حتى البحر يا فاطمة… لم يعد كما كنا نعرفه

حتى البحر يا فاطمة… لم يعد كما كنا نعرفه

  • . رائد قديح

ذهبت إليه فرأيته متوتراً، يعض زرقته، ويكتم في جوفه نشيجاً مالحاً لا يقال.

اقتربتُ منه كمن يقترب من مرآةٍ لا تعكس إلا انكساره، وألقيتُ عليه وجعي دفعةً واحدة، كأنني أختبر عمقه بعمقي.

قلت له: خذني إليك قليلاً… فأنا مثقلٌ بأمةٍ لا تتكئ إلا على خيباتها.

قلتُ: اسمعني قبل أن أتفتت

ثم بدأت أتلي عليه آيات الوجع آية… آية.

هذه غزة… ليست مدينة، بل جملةٌ دامية لم تكتمل،

وهذا لبنان… يتقن السقوط كأنه طقسٌ يومي،

وهذه فلسطين… تمشي على حد الغياب وتلوّح لنا من داخل الحلم،

وهذا السودان… يكتب دمه على الرمل ثم ينساه الجميع،

وهذه ليبيا… تتنازعها الجهات حتى ضاعت جهتها،

وهذا اليمن… حين يجوع، يجوع التاريخ كله،

وهذا العراق… يحمل حضارته كندبة،

وهذه الصومال… تقف على حافة العالم، ولا أحد يمد لها اسماً.

ثم سكتُّ برهة، كأنني أتحسس جرحاً أكبر

وقلتُ: ونحن يا بحر؟ ماذا عنا؟

عن هذا التفتت الذي يشبهنا، عن هذا الشرخ الذي يسكننا، عن هذه العداوات الصغيرة التي كبرت حتى صارت أوطاناً داخل أوطان.

فاهتز، ليس غضباً… بل اشمئزازاً من مرآتنا فيه، وقال:

أنت لا تسألني أنت تؤجل اعترافك فقط؛

أيُّ أمةٍ هذه التي كلما جُرحت، اختلفت على شكل النزيف؟

أيُّ أمةٍ هذه التي تمشي إلى ماضيها كأنه خلاصها، وتترك حاضرها يتعفن على العتبة؟

ماذا تريد من جسدٍ يتنفس، لكنه لا يعيش؟

لم أُجب

لم يكن فيّ ما يُجيب.

شعرتُ أنني أصغر من هذا السؤال، وأن الكلمات التي ظننتها وطناً، ليست سوى ظلالٍ مرتجفة.

يا فاطمة

أدركتُ متأخراً أن العجز ليس أن لا نملك حلاً، بل أن نعتاد الوجع حتى لا نبحث عنه.

أدركتُ أنني حين جئتُ لأنظر للبحر،

كنتُ أهرب من سماع صوتي الحقيقي

ذلك الصوت الذي يعرف أننا لسنا ضحايا فقط، بل شهودٌ صامتون على انكسارنا.

آهٍ يا فاطمة

آهٍ ليست صرخة، بل بقايا صرخة،

آهٍ تتدلى من حنجرتي كنجمةٍ مطفأة،

آهٍ كلما حاولتُ لفظها، ابتلعتني.

نحن يا فاطمة

لا نغرق في البحر، نحن نغرق فينا.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :