- تقرير | وائل أحمد
بعد 11 عاماً من القيود والتحذيرات، ليبيا تستعد لاستقبال عشرات الآلاف من رحلات العبور شهرياً، وسط آمال بتحويل مجالها الجوي إلى مصدر للنقد الأجنبي بعيداً عن النفط.
وائل أحمد | صحيفة فسانيا
بعد أكثر من عقد من التحذيرات الدولية التي قيّدت استخدام المجال الجوي الليبي، تلوح أمام البلاد فرصة اقتصادية جديدة قد تجعل من سمائها مورداً للنقد الأجنبي، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى تنويع مصادر الإيرادات العامة وتخفيف الاعتماد على النفط.
فالإعلان الصادر عن وزارة المواصلات الليبية في السادس والعشرين من أكتوبر 2026، بشأن إلغاء التحذيرات السابقة لمنظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو»، لا يقتصر على الجانب المتعلق بسلامة الطيران، بل يحمل أبعاداً اقتصادية مهمة، خاصة مع إعلان الوزارة تسجيل طلبات لتصاريح عبور الأجواء الليبية تصل إلى 61 ألفاً و968 رحلة شهرياً، اعتباراً من نوفمبر المقبل، ضمن الموسم الشتوي 2026–2027.
ويفتح هذا التطور الباب أمام استعادة ليبيا جزءاً من دورها في حركة الملاحة الجوية الدولية، والاستفادة من موقعها الجغرافي في تقديم خدمات العبور والمراقبة والملاحة للطائرات الأجنبية، وهي خدمات يمكن أن توفر إيرادات بالنقد الأجنبي، بعيداً عن النشاط النفطي الذي يشكل المصدر الرئيسي لموارد البلاد.
غير أن هذه الفرصة تظل مرتبطة بجملة من التحديات، أبرزها استمرار بعض القيود والتحذيرات الدولية، لا سيما الصادرة عن إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية ووكالة سلامة الطيران الأوروبية، إلى جانب قدرة المؤسسات الليبية على إدارة الحركة الجوية المتوقعة، وضمان تحصيل الإيرادات بصورة منتظمة.
بعد سنوات من العزلة.. الأجواء الليبية تستعيد الاهتمام الدولي
أعلن وزير المواصلات محمد الشهوبي صدور قرار عن منظمة الطيران المدني الدولي بتاريخ الثالث والعشرين من أكتوبر الجاري، يقضي، وفقاً للوزارة، بإلغاء التحذيرات السابقة المتعلقة بسلامة الطيران في المجال الجوي الليبي، الصادرة عامي 2013 و2015.
وبحسب الوزارة، جاء القرار عقب جهود استهدفت تطوير البنية التحتية للمطارات وتحديث أنظمة الملاحة الجوية، مع اعتزام إطلاق برنامج للترويج للمجال الجوي الليبي لدى شركات الطيران العالمية، وتشجيعها على استئناف الرحلات المباشرة واستخدام الممرات الجوية الليبية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لليبيا، التي تمتد أراضيها على مساحة واسعة بين البحر المتوسط وعمق القارة الأفريقية، وتشكل ممراً محتملاً لحركة الطيران التي تربط أوروبا بدول أفريقية ومناطق أخرى.
وخلال السنوات الماضية، دفعت المخاطر الأمنية والتحذيرات الدولية عدداً من شركات الطيران إلى تجنب المجال الجوي الليبي، واستخدام مسارات بديلة، ما حرم البلاد من الاستفادة الكاملة من موقعها الجغرافي في نشاط الملاحة الجوية الدولية.
أما الآن، فإن الإعلان عن إلغاء تحذيرات الإيكاو السابقة يمثل خطوة باتجاه استعادة الثقة بالمجال الجوي الليبي، وإن كان لا يعني تلقائياً انتهاء القيود التي تفرضها سلطات الطيران في الدول الأخرى.
من ألفي رحلة إلى نحو 62 ألف تصريح شهرياً
تكشف الأرقام التي أعلنتها وزارة المواصلات عن تحول كبير في حجم الاهتمام باستخدام المجال الجوي الليبي خلال الموسم الشتوي المقبل.
