خاص تونس | متابعة وتصوير نيفين الهوني
ضمن تظاهرة الخروج إلى المسرح التي نظمها مسرح أوبرا تونس في مدينة الثقافة في دورتها السابعة من 25 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر 2026 وهي التظاهرة التي جمعت عددا من التجارب المسرحية التونسية في فضاء واحد وفتحت المجال أمام الجمهور لمعاينة اختلاف المقاربات والرؤى التي تقترحها الخشبة التونسية اليوم جاء عرض سراب في هذا السياق اخراج حافظ خليفة ونص فوزية ضيف الله وإنتاج شركة فن الضفتين بقبلي لتقدم نفسها حكاية صحراوية في رحلة داخل فضاء يبدو كذلك جغرافيا لكنه سرعان ما يتحول إلى حالة نفسية ووجودية ومنذ اللحظات الأولى يبدو أن الصحراء في سراب ليست خلفية للأحداث بل هي أحد أبطال العرض وربما أكثرهم حضورا فهي المكان الذي تسقط فيه الحدود المعتادة بين الإنسان وما يحيط به وهي أيضا المكان الذي يفقد فيه الإنسان كثيرا من وسائل الحماية التي تمنحه إياها الحياة خارج الصحراء

فثلاث نساء ماتيا وتانيري وسيليا يجدن أنفسهن في هذا الفضاء بعد أن حملت كل واحدة منهن أسبابها الخاصة للهروب والنجاة ويجمعهن التيه أكثر مما تجمعهن الحكاية فهن لا يأتين إلى الصحراء بحثا عن مغامرة وإنما يحملن إليها أثقالا تركنها خلفهن أو حاولن تركها لكن الماضي لا يترك الإنسان بسهولة وهنا تبدأ سراب في تفكيك فكرة الهروب نفسها فالإنسان قد يهرب من المكان لكنه لا يهرب بالضرورة من الذاكرة وقد يغادر سلطة الجماعة لكنه يحمل آثارها في جسده وخوفه ولغته وصمته ولذلك تصبح الصحراء أشبه بمختبر تكشف فيه الشخصيات حقيقتها حين تتراجع كل الأقنعة ووجود مصباح في هذا العالم يزيد المعنى تعقيدا فهو رجل عاش طويلا في الصحراء وجندي سابق وخبير في تفكيك الألغام لكنه يبدو في العمق مثل شخص يحاول تفكيك ألغام أخرى أكثر خطورة تلك التي يتركها الإنسان في الإنسان واللغم هنا ليس بالضرورة جسما مدفونا تحت الرمل قد يكون فكرة أو خوفا أو ذاكرة أو سلطة أو عادة أو جرحا قديما

ولذلك تبدو وظيفة مصباح وكأنها تتجاوز مهنته فهو يعيش بين ألغام المكان وألغام الذاكرة وبين ما يمكن اكتشافه وما ينبغي أن يظل مخفيا وكلما تقدمت الحكاية تتضح العلاقة بين الصحراء والتيه فالصحراء لا تقدم أجوبة جاهزة بل تسحب من الشخصيات يقينها وتضعها أمام أسئلتها الأولى من أنا وماذا أريد وماذا بقي مني بعد أن سقطت السلطة التي كانت تحاصرني وهنا في هذا المعنى يمكن النظر إلى عنوان العرض سراب بأكثر من معنى فالسراب هو الشيء الذي يبدو قريبا حين يكون بعيدا وهو الوعد أو الحلم الذي يلمع أمام الظمآن ثم يختفي وهو أيضا صورة للحياة حين نطارد ما نظنه خلاصا ونكتشف أن الخلاص نفسه ربما يكون وهما وهنا العرض لا يكتفي بالقول إن الإنسان تائه بل يجعل التيه لغة ركحية وخصوصا مع تجسيد الفنان كمال زهيو الجسد هنا عند طاقع يتقدم على الكلام والحركة هي وسيلة لمعرفة ما تعجز الشخصيات عن قوله خصوصا في حضوره الذي يبدو أقرب إلى كائن خرج من الصحراء نفسها منه إلى شخصية تنتمي إلى العالم البشري المعتاد طاقع أو كمال لم يحتج خلال العرض إلى خطاب لكي يكون حاضرا فالجسد الذي يتحرك بطريقة مختلفة عن الآخرين كان كافيا ليضعنا أمام سؤال الإنسان الأول قبل أن تصنعه وتؤطره اللغة والقوانين والعادات ومن هنا تكتسب الصحراء بعدا آخر فهي ليست فقط فضاء قاسيا بل فضاء يحتفظ بشيء من البراءة الأولى الفطرة الأولى النقاء الأول

