن لآن الأقدار تتغير عندما نصر على ذلك فما بدا لعائلته وللناس عبئا تحول مع السنوات إلى قصة انتصار نادرة والصوت الذي توقع الجميع انه سيرفعه منددا بسياسة الاقصاء و احتجاجا على العالم رفعه غناء حتى أصبح ذلك الصوت واحدا من أعذب الأصوات التي عرفتها القارة الإفريقية على مدى التاريخ وصار الرجل الذي خرج من الهامش عنوانا للموسيقى الإفريقية في العالم أجمع فهو لم يسمح لتلك الظروف أن ترسم حدود مستقبله بل جعل من صوته نافذته إلى العالم كأحد أكثر الأصوات الإفريقية تأثيرا واحتراما في رحلة فنية تجاوزت القارات لتجعل من الموسيقى لغة للكرامة والحرية والانتماء الإنساني.

جولة أسطورية بدأت فوق ركح مهرجان الحمامات
وفي صيف عام 2026 عاد هذا الصوت العريق الذي ولد 25 أغسطس 1949 في جوليبا مالي ليواصل رحلته العالمية وضمن الدورة ال60 لمهرجان الحمامات الدولي أحد أعرق المهرجانات الثقافية في تونس والعالم العربي حيث اعتلى ركح المسرح الأثري مساء 31 من يوليو في أول مشاركة على ركح الحمامات
ضمن جولة حملت عنوان جولة ساليف كيتا الأسطورية وهي الجولة التي أعادته إلى المسارح العالمية بعد النجاح الكبير الذي حققه ألبومه الأخير (SO KANO ) والتي تعني باللغة الماندينكا الأفريقية “داخل الغرفة” والذي انتجه في الجائحة داخل غرفته وقد جاء حضوره بعد اعلانه الاعتزال سابقا ضمن نخبة من كبار الفنانين العرب والعالميين الذين احتفت بهم الدورة الاستثنائية للمهرجان الأبرز هذا العام وتأكيدا على مكانته كأحد أبرز سفراء الموسيقى الإفريقية في العالم.
حين تهديك الحياة تجربة إنسانية متكاملة
ولان الغناء عند ساليف كيتا ليس مجرد أداء موسيقيا بل هو تجربة إنسانية كاملة لأنه يغني أساسا بلغات غرب إفريقيا وفي مقدمتها البامبارا والماندينغية (المانينكا) ويقدم أحيانا مقاطع بالفرنسية والإنجليزية فقد كانت حفلته الاستثنائية فرصة تهديها لك الحياة ربما مرة واحدة ولن تتكرر ولقد كان من حسن حظي ومن أجمل عطايا الله أنني كنت هناك وسط جمهور جاء من مختلف القارات تفاعل مع موسيقاه كما لو كانت بلغته الأم فقد أثبتت مسيرته أن الموسيقى الصادقة لا تحتاج إلى ترجمة وأن الإيقاع والشفافية الوجدانية وقوة الأداء قادرة على تجاوز كل الحواجز اللغوية.

أغاني وذاكرة واحتفاء وامتاع
في حفلاته اعتاد ساليف كيتا أن يقدم باقة من أشهر أعماله التي ارتبطت باسمه على مدى عقود ومن بينها مثل “ماندجو” التي تمثل مديحا و”مادان” التي ترمز للاحتفال بالإضافة إلى “أفريقيا” وأغنية التضامن “لن نتحرك” أو لن نبرح مكاننا وهي بالفرنسية الدارجة وأغنية “لابان” التي تعني النهاية وهي الأغنيات التي أصبحت جزءا من ذاكرة جمهوره في إفريقيا بدولها العربية وأوروبا والأمريكيتين وتكاد تتكرر في معظم جولاته العالمية غير أن لأغاني التي أداها في سهرة الحمامات بالتأكيد حوت هذه الأغنيات وأخرى هي ماما ومتسخ وتوم توم وزيندو زيندو (اسم أو تعبير بلغة أفريقية )و ياموري (كلمة من لغة الماندينغ وتعني : الحب أو أحبك وإيه تو إس (وهو اختصار لعنوان الاغنية) واغنية بابا وأغنية تيكيري وأغنية مادان على مدى ساعتين من الإمتاع الفني الرائق

