حين يتحول الخوف الصامت إلى أزمة نفسية واجتماعية ” السحر والشعوذة، الآثار النفسية والاجتماعية للمسحورين “

حين يتحول الخوف الصامت إلى أزمة نفسية واجتماعية ” السحر والشعوذة، الآثار النفسية والاجتماعية للمسحورين “

تقرير : حليمة عيسى

رغم حضوره الدائم في أحاديث الناس وهمسات المجالس يظل السحر من أكثر القضايا المسكوت عنها في المجتمع

لا يُناقش علنًا ولا يُعترف به بسهولة وغالبًا ما يُحاصر بين إنكار مطلق يصفه بالوهم أو خوف مبالغ فيه يمنحه قوة مطلقة

وبين هذا وذاك تبقى القصص الحقيقية عالقة في منطقة رمادية يحكمها الصمت والخجل والخوف من الوصم الاجتماعي.

السحر لا يثير الرعب بفكرته فقط بل بما يخلّفه من آثار نفسية عميقة، خوف من مرض بلا تفسير من تغيّر مفاجئ في السلوك من تعطّل الحياة دون سبب واضح.

وفي كثير الحالات لا يكون الألم جسديًا فحسب بل نفسيًا واجتماعيًا حين يُفسّر كل فشل أو مرض أو خلاف على أنه نتيجة فعل خفي غير مرئي ولا يمكن مواجهته.

الأكثر قسوة في هذه القصص ليس السحر ذاته بل الشك الذي يتسلل إلى أقرب الدوائر

حين يتحول البيت من مساحة أمان إلى ساحة ريبة وحين يصبح القريب موضع اتهام أو يُسحب الأمان من العلاقات الأسرية، في تلك اللحظة يبدأ العزل النفسي حتى داخل الأسرة الواحدة.

زواج انتهى في دوامة الغموض.

سعاد اسم مستعار لامرأة وجدت نفسها معلّقة بين الطلاق والعودة إلى بيت الزوجية بعد تجربة زواج قصيرة انتهت باضطراب نفسي حاد، تقول إنها تعرّفت على أحمد صدفة وكان متزوجًا ويبحث عن زوجة ثانية بدأت العلاقة كصداقة ثم تحولت إلى حب واستمرت ثلاث سنوات قبل أن يعرض عليها الزواج.

تضيف بوجه خالٍ من التعابير أنها كانت تعرف كل تفاصيل حياته ورفضت في البداية لكنها وافقت تحت إلحاحه

تم الزواج بسرعة وبمنتهى السرية من جانبه خوفًا من أن تقوم زوجته الأولى بعمل سحر له.

لم أكن أؤمن بالسحر وكنت أراه مجرد تخاريف أو خوف مبالغ فيه تقول سعاد.

عاشت معه أربعة أشهر تصفها بأنها كانت في قمة السعادة كوّنت علاقات اجتماعية سريعة وسعت للتقارب مع زوجته الأولى بل وشجعت أحمد على مصالحتها حفاظًا على استقراره النفسي.

وبالفعل تم الصلح وكانت سعاد ترى فيه خطوة إيجابية للجميع

لكن بعد ثلاثة أشهر فقط من عودته إلى زوجته الأولى انقلب كل شيء.

عدنا من التسوق ولا أذكر ما حدث بعد ذلك، تقول استيقظت بعد أسبوع في بيت أهلها ليخبروها أنها كانت تصرخ طوال الليل وتحاول إيذاء نفسها وأن أحمد أعادها بصعوبة

خضعت للرقية لمدة شهر لكن حالتها ساءت، دخلت في نوبات اكتئاب وبكاء حاد وأصبحت تشعر بالخوف والقلق كلما رأت زوجها.

لم أعد متزنة نفسيًا ولا أريد إكمال الزواج، أُفضل البقاء هكذا على أن أفقد عقلي تقول مؤكدة أن التجربة غيّرتها إلى الأبد.

انتصار وسحر الجنون.

انتصار امرأة مطلقة تبلغ من العمر ثلاثين عامًا تؤكد أن طلاقها لم يكن بسبب السحر بل نتيجة عدم التفاهم غير أن قصتها مع ما سُمّي لاحقًا بسحر الجنون بدأت في يوم عادي داخل مقر عملها حين تعرضت لدوخة مفاجئة نُقلت على إثرها إلى المستشفى.

