- مالك المانع
حين تفقد السلطة شغف البدايات
لطالما شغلتني تلك المفارقة السياسية المتعلقة بالقنطرة التي تفصل بين استقرار الدول واستقرار حكامها، وبين استمرارية السلطة واستمرارية المشروعات الوطنية.
فبينما استطاعت بعض الأنظمة الملكية المحافظة على قدر ملحوظ من الاستقرار السياسي والمؤسسي، ظلت جمهوريات عديدة تعيش على إيقاع الانتخابات وتبدل الرؤساء وتغير الأولويات.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل تكمن إحدى مشكلات الديمقراطية الانتخابية في الطريقة التي يتعامل بها الرئيس مع الزمن المحدد لبقائه في السلطة .. ؟
هل يمكن أن تتحول الانتخابات، التي يفترض أنها وسيلة لمحاسبة الحاكم، إلى عامل يؤثر في مستوى أدائه عندما يصبح مستقبله السياسي محسوماً .. ؟
عزيزي القارئ :-
إن التأمل في سلوك بعض الرؤساء المنتخبين يكشف عن ظاهرة سياسية أرى أنه يمكن تسميتها ب [ أزمة منتصف الحكم ] .
وهي أزمة لا تتعلق بالضرورة بمنتصف المدة الزمنية للرئاسة، وإنما بالتحول النفسي والسياسي الذي يطرأ على الحاكم عندما ينتقل من ولاية قابلة للتجديد إلى ولاية أخيرة .
فالرئيس الذي يصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع يدرك منذ اللحظة الأولى أن شرعيته السياسية مرتبطة بإرادة الناخبين، وأن مستقبله مرهون بقدرته على إقناعهم بتجديد الثقة فيه منحه عهدة انتخابية جديدة .. ولهذا تبدأ ولايته الأولى غالباً محاطة بطموحات كبيرة ووعود انتخابية تتجاوز أحياناً الإمكانات الفعلية للدولة.
يسعى خلالها إلى تقديم نفسه باعتباره رجل المرحلة، وصاحب المشروع القادر على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية.
فتتحول السنوات الأولى إلى سباق مع الزمن، سباق عنوانه تحقيق الإنجازات وترسيخ الحضور الشعبي وبناء قاعدة انتخابية قادرة على ضمان استمراره.
وفي هذه المرحلة يصبح المواطن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءاً أساسياً من حسابات الرئيس السياسية .. فكل مشروع اقتصادي ناجح يمثل رصيداً انتخابياً، وكل إصلاح إداري يضيف إلى صورته العامة، وكل تحسن في الظروف المعيشية يعزز من فرص بقائه .
وهنا تتجلى إحدى أهم مزايا النُظُم الانتخابية ، حين تتحول رغبة الحاكم في الاحتفاظ بالسلطة إلى حافز لخدمة المجتمع وتحسين أداء الدولة .. غير أن هذه المعادلة قد تتغير جذرياً عندما ينجح الرئيس في الفوز بولاية ثانية وأخيرة لا يسمح الدستور بتجديدها.
ففي تلك اللحظة يفقد أحد أهم الحوافز التي كانت تضبط سلوكه السياسي، وهو الخوف من خسارة الانتخابات المقبلة .. ولأن السلطة بطبيعتها تتأثر بالمصالح والحوافز، فإن غياب المكافأة الانتخابية قد ينعكس على طبيعة القرارات ومستوى الالتزام بالوعود.
وهنا تبدأ أزمة منتصف الحكم، حين ينتقل الرئيس من مرحلة السعي إلى تجديد التفويض الشعبي إلى مرحلة إدارة ما تبقى من رصيده السياسي.
فلم يعد مطالباً بإقناع الناخبين بمنحه فرصة جديدة، ولم تعد شعبيته شرطاً مباشراً لاستمراره في المنصب حتى نهاية ولايته .. بل قد يصبح أكثر استعداداً لتأجيل الإصلاحات الصعبة، أو تجنب القرارات المكلفة، أو الانشغال بترتيبات الخروج من السلطة وحماية إرثه السياسي .. لكن المفارقة أن غياب الضغوط الانتخابية قد يدفع رئيساً آخر إلى اتخاذ قرارات شجاعة كان يخشى اتخاذها خلال ولايته الأولى.
ولهذا فإن أزمة الولاية الأخيرة ليست قانوناً سياسياً ثابتاً، وإنما احتمال يتوقف على شخصية الحاكم وقوة المؤسسات وطبيعة النظام السياسي.
وقد تناولت أدبيات الاقتصاد السياسي هذه المسألة من خلال دراسة تأثير حدود الولايات الرئاسية في المساءلة والحوافز الانتخابية .. وأظهرت بعض الأبحاث أن إمكانية إعادة الانتخاب تشجع المسؤولين على بذل جهود أكبر للاستجابة لمطالب الناخبين.
بينما قد يؤدي انعدام هذه الإمكانية إلى إضعاف إحدى أدوات الرقابة الشعبية، وإن كان يحرر المسؤول أحياناً من الحسابات الانتخابية الضيقة.
وهنا يظهر التناقض الكامن في الديمقراطية الانتخابية: فالحاكم يحتاج إلى الانتخابات كي يخضع للمساءلة، لكنه قد يتحرر من بعض ضغوطها بمجرد ضمان ولايته الأخيرة.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تحديد مدة الحكم، بل في اختزال المسؤولية السياسية في جموح الحاكم ورغبته بالفوز مجدداً .. فالدولة التي تعتمد جودة أدائها على طموح الرئيس الشخصي تصبح عرضة لتقلبات مزاجه السياسي وحساباته المستقبلية.
أما الدولة المؤسسية فلا ينبغي أن يتغير مستوى خدماتها أو اتجاهها الاقتصادي بتغير الحوافز الشخصية لمن يجلس على قمة السلطة.
ومن هنا تكتسب المقارنة بين الأنظمة الملكية والجمهورية أبعاداً تتجاوز الشكل الدستوري للحكم.
فبعض الملكيات تتمتع باستمرارية سياسية تسمح بتبني مشروعات استراتيجية تمتد لعقود وتتمتع بالاستقرار دون ارتباط مباشر بالدورات الانتخابية الرئاسية.
كما أن وضوح قواعد انتقال السلطة في الملكيات المستقرة قد يقلل حالة الغموض السياسي المصاحبة أحياناً لتغيير الرؤساء.
غير أن هذه المزايا لا تعني تفوق النظام الملكي بصورة مطلقة، فالتاريخ يقدم نماذج لملكيات انهارت وجمهوريات استطاعت تحقيق استقرار وازدهار استثنائيين.
فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه الوراثة وحدها، كما لا تضمنه صناديق الاقتراع بمجرد وجودها.
وإنما تصنعه المؤسسات القادرة على الاستمرار، والقوانين التي يخضع لها الجميع، والرؤية الوطنية التي تتجاوز عمر الحاكم.
ولعل التجربة الأمريكية تقدم مثالاً مناسباً لفهم إشكالية الولاية الأخيرة، حيث يمنع التعديل الثاني والعشرون للدستور انتخاب الرئيس أكثر من مرتين.
ومع اقتراب نهاية الولاية الثانية، قد تتراجع قدرة الرئيس على التأثير في حزبه والكونغرس، خصوصاً عندما يبدأ الجميع في الاستعداد للانتخابات المقبلة.
وتعرف الأدبيات السياسية جانباً من هذه الحالة بمصطلح [ البطة العرجاء ] ، الذي يشير إلى تراجع النفوذ السياسي للمسؤول الذي تقترب نهاية ولايته.
لكن هذا المصطلح لا يطابق تماماً ما أقصده بأزمة منتصف الحكم، لأن الأخيرة تتناول تحول الحوافز السياسية منذ بداية الولاية النهائية، لا مجرد ضعف النفوذ عند نهايتها.
إنها محاولة لفهم اللحظة التي يتغير فيها السؤال داخل عقل الحاكم من :-
كيف أقنع الشعب بإعادة انتخابي ..؟ إلى :-
ماذا أريد أن أفعل بما تبقى لي من سلطة ..؟
وبين السؤالين تتحدد أحياناً مصائر مشروعات وطنية كبرى، وتتغير أولويات الإنفاق العام، وتتراجع أو تتقدم ملفات الإصلاح .
وقد يتحول الرئيس من قائد يسعى إلى بناء المستقبل إلى مسؤول ينشغل بتقييم الماضي وتحصين صورته في كتب التاريخ.
وفي المقابل، قد يرى رئيس آخر أن ولايته الأخيرة فرصته التاريخية لإنجاز ما عجز عنه سابقاً، فيضاعف جهوده ويترك إرثاً سياسياً أكثر رسوخاً إلا أن هذا النهج نادر الوجود .
وهذا التباين يؤكد أن جوهر الأزمة ليس في انتهاء فرصة إعادة الانتخاب، وإنما في غياب الضمانات المؤسسية لاستمرار الأداء الجيد.
فالنُظُم السياسية التي تجعل من الانتخابات وسيلتها الوحيدة للمحاسبة تترك فراغاً خطيراً عندما يصبح الحاكم خارج المنافسة الانتخابية.
أما النُظُم الناضجة فتوزع أدوات المساءلة بين البرلمان والقضاء والإعلام الحر والمجتمع المدني والمؤسسات الرقابية المستقلة.
وبذلك تظل السلطة خاضعة للمحاسبة حتى عندما لا يعود صاحبها بحاجة إلى أصوات الناخبين.
ولعل السؤال الأكثر أهمية ليس لماذا يتراجع أداء بعض الرؤساء في ولايتهم الأخيرة، بل لماذا تسمح بعض الدول بأن يرتبط مصيرها بحوافز الرئيس الشخصية ..؟
ولماذا تنتهي مشروعات وطنية بتغير الحكومات، بينما يفترض أن تكون الدولة مشروعاً تاريخياً مستمراً لا يتوقف عند حدود العهدات الانتخابية ..؟
إن بناء الدولة الحديثة يتطلب الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن الوعود المرتبطة بالانتخابات إلى الالتزامات المرتبطة بالمصلحة الوطنية.
كما يتطلب وجود خطط استراتيجية لا يستطيع الرئيس تعطيلها لمجرد أنها لا تخدم مستقبله الانتخابي أو صورته السياسية.
فالحاكم الناجح ليس من يحقق الإنجازات كي يُعاد انتخابه، وإنما من يحققها لأنه يدرك أن مسؤوليته تجاه وطنه لا تنتهي بانتهاء فرص بقائه في السلطة.
وربما تكون أخطر أزمات الحكم تلك التي تبدأ عندما يشعر الرئيس بأنه لم يعد بحاجة إلى إقناع الشعب، بينما يظل الشعب بحاجة إلى من يعمل من أجله.
وهنا تتجسد [ أزمة منتصف الحكم ] بوصفها اختباراً لأخلاق السلطة وصلابة المؤسسات، لا مجرد نتيجة حتمية لتجديد الولاية الرئاسية.
فالأوطان التي تبني مستقبلها على طموحات الحكام ستظل رهينة أعمارهم السياسية، أما الأوطان التي تبنيه على قوة مؤسساتها فلن تخشى رحيل رئيس أو مجيء آخر.
والدولة التي تحتاج إلى انتخابات جديدة كي يستعيد حاكمها حماسته للعمل، لم تنجح بعد في تحويل السلطة من امتياز شخصي إلى مسؤولية وطنية مستمرة ..