حيث يبدو طاقع وكأنه بقايا إنسان لم تلوثه منظومات العالم الذي جاء الآخرون منه أما النساء الثلاث فيحملن على أجسادهن تاريخا آخر تاريخ الإنسان الذي حاول أن يفرض على الجسد قوانينه الخاصة ولذلك تصبح حكاياتهن عن الهروب حكايات عن استعادة الجسد قبل أن يكون ملكا للجماعة وقبل أن يتحول إلى مساحة للتأديب والسيطرة – وعلى الرغم من اختلافي مع الموضوع في جزئية جد خطيرة وهي الجزئية التي أراها أنا تتعارض مع الدين وهي أن الحب يتيح لي فعل ما أشاء دون حساب وإن كان الحساب في نهاية العرض كان بالموت الذي هربت منه البطلة الأولى طوال العرض لكنه جاءها من الله وعلى يد أشياء اخرى غير التي توقعت – قد لا يعجب البعض بهذه الجملة الاعتراضية لكنني لا يمكنني الكتابة بمعزل عن منظومة الدين والأخلاق ..ونعود للعرض ونقول هنا يبرز البعد النسوي في العرض فالمرأة في سراب لا تظهر باعتبارها ضحية وحسب وإنما باعتبارها ذاتا تحاول أن تستعيد حقها في تعريف نفسها وهذا ما يجعل بعض المشاهد أكثر قوة من الكلام النظري عنها لأن الجسد نفسه يصبح وثيقة فالصمت والنظرة والانكماش والحركة والابتعاد والاقتراب كلها تقول ما لا تقوله الشخصيات صراحة

وهذا لا ينفي أن العرض أصابني بالملل أحيانا فقيه أطالة في بعض الأماكن وفيه مباشرة في طرح المواضيع والمشكلات الآنية ومحاولة توجيه فكر وعقل واحساس الجمهور لزمن سيء في تاريخ تونس آبان السنوات الأكثر سوادا حتى على ليبيا وما فعله المتأسلمون بنا .أما الإضاءة في تكوين لغة العرض لم تكن عنصر تقني فاعل وإنما تداخلت في صناعة المعنى حين عزلت شخصيات و كشفت جزءا من الفضاء و جعلت الجسد وحيدا أمام الظلام في مواضع عدة فأصبح الضوء في بعض اللحظات أشبه بذاكرة مؤقتة تظهر فيها الشخصية ثم تعود إلى العتمة وكأن ما نراه ليس حياة كاملة وإنما شظايا من حيوات مكسورة فينا عبرهم ..
فيما يخص الموسيقى وأصوات الريح والصمت ساهمت في جعل الصحراء حاضرة حتى عندما لا تتحدث فالصمت في سراب ليس فراغا وإنما مساحة تنتظر أن يحدث فيها شيء أو أن تنكشف فيها ذاكرة جديدة ومن هنا يمكن أن نفهم أن حضور المخيال الصحراوي في العرض يتجاوز الجغرافيا المباشرة فالصحراء في سراب ليست صحراء تونس وحدها ولا مجرد فضاء جغرافي محدد وإنما تستدعي ذلك العالم الصحراوي الأوسع الذي امتد في الكتابة العربية الحديثة إلى عوالم الطوارق وأساطيرهم وطقوسهم ونواميسهم ولعل أقرب ما يستدعيه العرض هنا هو عالم الروائي الليبي إبراهيم الكوني الذي جعل من الصحراء عالما قائما بذاته لا مجرد مكان تجري فيه الحكاية ..فقد أصبحت الصحراء في رواياته كائنا حيا له قوانينه وذاكرته وأسراره وصارت شخصياته تتحرك داخل منظومة من المعتقدات والطقوس والعلاقات التي تتجاوز الواقع المباشر نحو الأسطورة والتصوف والميتافيزيقا فالصحراء لديه تستدعي في الذاكرة الأدبية العربية صور التيه والرحيل والموت والحياة والبحث عن الماء وهو ما يظهر بوضوح في روايات مثل نزيف الحجر والتبر والمجوس والسحرة وخريف الدرويش حيث يتجاور الإنسان والحيوان والطبيعة والجن والأسطورة داخل عالم صحراوي واحد وفي سراب يبدو هذا التقاطع أكثر تحديدا من مجرد استحضار للصحراء فقط فالشخصيات النسائية الثلاث وما تحمله كل واحدة منها من حكاية عن القهر والهروب والجسد تستدعي في خلفيتها صورة المرأة داخل المجتمع الصحراوي الذي اشتغل عليه الكوني حيث لا ينفصل الجسد عن الجماعة ولا الحرية الفردية عن منظومة النواميس والعادات والمعتقدات كما أن شخصية مصباح بما تحمله من عزلة وبحث وفقدان تقترب في بعض ملامحها من ذلك النموذج الإنساني الذي يقدمه الكوني لشخصية الرجل التائه في الصحراء الباحث عن معنى يتجاوز الحياة اليومية أما طاقع فيبدو أقرب إلى الكائن البدائي الذي لم تنقطع صلته بالطبيعة وهي سمة أساسية في المخيال الكوني حيث لا تكون الحدود بين الإنسان والحيوان والطبيعة ثابتة دائما
ويصبح التناص أكثر إثارة حين يصل العرض إلى الجسد الأنثوي وما يتصل به من طقوس العنف والختان ففي المشهد الذي تتحدث فيه إحدى الشخصيات عن هربها من تشويه جسدها بالختان فنغادر الواقع التونسي المباشر إلى فضاء ثقافي صحراوي آخر فختان الإناث ليس من العادات التاريخية المعروفة في المجتمع التونسي ولا الليبي أيضا ولكن حضوره في سراب لا يبدو إحالة إلى واقع اجتماعي تونسي بقدر ما يبدو استدعاء لعالم الطوارق والصحراء الكبرى كما تخيله الكوني في رواياته حيث تحضر الطقوس والعادات والنواميس بوصفها جزءا من البنية العميقة للمجتمع الصحراوي وهنا تصبح المثاقفة في سراب لافتة لأنها لا تنقل الصحراء الليبية ولا التونسية إلى الخشبة التونسية نقلا حرفيا وإنما تستعير منها مخيالا وتعيد تشكيله داخل تجربة مسرحية تونسية تسقط واقعها على تاريخها وجزء مهما من تراثها الجغرافي والاجتماعي والتاريخي فالكوني نفسه لا يكتب عن حدود ليبيا السياسية الضيقة بقدر ما يستحضر مجالا صحراويا طوارقيا واسعا يمتد عبر جنوب ليبيا والجزائر وشمال مالي والنيجر ولذلك فإن استدعاء هذا العالم في سراب يفتح العرض على جغرافيا ثقافية تتجاوز فيها الدكتورة الحدود الوطنية وتمنح الصحراء معنى أوسع من المكان ومن هذه الزاوية يمكن قراءة سراب باعتبارها حوارا مع الكوني وتناغما مع العالم الصحراوي المشترك في عالم الطوارق أكثر منها اقتباسا منه فالعرض يأخذ بعض مفردات عالمه الصحراء والناموس والطقس والجسد والكائن البدائي والتيه والبحث عن الخلاص ثم يعيد توزيعها على خشبة تونسية معاصرة ويمنحها دلالة جديدة تتصل خصوصا بقضية المرأة والجسد والهروب من سلطة الجماعة
وربما هذا ما جعل حضور الكوني في سراب محسوسا لدي ولدى كل من قرأ للكوني حتى عندما لا يذكر اسمه فبعض الصور والمشاهد والشخصيات تبدو وكأنها خرجت من ذلك المخيال الصحراوي الذي بناه الروائي عبر عقود من الكتابة غير أن المسرح هنا لا يكرر الرواية وإنما يحول عالمها من اللغة إلى الجسد ومن السرد إلى المشهد ومن الصحراء المكتوبة إلى صحراء تتحرك وتتكلم وتصمت فوق الخشبة
وإذا كان من الممكن استحضار الكوني أثناء مشاهدة سراب فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن العرض يقدم اقتباسا مباشرا من عالمه وإنما لأن هناك تقاطعا في طريقة النظر إلى الصحراء بوصفها فضاء روحيا تتراجع فيه مركزية الإنسان وتظهر الطبيعة كقوة لا يمكن السيطرة عليها بسهولة

