- متابعة نيفين الهوني ـ تونس خاص
احتضن الموقع الأثري بأوتيك خلال سبتمبر الماضي ندوة صحفية خصصت لتقديم مشروع طريق مجردة في دورته الثانية وقد تنقل عدد من الصحفيين والمنظمين من تونس إلى أوتيك للتعرف على المشروع والاطلاع على عدد من مكوناته في سياق يجمع بين التراث الثقافي والمشهد الطبيعي والتعريف بالمناطق التي يرتبط بها وادي مجردة

وقد جاءت الندوة الصحفية المتنقلة لتقديم الدورة الثانية من تظاهرة طريق مجردة التي تنظمها جمعية مختبر المتحف والتي ستقام من 2 إلى 4 أكتوبر المقبل في تستور وتبرسق والسلوقية بولاية باجة و المشروع على طريق مجردة يقوم في جوهره على إعادة النظر إلى وادي مجردة كمجرى مائي واعتباره مجالا تتقاطع فيه الجغرافيا مع التاريخ والثقافة والاقتصاد المحلي والذاكرة الجماعية وتسعى التظاهرة في دورتها الثانية إلى تقديم تصور أوسع للتراث يقوم على الجمع بين الموروث الثقافي والطبيعي والسياحة والمنتجات المحلية والحرف والمهارات التقليدية والأنشطة الثقافية بما يفتح المجال أمام بناء شبكة من الفاعلين حول وادي مجردة بدل التعامل مع كل مدينة أو موقع باعتباره جزيرة منفصلة عن محيطه وبحسب المعطيات التي قدمتها الجمعية خلال الندوة فإن المشروع الذي تشرف عليه جمعية مختبر المتحف من خلال فرعها الجهوي بالكاف منذ سنة 2020 يمتد على المناطق التي يعبرها وادي مجردة في ولايات باجة وجندوبة والكاف وسليانة وصولا إلى بنزرت ومنوبة ويستند إلى فكرة جعل الماء خيطا رابطا بين موارد طبيعية وثقافية وبشرية متعددة فالمجتمعات التي نشأت على ضفاف مجردة راكمت عبر قرون طبقات مختلفة من التاريخ والعمران والزراعة والحرف والطبخ والموسيقى والذاكرة المحلية وهي عناصر لا تظهر دائما في الخطاب السياحي التقليدي الذي يميل إلى تقديم المعالم منفصلة عن بيئتها ومن هنا يحاول مشروع طريق مجردة الانتقال من فكرة زيارة موقع إلى فكرة اكتشاف مسار و تقديم تراث حي قادر على خلق فرص جديدة للثقافة والسياحة والمبادرات المحلية

و التحضير للدورة الثانية لا يقتصر على إعداد برنامج للفعاليات فقط وإنما شمل استشارة نحو 148 فاعلا اقتصاديا ومهنيا في قطاع السياحة والحرف بهدف التعرف إلى احتياجاتهم وانتظاراتهم ومقترحاتهم المتعلقة بالمنطقة كما أطلقت الجمعية دعوة للفاعلين الثقافيين ومكونات المجتمع المدني وأسفرت عن تسجيل عشرات المترشحين للمشاركة في مسار التشبيك والعمل المشترك
وتعتزم التظاهرة يومي 24 و25 سبتمبر تنظيم لقاء ميداني يجمع فاعلين ثقافيين ومكونات من المجتمع المدني في منطقة وادي مجردة بهدف مواصلة الحوار حول الأولويات والاحتياجات وبحث إمكانات تطوير مشاريع وإقامة شراكات ومتابعة مؤشرات لها علاقة بعدد الزوار والمردود الاقتصادي والحضور الإعلامي والشراكات الجديدة وستتخذ الدورة الثانية من طريق مجردة ثلاث محطات رئيسية هي تستور وتبرسق والسلوقية فتستور مدينة تختزن خصوصية عمرانية وثقافية مرتبطة بتاريخها الأندلسي أما تبرسق فتقدم ملامح أخرى من الذاكرة الزراعية والتراثية للمنطقة بينما تضيف السلوقية بعدا آخر من خلال مواردها ومنتجاتها المحلية ومشهدها الطبيعي

ويجمع المسار بين اكتشاف المدن القديمة والمواقع ذات القيمة التاريخية وبين العروض الفنية والمعارض والورشات والتعريف بالمنتجات المحلية والحرف والمهارات التقليدية وفنون الطبخ والضيافة وتكشف هذه البرمجة محاولات ربط الثقافة بالحياة اليومية للمنطقة حتى لايصبح التراث مجرد مادة للعرض وإنما مدخلا للتعريف بالمنتج المحلي وبالحرفة وبالمطبخ وبالمشهد الطبيعي وبالإنسان الذي يحمل هذه العناصر ويواصل إنتاجها وتعد الفكرة الأكثر أهمية في مشروع طريق مجردة هي سعيه إلى تجاوز منطق التظاهرة المؤقتة فالمشروع لا يقدم نفسه باعتباره مهرجانا محدودا في الزمان والمكان بقدر ما يسعى إلى بناء مسار ثقافي وسياحي يمكن أن يستمر خارج أيام التظاهرة ولهذا يركز على التشبيك بين المؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين والجمعيات وأصحاب الحرف والمهنيين في قطاع السياحة