فبحسب الوزارة، لم يتجاوز متوسط رحلات العبور المنفذة خلال الموسم الشتوي 2025–2026 نحو ألفي رحلة شهرياً، مقابل طلبات تصاريح تعادل 61 ألفاً و968 رحلة شهرياً للموسم الشتوي 2026–2027، الذي يبدأ في نوفمبر المقبل.
ويمثل الرقم الجديد نحو 31 ضعف متوسط الرحلات السابقة، وهي زيادة لافتة من حيث حجم الطلب على استخدام الأجواء الليبية.
لكن هذه المقارنة تستدعي التمييز بين رحلات جرى تنفيذها بالفعل خلال الموسم السابق، وطلبات تصاريح مسجلة للموسم المقبل، إذ لا يمكن اعتبار كل تصريح رحلة منفذة قبل دخول الطائرة فعلياً إلى المجال الجوي الليبي.
ومن الناحية التشغيلية، فإن تحول هذه الطلبات إلى حركة جوية فعلية سيضع منظومة الملاحة الليبية أمام تحديات تتعلق بإدارة الطائرات العابرة، وتأمين الاتصالات، وتوفير خدمات المراقبة الجوية، والتنسيق مع مراكز الملاحة في الدول المجاورة.
كما يتطلب تطوير قدرات العاملين في المراقبة الجوية وصيانة الأنظمة التقنية، بما يضمن التعامل مع حركة الطيران المتزايدة وفق متطلبات السلامة الدولية.
وتكتسب هذه الجوانب أهمية اقتصادية مباشرة، لأن استمرار شركات الطيران في استخدام الأجواء الليبية يرتبط بقدرة المؤسسات المعنية على تقديم خدمات آمنة ومنتظمة، وليس بمجرد منح التصاريح.
الأجواء الليبية.. مورد اقتصادي بعيد عن النفط
تتمثل إحدى أبرز الفرص التي يحملها هذا التطور في إمكانية تحقيق إيرادات من خدمات الملاحة الجوية التي تقدمها ليبيا للطائرات العابرة لمجالها الجوي.
فعبور الطائرات الدولية لا يتطلب بالضرورة الهبوط في المطارات الليبية، وإنما يمكن أن يترتب عليه دفع رسوم مقابل استخدام خدمات إدارة الحركة الجوية والمراقبة والملاحة.
وتكشف مراجعة تعميم رسمي صادر عن مصلحة الطيران المدني الليبية بتاريخ الأول من يناير 2024، تحت رقم AIC A 1/24، عن وجود جدول لرسوم الملاحة الجوية، استناداً إلى قرار وزير المواصلات رقم 1286 لسنة 2023.
وبحسب الجدول المنشور، تتراوح رسوم عبور الطائرات بين 200 و1100 يورو، وفقاً للوزن الأقصى المصرح به لإقلاع الطائرة.
فتبلغ الرسوم 200 يورو للطائرات التي لا يتجاوز وزنها 20 طناً، وترتفع إلى 400 يورو للطائرات التي يزيد وزنها على 40 طناً ولا يتجاوز 75 طناً، ثم إلى 600 يورو للطائرات التي تزيد أوزانها على 100 طن ولا تتجاوز 150 طناً، وصولاً إلى 1100 يورو للطائرات التي تتجاوز أوزانها 500 طن.
وتؤكد هذه الرسوم أن المجال الجوي يمثل أصلاً اقتصادياً يمكن للدولة الاستفادة منه، شأنه شأن الموانئ والمطارات وغيرها من مرافق النقل التي توفر خدمات مقابل عوائد مالية.
غير أن التعميم المنشور سنة 2024 لم يظهر ضمن قائمة التعاميم السارية الواردة في نشرة معلومات الطيران الليبية بتاريخ الأول من أكتوبر 2026، ما يجعل من الضروري الحصول على توضيح رسمي بشأن استمرار العمل بتلك الرسوم، أو صدور تعرفة جديدة تحكم عمليات العبور.
وعليه، فإن وجود جدول رسمي منشور للرسوم لا يكفي وحده لتحديد الإيرادات الحالية، دون معرفة التعرفة النافذة وآليات التحصيل والإعفاءات المحتملة.