لكن عرض سراب لا يبقى أسير هذا المخيال فهو يعيده إلى أسئلة معاصرة تتعلق بالمرأة والعنف والاختيار والاقتلاع والبحث عن الذات وهنا تكمن قيمة العرض في أنه لا يقدم الصحراء باعتبارها صورة سياحية ولا باعتبارها ديكورا غريبا وإنما يجعلها مرآة تكشف الإنسان حين يصبح وحيدا أمام نفسه فلا يبدو أن الشخصيات تبحث عن طريق للخروج من الصحراء فقط بل تبحث عن معنى للخروج من حياتها السابقة وهذا هو جوهر السراب في العرض أن ما نعتقد أنه طريق للنجاة قد يكون بداية رحلة أخرى وأن ما نظنه ضياعا قد يكون أحيانا الطريق الوحيد لاكتشاف الذات سراب عرض يترك للمتفرج مساحة كي يعيد تركيب ما شاهده بدل أن يقدم له معنى واحدا جاهزا وربما لذاا تظل الصحراء بعد نهاية العرض حاضرة في الذاكرة ليس لأنها كانت مكانا للأحداث
بل لأنها بداية الإنسان وهي في لحظة ما مثل داخل الإنسان نفسه فضاء واسعا ومخيفا ومفتوحا على كل الاحتمالات
وفي ذلك تكمن المفارقة الجميلة في سراب كلما حاول الإنسان أن يجد طريقه خارج التيه اكتشف أن التيه الحقيقي كان يسكنه منذ البداية هناك العديد من النقاط يستحق العرض أن نقف عندها لكنني سأكتفي بذلك .. عرض سراب إخراج المخرج حافظ خليفة وهو أيضا صاحب الرؤية السينوغرافية والإخراجية تأليف الكاتبة هو فوزية ضيف الله
تمثيل جلال الدين السعدي في دور مصباح والفنانة الجميلة جميلة كامارا في دور ماتيا والواعدتين نزهة حسني في دور تانيري وخلود المونة في دور سيليا والتيه الراقص كمال زهيو في دور طاقع..