جميع الفحوصات الطبية كانت سليمة دون أي تفسير لحالتها

خرجت من المستشفى غير قادرة على المشي دون مساعدة وأخبرها أحد أقاربها لاحقًا أن عينيها كانتا مقلوبتين ولا يظهر منهما سوى البياض، في المساء فقدت الوعي مجددًا داخل المنزل ومع غياب أي تشخيص طبي لجأ أهلها إلى الرقية

تقول إن صوتًا غريبًا خرج منها مطالبًا بإيقاف القرآن قبل أن تتدهور حالتها أكثر وتدخل في نوبات صراخ وإغماء متكرر

تنقلت بين شيوخ ومعالجين وفقدت الوعي أيامًا متتالية

وفي اليوم الثامن استفرغت شعرًا كثيفًا وطويلًا وفي اليوم التاسع استعادت وعيها.

أُبلغت لاحقًا أن ما كانت تعانيه هو سحر الجنون الأسود معمول به بقصد الانتحار.

لاحقًا شاهدت اسمها ضمن قائمة لأشخاص مسحورين نشرتها لجنة مختصة بتنظيف المقابر وأُبلغت بالعثور على شهادة ميلادها داخل مقبرة.

تشير انتصار إلى أن المعرفة لم تُنهِ الألم لكنها عمّقت خوفها وفقدانها للثقة بالناس رغم محاولاتها المتكررة للتعافي.

أمٌّ من سرت تفقد ابنتها.

بصوت مكسور تحكي أم من مدينة سرت قصة ابنتها التي رحلت بعد صراع غامض مع المرض.

تقول إن ابنتها كانت تتعب بشدة كلما تواجدت داخل المنزل وتُشخّص بحالات صحية خطيرة إلى أن قيل إنها مصابة بورم.

خرجت الأسرة من المنزل لفترة وتحسنت حالتها بشكل لافت

وبعد العثور على ما قيل إنه عمل سحر داخل البيت والتخلص منه شُفيت الطفلة تمامًا.

ظننا أن الأمر انتهى تقول الأم

لكن العودة إلى المنزل كانت بداية النهاية، عاد المرض بشكل أسرع وأقسى ولم تمهل الحالة وقتًا للعلاج.

فات الأوان تقول الأم ولو لم نرجع لذلك البيت ربما كانت ابنتي اليوم على قيد الحياة.

صورة في المقبرة وحقيقة ظهرت بعد فوات الأوان.

أم أخرى تحكي قصتها بعد فقدان ابنها منتحرًا شنقًا

لم تكن الصدمة في الموت فقط بل فيما اكتشفته لاحقًا

بعد الوفاة أُبلغت من لجنة مختصة بتنظيف المقابر بالعثور على صورة ابنها مدفونة داخل إحدى المقابر.

تشير الأم إلى أنها أدركت أن ابنها لم يمت فقط بل كان ضحية، لكن المعرفة جاءت متأخرة ولم تغيّر شيئًا سوى مضاعفة الألم.

منزل يشتعل في الموعد نفسه.

سيدة أخرى تروي تجربة مختلفة تقول إن منزلهم يتعرض للاحتراق كل عام في الموعد ذاته. دخان كثيف نار تشتعل فجأة دون سبب واضح

محاولات التفسير فشلت وقيل للأسرة إن ما يحدث عمل سحر متجدد لا يمكن فكه.

تحولت الحياة إلى انتظار دائم وخوف موسمي يتكرر بلا إجابة.

السحر من الأقارب، حين يأتي الأذى من المعارف.

إحدى السيدات رفضت ذكر اسمها  تؤكد أن السحر لا يأتي من الغريب، و توضح أن الغريب لا غرض له بينما الأذى غالبًا يأتي من قريب أو معرفة.

تضيف أن الأشخاص يعرفون التفاصيل ونقاط الضعف وأماكن الدخول.

تصف تجربتها بأنها كسرت ثقتها بالمحيطين بها وتركت أثرًا نفسيًا لم يلتئم.

طفلة تتغير بلا تفسير.

تحكي أمٌّ ليبية من الجنوب قصة ابنتها التي لم تتجاوز العاشرة

بدأت التغيرات تدريجيًا، خوف مفاجئ، اضطرابات في النوم وبكاء بلا سبب.

ظهرت أعراض جسدية مقلقة وفشلت الفحوصات الطبية في تقديم تفسير، عانت الطفلة من تشنجات،و فقدان وعي وترديد عبارات غير مفهومة.

بعد أشهر عُثر على مواد مدفونة داخل المنزل، تحسنت حالة الطفلة بعد إزالتها لكن الإحساس بالأمان لم يعد كما كان.

تشير الأم إلى أن ما مرّت به لم يكن مجرد ألم صحي بل خوف دائم من المجهول.

حياة محاصرة بالريبة.

عمر شاب من براك الشاطئ يروي  تجربته قائلًا إنه لم يعد يثق في أحد منذ سنوات

يقول إنه لا يأكل إلا من يد أمه أو أخته ويرفض أي طعام من خارج المنزل أو من الأقارب، خوفًا من أن يكون ممسوسا بعمل.

لم يعد يزور الأصدقاء ولا يشارك في المناسبات الاجتماعية ويعيش في حالة ترقّب دائم.

يؤكد أن عقله لا يتوقف عن التحليل والشك وأنه فقد القدرة على الشعور بالطمأنينة حتى داخل بيته، بعد تجربته في السحر ورحلة علاجه الطويلة التي كلفته سنوات.

السحر في ميزان الشريعة إفساد للعقيدة وتهديد للمجتمع.

يؤكد الشيخ عاطف الغول أن السحر ليس مجرد ممارسة خاطئة بل هو من أعظم أبواب الإفساد التي اتفق العلماء على تحريمها وتشديد الخناق عليها.

يوضح أن السحر كفر بالله تعالى إذا كان متضمّنًا للاستعانة بالشياطين أو التقرب إليهم أو صرف العبادات عن الله.

ويشير إلى أن الساحر من أخطر الناس على المجتمع لأنه يفسد العقائد ويخرب البيوت ويعتدي على النفوس ويستغل الضعفاء ويهدم الثقة بين الناس.

ويضيف أن السكوت عن هذه الممارسات يمنح السحرة مساحة لإيذاء الناس ويهدد العقيدة والأمن والاستقرار.

السحر من ممارسة فردية إلى أزمة مجتمعية.

قالت الأستاذة بقسم علم النفس وعضو هيئة التدريس بكلية الآداب جامعة سبها أ. مبروكة عطية إن التفسير النفسي لمفهوم السحر يرتبط بمحاولة الإنسان السيطرة على البشر والحيوانات، مشيرة إلى أن الشعوذة تمثل مجموعة من الممارسات النفسية المبتذلة التي تستهدف عمق الإنسان، حيث يتعامل المشعوذ مع ما يُسمى بالروح كما لو كانت كائنًا حيًا خطيرًا، عبر استمالته وترويضه بغرض التحكم فيه.

وأوضحت عطية أن علم النفس ينظر إلى السحر باعتباره الجذر السيكولوجي الذي يعزز بقاء بعض الخرافات في المجتمعات حتى اليوم، مؤكدة أن هذه المعتقدات تمتد جذورها إلى تفسيرات بدائية للظواهر الطبيعية، حيث لا يهتم البعض بالتمييز بين العلمي والخرافي، طالما أن هذه الخرافات تمنحهم شعورًا بالرضا عن الذات، وإحساسًا بالسيطرة على الأشخاص والمجهول والمستقبل.

وضربت مثالًا بما كان يعتقده الإنسان في الحضارات القديمة، حين كان يُفسر العواصف والصواعق على أنها صراعات بين الآلهة والشياطين، معتبرة أن ما يهم أصحاب هذه المعتقدات ليس الحقيقة العلمية، بل الإحساس النفسي الذي يوفره هذا التفسير.

وبشأن العلاج، فرّقت عطية بين الحالات المرضية، موضحة أن الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم تحتاج إلى علاج طبي دوائي، بينما بعض الاضطرابات النفسية قد تستفيد من الرقية الشرعية، خاصة لدى الأشخاص المؤمنين بجدواها، حيث يسهم القرآن في طمأنتهم وتهدئة حالتهم النفسية.

وأضافت أن مرضى الاضطراب التفارقي قد تتحسن حالتهم بالرقية في بعض الحالات، فيما قد تتدهور حالات أخرى، وهو ما ينطبق كذلك على مرضى الاضطراب التحولي، مؤكدة أن الخطر يكمن في تعميم الرقية كحل وحيد، إذ أن بعض الحالات النفسية الخطيرة مثل الفصام تحتاج إلى تدخل طبي عاجل، وتأخير العلاج بدافع الاعتقاد بالسحر يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للمريض.

وأكدت عطية أنها لا تنفي وجود السحر أو الجن، باعتبارهما مذكوران في القرآن الكريم والسنة النبوية، لكنها شددت على أن عددًا كبيرًا من المرضى النفسيين يفسرون معاناتهم على أنها سحر أو مس، ما يحرمهم من فرص العلاج المبكر، ويُفاقم أوضاعهم النفسية والاجتماعية.

القانون في مواجهة السحر.

تؤكد المحامية سلمى عثمان أن القانون الجديد خطوة مهمة لحماية المجتمع من ممارسات السحر والشعوذة.

وتوضح أن العقوبات الرادعة تساهم في قطع الطريق على كل من يحاول الإضرار بالآخرين عبر هذه الممارسات.