كم يمكن أن تبلغ الإيرادات؟ قراءة افتراضية
لإعطاء تصور تقريبي عن القيمة الاقتصادية المحتملة لعودة حركة العبور، يمكن الاستعانة بعدد الرحلات المعلن من وزارة المواصلات وجدول الرسوم المنشور سنة 2024 لإجراء محاكاة مالية أولية.
فإذا افترضنا تنفيذ جميع الرحلات البالغ عددها 61 ألفاً و968 رحلة شهرياً، واحتساب متوسط افتراضي للرسم يبلغ 600 يورو للطائرة، فقد تصل الإيرادات الإجمالية إلى نحو 37.2 مليون يورو شهرياً.
وفي حال استمرار العدد نفسه من الرحلات طوال اثني عشر شهراً، فإن القيمة الحسابية السنوية قد تبلغ نحو 446 مليون يورو.
غير أن هذه الأرقام ليست تقديرات رسمية ولا إيرادات متحققة، بل مجرد افتراض اقتصادي يعتمد على تنفيذ كامل الرحلات، واستمرار مستوى الحركة طوال العام، وتطبيق متوسط رسم لم يُثبت بعد أنه يعكس أوزان الطائرات المتوقع عبورها.
كما أن الرقم السنوي يفترض استمرار المعدل المعلن طوال العام، بينما تتعلق بيانات الوزارة بالموسم الشتوي 2026–2027.
ولهذا فإن تحديد الإيرادات الفعلية يتطلب بيانات عن عدد الرحلات المنفذة، وأوزان الطائرات، والرسوم النافذة، وحجم المبالغ المحصلة، فضلاً عن تكاليف تشغيل منظومة الملاحة الجوية وصيانتها.
مكاسب اقتصادية تتجاوز رسوم العبور
لا تنحصر الفوائد الاقتصادية المحتملة في الرسوم التي تدفعها شركات الطيران مقابل استخدام المجال الجوي الليبي.
فزيادة الحركة الجوية يمكن أن تشجع على توسيع الاستثمارات في البنية التحتية للملاحة، بما يشمل تحديث الرادارات وأنظمة الاتصالات ومراكز المراقبة، وتطوير برامج تدريب وتأهيل المراقبين الجويين والكوادر الفنية.
كما قد تتيح استعادة الثقة الدولية بالأجواء الليبية فرصاً لتحسين الربط الجوي مع الخارج، وزيادة الرحلات المباشرة، وتنشيط حركة المسافرين ورجال الأعمال، بما ينعكس على قطاعات الخدمات والنقل والسياحة والتجارة.
وعلى المستوى الدولي، قد يوفر استخدام المجال الجوي الليبي لبعض شركات الطيران مسارات أقصر مقارنة بالمسارات البديلة، ما يساعد على خفض زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، وفقاً لطبيعة كل رحلة والمسار المعتمد لها.
وتمنح هذه المزايا ليبيا فرصة لتعزيز موقعها في قطاع الخدمات اللوجستية، والاستفادة من موقعها الجغرافي في نشاط اقتصادي لا يعتمد بصورة مباشرة على إنتاج النفط أو تصديره.
إلا أن تحقيق هذه المكاسب يرتبط بتطوير البنية التحتية، واستقرار البيئة التشغيلية، ورفع مستوى السلامة، واستمرار ثقة شركات الطيران الدولية.
الحظر الأمريكي مستمر حتى مارس 2028
رغم الإعلان الليبي عن إلغاء التحذيرات السابقة لمنظمة الطيران المدني الدولي، فإن مراجعة القرارات الصادرة عن سلطات الطيران الأجنبية تكشف استمرار قيود مهمة تتعلق بالتحليق في المجال الجوي الليبي.
فبحسب وثيقة رسمية صادرة عن إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA)، نُشرت في السجل الفيدرالي الأمريكي بتاريخ 20 مارس 2025، جرى تمديد العمل بالقواعد الخاصة المعروفة باسم SFAR No. 112، التي تقيد عمليات طيران معينة في المجال الجوي الليبي، حتى العشرين من مارس 2028.
ويشمل القرار شركات النقل الجوي الأمريكية والمشغلين التجاريين الأمريكيين وفئات أخرى من الطائرات والمشغلين والأطقم الخاضعة لاختصاص الإدارة، مع استثناءات وإجراءات موافقة محددة.