حيث تشارك في الدورة الثانية مؤسسات وهياكل من بينها وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ومركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بباجة ومركز تقديم التراث الثقافي بتستور ودار الثقافة بتستور إلى جانب عدد من الفاعلين المحليين وقد كان اختيار أوتيك لاستقبال الندوة الصحفية جيدا لآن الموقع الأثري وضع المشاركين أمام واحدة من أقدم طبقات الذاكرة التاريخية في المنطقة وجعل الحديث عن طريق مجردة مرتبطا منذ البداية بفكرة الطريق التاريخي الذي عبرته حضارات متعددة وتقاطعت عنده طرق التجارة والثقافة والماء ولهذا بدت الرحلة التي بدأت من تونس إلى أوتيك جزءا من شكل الندوة فقد بدأ سيل المعلومات وتقديم الفكرة من الحافلة التي ضمت الصحافيين المنتقلين إلى أوتيك عن طريق أعضاء الجمعية والباحثين المنضوين تحتها وبدلا من تقديم المشروع داخل قاعة مغلقة انتقل الخطاب إلى الطريق ثم انتقل إلى المكان ثم إلى البراح الطبيعي قبل الوصول إلى الموقع الأثري أن تقديم المشروع بشكل عملي و ميداني جعل الصحافي والمتابع يعيش جزءا من التجربة التي أرادوا الترويج لها

وقد أكد مؤسس جمعية مختبر المتحف حاتم الدريسي أن الثروة المائية تمثل عنصرا أساسيا في بناء هوية ثقافية وطبيعية متنوعة وأن تثمين الموروث المادي واللامادي المرتبط بوادي مجردة يمكن أن يساهم في التعريف بالمنطقة واستقطاب المهتمين بالطبيعة والسياحة الثقافية فالتراث لا يكتسب قيمته فقط من قدمه وإنما من قدرته على الاستمرار داخل حياة الناس فالمدينة العتيقة لا تكون حية بمجرد المحافظة على مبانيها بل عندما تصبح فضاء للعيش والإنتاج والتفاعل والحرفة لا تستمر بمجرد توثيقها بل عندما تجد جيلا جديدا يتعلمها وسوقا يقدر منتجها المنتج المحلي لا يتحول إلى مورد تنموي إلا عندما يرتبط بسياق ثقافي وسياحي قادر على تقديمه وتعريف الزائر بقصته أما الموقع الطبيعي فلا يصبح جزءا من التنمية إلا إذا اقترنت الاستفادة منه بحمايته ومن هذه الزاوية يمكن قراءة طريق مجردة باعتباره محاولة لبناء علاقة جديدة بين التراث والمستقبل تقوم على فكرة أن حماية الذاكرة لا تعني تجميدها وإنما إعطائها القدرة على المشاركة في صناعة الحاضر

ونجد هنا إن ما أكده مؤسس جمعية مختبر المتحف يتجاوز في رؤيته الجانب السياحي لتطرح سؤالا حول كيفية تحويل الموارد الموجودة فعلا في الجهات إلى عناصر قادرة على إنتاج معرفة وفرص اقتصادية وحياة ثقافية مستمرة دون فصل التنمية عن حماية البيئة وكيف يمكن أن تنشأ بين
الطريق والنهر فكرة مشروع يريد أن يجمع مناطق متفرقة داخل سردية واحدة إنه انتقال من خريطة تقوم على الحدود الإدارية إلى خريطة أخرى تصنعها الذاكرة والماء والثقافة والموارد المشتركة فالمسألة في جوهرها كما طرحها المسؤولين عن المشروع ليست كيف نجعل الناس يزورون مكانا ثم يغادرونه وإنما كيف نجعل المكان نفسه قادرا على رواية حكايته وعلى إنتاج قيمة جديدة من ذاكرته وعلى منح سكانه دورا أساسيا في صياغة مستقبله فالطريق لا يبدأ حين يصل الزائر إلى وجهته وإنما يبدأ حين يكتشف أن الطريق نفسه هو الحكاية وهذا ما نراه قريبا في الدورة الثانية من تظاهرة طريق مجردة التي تنظمها جمعية مختبر المتحف أكتوبر القادم بإذن الله