الموسيقى تجمع ماتفرقه اللغات
أما على المستوى الموسيقي فقد ظل كيتا وفيا لذلك اللون الذي صنع شهرته حيث تمتزج في عروضه أصوات الآلات الإفريقية التقليدية مثل الكورا والنغوني والبالافون والطبول الإفريقية مع الغيتار والإيقاعات الحديثة ليخلق فضاء موسيقيا تتجاور فيه الأصالة والحداثة في انسجام نادر وفي بعض محطات جولته الحالية اعتمد تشكيلا صوتيا مصغرا يضم أربعة موسيقيين هم :غيمبا كوياتي: عازف الغيتار والمدير الموسيقي للفرقة.
فاطوماتا بيلا سويبيغا: مغنية مرافقة (كورال).
عائشة ماريكو: مغنية مرافقة (كورال).
سيفودي كوياتي: عازف الكورا وهي آلة وترية إفريقية تقليدية تشبه مزيجًا بين العود والقيثارة.
هارونا ساماكي: عازف الكامالي نغوني، وهي آلة وترية مالية تقليدية ذات صوت عميق ودافئ.
سيدو كوياتي: عازف لوحات المفاتيح (الأورج/الكيبورد).
مامادي كوياتي: عازف الغيتار الجهير (الباص).
موسى ساغارا: عازف الطبول (الدرامز).
داوودا كوني: عازف آلات الإيقاع الإفريقية.
أبو سيسي: مسؤول البرمجة الموسيقية والإيقاعات الإلكترونية (MPC) وهي أجهزة تستخدم لإنتاج المؤثرات والإيقاعات الرقمية المصاحبة للعرض.

الموسيقى إلافريقية لغة وهوية وصولا للعالمية
وعلى الرغم من اختلاف اللغات التي يؤدي بها ساليف أغانيه فإن سره ظل دائما في تلك القدرة النادرة على مخاطبة وشائج القلب والوجدان فالجمهور لا يكتفي بالإنصات إليه بل يندمج مع موسيقاه بالتصفيق والحركة والرقص مستسلما للإيقاعات الإفريقية التي صنعت هويته الفنية التي تجاوزت حدود اللغة وهكذا ظل الفنان القادم من قرية صغيرة على ضفاف نهر النيجر بعد أكثر من نصف قرن من الغناء قادرا على أن يحول أي مسرح يقف عليه إلى مساحة تحتفي بالموسيقى بوصفها لغة إنسانية واحدة يفهمها الجميع مهما اختلفت ألسنتهم.

على إيقاعات إفريقيا… جمهور واحد وقلب واحد
ولعل أكثر ما يميز حفلات ساليف كيتا أن الجمهور لا يكتفي بالاستماع بل يعيش التجربة بكل تفاصيلها فالتصفيق المتواصل والحركة الجماعية والرقص على الإيقاعات الإفريقية تشكل جزءا من المشهد الموسيقي الذي يصنعه على المسرح وهكذا تتحول الحفلة إلى احتفال جماعي تتراجع فيه أهمية اللغة أمام قوة اللحن ويصبح صوت «الصوت الذهبي لإفريقيا» هو اللغة المشتركة التي تجمع بين جمهور جاء من ثقافات وألسنة مختلفة لكنه وجد في موسيقاه مساحة واحدة للفرح والانسجام.

إسهامات وتكريمات ورسائل إنسانية
ولم يقتصر نجاحه على الجماهير بل نال أيضا تقدير المؤسسات الفنية العالمية إذ رشح أربع مرات لجوائز غرامي في فئة أفضل ألبوم للموسيقى العالمية كما حصد جائزة «فيكتوار دو لا موزيك» الفرنسية عن ألبوم «لا ديفيرانس» إلى جانب عشرات التكريمات في إفريقيا وأوروبا تقديرا لإسهاماته الموسيقية ورسائله الإنسانية طوال مسيرته وهكذا لم يعد ساليف كيتا مجرد مغنٍ مالي بل أصبح رمزا عالميا للموسيقى الإفريقية وصوتا حمل قضايا الإنسان بقدر ما حمل جمال اللحن والكلمة.
انتهت الأمسية لكن أثرها ظل معلقا في فضاء المسرح الروماني بالحمامات وهكذا أضاف ساليف كيتا صفحة جديدة إلى سجل مسيرته الطويلة وصفحة أخرى إلى ذاكرة مهرجان الحمامات مؤكّدا أن بعض الحفلات لا تقاس بعدد الأغنيات التي تغنى بل بالأثر الذي تتركه في القلوب بعد أن يسدل الستار.