وبررت الإدارة الأمريكية استمرار القيود بالمخاطر المرتبطة بالوضع الأمني في ليبيا، وما قد تشكله من تهديد لسلامة الطيران المدني.
ويسمح القرار بإعادة النظر في القيود أو تعديلها قبل موعد انتهاء سريانها، إذا تغير تقييم المخاطر الذي تستند إليه السلطات الأمريكية.
وتبرز أهمية هذا القرار في كونه يكشف أن إلغاء تحذيرات الإيكاو لا يؤدي تلقائياً إلى رفع القيود الأمريكية، لأن كل سلطة وطنية للطيران تعتمد تقييماتها الخاصة للمخاطر ومتطلبات السلامة.
وفي الوقت نفسه، لا يمثل الحظر الأمريكي حظراً عالمياً على جميع شركات الطيران الأجنبية، بل ينطبق على المشغلين والفئات المحددة في القرار.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن استمرار هذه القيود يظل عاملاً مؤثراً في قدرة ليبيا على استقطاب مختلف شركات الطيران الدولية، والاستفادة الكاملة من حركة العبور المحتملة.
أوروبا أيضاً.. التحذيرات لم تنتهِ
على الجانب الأوروبي، لا تزال وكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) تحتفظ بتحذير يتعلق بالمجال الجوي الليبي.
ووفقاً للنشرة الرسمية CZIB-2017-02R20، التي جرى تحديثها في 24 يوليو 2026، يستمر سريان التحذير حتى 31 يناير 2027، ما لم يُعدل أو يُلغَ قبل ذلك التاريخ.
وتوصي الوكالة مشغلي الطيران المعنيين بتجنب التحليق في الأجواء الليبية على ارتفاعات تقل عن مستوى FL320، الذي يعادل نحو 32 ألف قدم، مع وجود استثناءات مشروطة لبعض العمليات المتجهة إلى المطارات الساحلية عبر البحر.
أما الرحلات التي تستخدم ارتفاعات أعلى، فتوصي الوكالة بتوخي الحذر ومراعاة المخاطر المحتملة.
وهذا التحذير لا يعني حظراً شاملاً على جميع الرحلات العابرة للأجواء الليبية، لكنه يمثل عاملاً يؤثر في تقييم المخاطر وقرارات شركات الطيران الأوروبية.
ويكشف استمرار التحذيرين الأمريكي والأوروبي أن عودة المجال الجوي الليبي إلى الاستخدام الدولي الواسع لا تزال تتطلب مزيداً من الجهود لتحسين مستوى السلامة وإقناع الجهات التنظيمية الأجنبية بمراجعة تقييماتها.
كما يبرز أهمية التمييز بين إعلان رفع تحذيرات سابقة صادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي، وبين استمرار القيود التي تفرضها السلطات الوطنية والإقليمية للطيران.
من التصاريح إلى الإيرادات.. اختبار المؤسسات الليبية
أمام هذه التطورات، لا يقتصر التحدي على زيادة عدد الطائرات العابرة، بل يشمل القدرة على إدارة هذا النشاط وتحويله إلى مورد اقتصادي مستدام.
فالاستفادة المالية من خدمات الملاحة الجوية تتطلب منظومة واضحة للفوترة والتحصيل، وبيانات دقيقة عن الرحلات المنفذة والرسوم المستحقة، وآليات معلنة لتوريد الإيرادات إلى الحسابات المعتمدة.
كما أن تحصيل الرسوم بالعملة الأجنبية لا يعني بالضرورة دخولها مباشرة إلى احتياطيات مصرف ليبيا المركزي، إذ يتوقف ذلك على النظام المالي المعتمد لتحصيل عوائد خدمات الملاحة وتوزيعها وتوريدها.
ومن هنا تبرز أهمية أن تنشر الجهات المختصة بيانات دورية توضح عدد الطائرات العابرة، وقيمة الرسوم المفروضة، والإيرادات المحصلة فعلياً، وتكاليف تشغيل وصيانة منظومة الملاحة الجوية.
فمثل هذه البيانات لا تساعد فقط على تقييم الجدوى الاقتصادية، بل تتيح أيضاً قياس مساهمة القطاع في تنويع الإيرادات العامة، وتحديد الاحتياجات الاستثمارية اللازمة لتطويره.