وتشير إلى أن التوعية المجتمعية موازية لتطبيق القانون لضمان فهم الناس لمخاطر هذه الأفعال.

قانون تجريم السحر .

ويشار إلى أن مجلس النواب الليبي أصدر القانون رقم 6 لسنة 2024 بشأن تجريم السحر والشعوذة والكهانة وما في حكمها.

ويبدأ سريان العقوبات من 3 سنوات إلى حكم الإعدام على من تثبت عليه التهمة.

جريمة مسكوت عنها تهدم الأسرة وتغذي الخوف والعداوات.

أكدت أستاذة علم الاجتماع الجنائي ومدير مكتب الدراسات العليا بكلية الآداب جامعة سبها الدكتورة مبروكة فراوي أن ظاهرة السحر والشعوذة تمثل جريمة اجتماعية خطيرة يعاني منها المجتمع لما تسببه من تدمير للبيت والأسرة، مشيرة إلى أنها من الملفات الشائكة المسكوت عنها والتي تستوجب إعادة فتحها والاشتباك معها بجدية لمواجهة تداعياتها السلبية على النسيج الاجتماعي.

وأوضحت فراوي أن بعض القنوات الفضائية تسهم في تكريس هذه الظاهرة من خلال الترويج لإعلانات تتعلق بالسحر وجلب السعادة واستحضار المتوفى وغيرها من الخرافات، إضافة إلى استضافة الدجالين والمشعوذين بهدف جذب المشاهدين أو تحقيق أرباح مالية، مؤكدة أن هذه الممارسات تمثل تجارة رابحة على حساب خداع البسطاء وتدمير وعي المجتمع، لافتة إلى انتشار مقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأشخاص يزعمون استخراج ما يسمى بالأعمال السحرية، الأمر الذي يلحق أذى نفسيًا واجتماعيًا بالضحايا، باعتبار أن السحر عمل شيطاني يتعارض مع الأخلاق وقيم وتقاليد المجتمع والنظام العام، فضلًا عن الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي يتحملها المجتمع نتيجة الإنفاق على هذه الممارسات.

وأشارت إلى أن ظاهرة السحر والشعوذة ليست وليدة اليوم بل تمتد جذورها إلى عصور قديمة، إلا أن التعامل معها ظل محدودًا ولم يُواجه بالشكل الكافي، كما ظل القانون لفترة طويلة غافلًا عن معالجتها بصورة رادعة.

وأرجعت فراوي أسباب انتشار السحر والشعوذة إلى ضعف الإيمان والجهل بأحكام الشريعة وسذاجة بعض الأفراد وعدم وعيهم بحقيقة السحرة والمشعوذين، إلى جانب ضعف دور الأئمة والعلماء والمفكرين وأهل التربية، إضافة إلى طغيان النزعة المادية التي أفرزت قسوة في القلوب وعقدًا نفسية ومشكلات وهمية دفعت البعض إلى اللجوء لهذه الأساليب.

وبيّنت أن للسحر آثارًا مباشرة على العلاقات الاجتماعية إذ يسهم في خلق العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع، حيث قد يدفع فقدان الاتزان بعض الخصوم إلى الانتقام عبر اللجوء للسحرة والكهنة بقصد الإضرار بالآخرين، وفي المقابل قد يكتشف الضحية هوية من قام بسحره مما يفتح باب الانتقام المتبادل، وهو ما يؤدي إلى تصعيد الصراعات وتفكك العلاقات الاجتماعية.

وأضافت أن تأثير السحر يمتد إلى داخل الأسرة الواحدة، حيث يعاني أبناء المسحور أو المسحورة من مشاعر الكآبة والاضطراب نتيجة التغير المفاجئ في حياتهم، فضلًا عن نظرات المجتمع القاسية والهمز واللمز الذي يزيد من معاناة الضحية نفسيًا واجتماعيًا.

بين الحقيقة والوهم يبقى السحر والشعوذة في منطقة رمادية لا يمكن حسمها بسهولة، لكن المؤكد أن أثرها النفسي والاجتماعي واقع لا يُنكر يهدم الطمأنينة ويفكك العلاقات ويزرع الخوف داخل أكثر المساحات أمانًا. فحين يُترك هذا العالم السفلي بلا وعي ولا مواجهة يتحول إلى أداة للإفساد واستغلال الضعفاء سواء كان قائمًا على فعل حقيقي أو اعتقاد مدمر لذلك كسر الصمت لم يعد ترفا بل ضرورة لحماية الإنسان من الخوف قبل الخرافة ومن الوهم حين يصبح أقوى من الحقيقة.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :