- مولود فرتوني
تمهيد: القصيدة سيدة الحكم ومنتهاها
تُعد القصيدة عند “إيموهاغ” العلامة الفارقة بين جميع فنون القول؛ فهي مستودع الحكمة، وفلسفة الحياة، والسجل التاريخي الذي يوثق ترحال هذا المجتمع وتحولاته. وكما يقول الحكماء قديماً: “أنـهي أغيل أن تاسويت” (الحكمة هي ذراع القصيدة)، فالحكمة لديهم هي نصف القصيدة، مما يجعل من الشعر “سيد الحكم” ومنتهاها. وكما عبر الشاعر الراحل لحسن ماضية: “أوال إيها تاسويت” (اللغة توجد في القصيدة)، فالقصيدة هي الفضاء الذي يحفظ اللغة من الاندثار ويمنحها أبعادها الجمالية.
أولاً: البناء الهندسي والتيمات الموضوعاتية
تعتمد القصيدة التارقية بناءً هندسياً قائماً على نظام الشطر الواحد، ولكل قصيدة وزنها الخاص الذي يفرضه السياق الموسيقي والإيقاعي. أما على مستوى المواضيع، فقد لامس الشعر التارقي قضايا الإنسان الكبرى: الضياع، الهوية، صراع الأجيال، الحب، الحزن، والموت.
وفي ثنائية (الحب والموت)، نجد قصائد مهيبة تعكس عمق التجربة الوجدانية للمرأة التارقية، كقصيدة رثاء زوجها التي تقول فيها:
“أنّــار اَفـردغ آڨَّـارْ سْ ڨَــوَي“
(المكان الذي كنسناه وغسلناه بالماء.. لم يعد فيه أحد، لقد خلا من الساكنين).
هذا النص ليس مجرد رثاء لشخص، بل هو رثاء “للمكان” الذي يفقد روحه برحيل ساكنيه، وهو تعبير عن الفراغ (أسوف) الذي يخلفه الموت في قلب الصحراء.
ثانياً: التحولات الوجودية والبحث عن “البراح“
انتقل الشعر التارقي من الرعوية التقليدية إلى ملامسة واقع “الضياع” والبحث عن الفضاءات المفتوحة (البراح). نجد هذا واضحاً في قصائد الشعراء المعاصرين الذين يعالجون قضايا الاغتراب، حيث تتحول القصيدة إلى صرخة في وجه التشرذم الذي يعانيه “التارقي” في عالم متغير.
تشير بعض النصوص إلى “تغريبات” التوارق الكبيرة، سواء في علاقتهم مع الجوار أو في نزوحهم المستمر. الشاعر هنا لا يكتفي بالوصف، بل يقدم رؤية نقدية لحال الإنسان، مبيناً أن النقص جزء من الطبيعة البشرية، ولو كان الإنسان كاملاً لما وجدت الصراعات، كما جاء في مناداته لأصحابه: “اعلموا أن الإنسان لم يُخلق كاملاً“.
ثالثاً: جغرافيا الروح وآفاق البحث
إن ثقافة إيموهاغ ممتدة عبر أربعة أقاليم جغرافية، لكنها منفتحة ومتحدة في العمق والوجدان. الجغرافيا هنا لا تفصل، بل تمتد بامتداد الأفق، والشعر هو الخيط الحريري الذي يربط بين “كل أهقار”، “كل آير”، و”كل أزواغ“.
وفي خاتمة وتطلعات هذا البحث حاولت أن اصل إلى أن هذا البحث في ثقافة إيموهاغ يحتاج إلى وقفات جادة وأيام دراسية شاملة تبتعد عن “الغرائبية” (Exoticism) وتغوص في الحقائق الإنسانية والاجتماعية. ميدان البحث في الشعر التارقي فسيح، وهو ينتظر الباحثين الجادين لاستنطاق كنوزه وكشف فلسفة البقاء في أصقاع “تينيري”.














