- رمضان كرنفودة
ليست مشكلة ليبيا في ندرة الموارد، ولا في قسوة الجغرافيا، بل في عقلية إدارية متكلسة أبت أن تغادر مربع المركزية المفرطة. عقود طويلة وليبيا تُدار من نقطة واحدة، وكأنها مدينة لا دولة مترامية الأطراف، تبلغ مساحتها مليونًا وسبعمئة وستين ألف كيلومتر مربع.
إن المتجول في شوارع المدن والقرى والأرياف الليبية، سيدرك حقيقة واحدة: أن البنية التحتية في ليبيا لم تُدمر بفعل الحرب وحدها، بل دُمرت بفعل الإهمال المركّز، وبفعل قرار يُتخذ في طرابلس العاصمة دون أن يراعي خصوصية المكان ولا حاجة الإنسان.
أولاً: المركزية تقتل التنمية المحلية
عندما يتعطل جهاز تصوير أشعة في مستشفى سبها العام، فإن إجراءات صيانته لا تبدأ من سبها، بل تبدأ رحلتها الطويلة إلى العاصمة. طلب، ثم لجنة، ثم اعتماد، ثم ميزانية، ثم انتظار. وقد يموت المريض قبل أن يصل توقيع الوزير. هذا ليس خيالاً، بل هو الواقع اليومي.
البلديات في ليبيا اليوم هي هياكل بلا صلاحيات. يُطلب منها النظافة وهي لا تملك سيارة قمامة، ويُطلب منها رصف الطرق وهي لا تملك ميزانية لترقيع حفرة. أكثر من 90% من الإيرادات السيادية تذهب إلى المركز، ثم يُعاد توزيع الفتات على الأطراف وفق مزاج سياسي لا وفق خطة تنموية.
ثانياً: انقطاع الخدمات.. نتيجة حتمية
كيف تصل المياه والكهرباء بانتظام إلى المواطن في أقصى الجنوب، وقرار إنشاء محطة تحلية أو صيانة خط نقل بيد موظف يجلس على بعد ألف كيلومتر؟
مركزية إدارة الكهرباء جعلت شبكة ليبيا شبكة هشة، يسقط فيها عمود في الصحراء فينقطع التيار عن مدن كاملة. ومركزية إدارة المياه جعلت مشروع النهر الصناعي العظيم – الذي كان من المفترض أن يكون شريان حياة – مشروعاً مهدداً بالتوقف في كل لحظة لغياب الصيانة المحلية.
أما الطرق، فحدث ولا حرج. طريق سبها – طرابلس، طريق الموت، لم يشهد صيانة حقيقية منذ عقود، لأن أولويات المركز دائماً في مكان آخر.
ثالثاً: المواطن يدفع الثمن
النتيجة المباشرة لهذه المركزية هي شعور المواطن بالغربة داخل وطنه. المواطن في فزان يشعر أنه ليبي من الدرجة الثانية، لا لأن القانون يقول ذلك، بل لأن الواقع يقول ذلك. فالمدرسة بلا كتاب، والمستشفى بلا دواء، والبلدية بلا وقود.
وهنا يولد الاحتقان، وينمو التطرف، وتنشأ الهجرة الداخلية، وتتعمق الفجوة بين الشرق والغرب والجنوب.
ما الحل؟
إن الحل ليس في إنشاء مزيد من الوزارات، بل في إلغاء فكرة الوزارة المركزية القابضة. ليبيا تحتاج إلى:
1. حكم محلي حقيقي بصلاحيات مالية وإدارية واسعة، تُنتخب فيه المجالس البلدية وتُحاسب محلياً، وتمتلك حق جباية جزء من مواردها وإنفاقه وفق أولوياتها.
2. لامركزية الموازنة: أن تُخصص 40% على الأقل من ميزانية التنمية للبلديات بشكل مباشر، دون المرور ببيروقراطية الوزارات في العاصمة.
3. لامركزية الخدمات السيادية: مستشفيات مستقلة إدارياً، وشركات كهرباء ومياه جهوية، وإدارات تعليم جهوية تضع مناهجها التكميلية بما يتناسب مع بيئتها.
4. التحول الرقمي: ربط البلديات بنظام مالي وإداري واحد يمنع الفساد، لكنه لا يمنع القرار المحلي.
إن الدول التي تشبهنا في المساحة والتركيبة، كالإمارات والمغرب، لم تنهض إلا عندما آمنت بأن التنمية لا تُستورد من العاصمة، بل تُزرع في الحقل، في المزرعة، في الحي، في المدينة الصغيرة.
من حقل المزرعة إلى حقل النفط، كل الحقول الليبية عانت من نفس المرض: أن من يزرع لا يحصد، ومن يستخرج النفط لا يرى عائده.
لقد آن الأوان أن نكسر هذه المركزية المقدسة، وأن نعيد ليبيا إلى أهلها، كل في مكانه. فلا وطن يبنى من المركز وحده، بل يبنى من الأطراف إلى المركز.