وبالتوازي مع ذلك، ينبغي أن تشمل جهود تطوير قطاع الطيران تعزيز إجراءات السلامة، واستكمال تحديث أنظمة الملاحة والمراقبة، ورفع كفاءة الكوادر الفنية، بما يساعد على تلبية المتطلبات الدولية لاستمرار الحركة الجوية.
ليبيا والبحث عن موارد خارج النفط
تأتي فرصة استعادة حركة العبور الجوي في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات اقتصادية تتعلق بالاعتماد الكبير على النفط مصدراً للإيرادات العامة والنقد الأجنبي.
فهذا الاعتماد يجعل المالية العامة والقدرة على تمويل الواردات عرضة للتأثر بتقلبات أسعار النفط وكميات الإنتاج والتصدير وتدفقات الإيرادات.
ومن هذا المنطلق، تكتسب أنشطة النقل والملاحة والخدمات اللوجستية أهمية ضمن أي توجه اقتصادي يستهدف تنويع مصادر الدخل.
ولا يمكن افتراض أن عوائد عبور الطائرات ستكون بديلاً عن النفط، لكنها قد تمثل مورداً إضافياً يمكن تطويره بالتوازي مع قطاعات أخرى، مثل الموانئ والنقل البحري والمطارات والسياحة والخدمات التجارية.
وتتمثل الميزة الاقتصادية للمجال الجوي في إمكانية الاستفادة من موقع البلاد الجغرافي لتقديم خدمات دولية مستمرة، دون الارتباط المباشر باستخراج الموارد الطبيعية أو تقلبات أسعارها.
غير أن تحويل هذه الميزة الجغرافية إلى عائد مالي يتطلب استثمارات وإدارة مؤسسية مستقرة، فضلاً عن تحسين ثقة شركات الطيران وسلطات السلامة الدولية.
بين عودة الطيران واستمرار التحذيرات.. الفرصة أمام اختبار حقيقي
يمثل إعلان وزارة المواصلات بشأن إلغاء تحذيرات الإيكاو السابقة، وتسجيل عشرات الآلاف من طلبات عبور الأجواء الليبية للموسم الشتوي المقبل، تطوراً مهماً يحمل فرصاً اقتصادية للبلاد.
فاستعادة المجال الجوي الليبي مكانته ضمن شبكة الممرات الدولية يمكن أن تسهم في تنشيط قطاع النقل الجوي، وتطوير خدمات الملاحة، وتوفير إيرادات بالنقد الأجنبي، إلى جانب تحسين فرص الاستثمار والربط الجوي مع الخارج.
لكن استمرار القيود الأمريكية حتى مارس 2028، والتحذير الأوروبي الساري حتى يناير 2027 ما لم يُعدّل، يوضح أن الطريق نحو الاستفادة الكاملة من المجال الجوي لا يزال مرتبطاً بتحديات السلامة والثقة الدولية.
كما أن حجم التصاريح المعلن، مهما كان مرتفعاً، لا يمثل بحد ذاته مؤشراً على الإيرادات المتحققة، ما لم يتحول إلى رحلات منفذة ورسوم محصلة وفق أنظمة مالية واضحة.
ولهذا فإن النجاح الاقتصادي لهذه الخطوة لن يُقاس بعدد طلبات العبور وحده، وإنما بقدرة ليبيا على توفير بيئة جوية آمنة، واستقطاب شركات الطيران، وتحقيق إيرادات مستدامة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
فبعد سنوات من غياب الأجواء الليبية عن مسارات عدد من شركات الطيران الدولية، تبدو الفرصة متاحة لاستعادة موقع البلاد الجغرافي وتحويله إلى قيمة اقتصادية حقيقية، لكن الرهان لا يزال معلقاً على قدرة المؤسسات الليبية على تحويل الانفتاح الجوي إلى حركة فعلية وعوائد مالية واضحة.
وبين التحذيرات التي رُفعت وتلك التي لا تزال قائمة، يبقى السؤال الاقتصادي الأهم: هل تنجح ليبيا في تحويل سمائها إلى مورد جديد للنقد الأجنبي، أم تظل الفرصة مرهونة بانتظار استكمال متطلبات السلامة واستعادة الثقة الدولية؟














