فرض الضرائب على السلع والدولار ، هل يتحمّل المواطن صدمة جديدة؟

فرض الضرائب على السلع والدولار ، هل يتحمّل المواطن صدمة جديدة؟

تقرير : بية خويطر

ضريبة الدولار عبء جديد على اقتصاد مُنهك

امراجع غيث: التلاعب بسعر الصرف لتعويض الضرائب يضر بالاستقرار المالي ويغذي التضخم ويضرب التعاقدات التجارية.

نجم أوحيدة : ضريبة الدولار ليست إصلاحا اقتصاديا، بل أداة مالية ظرفية.

عمر أبو سعدة : فرض الضريبة على العملات الأجنبية سيقع عبؤه الاقتصادي بالكامل على المواطن منذ اللحظة الأولى.

  في بلد تتكرر فيه الأزمات بوتيرة مقلقة، ويستنزف فيه دخل المواطن أمام موجات غلاء لا تتوقف، عاد ملف الضرائب ليشعل الشارع الليبي من جديد،  فبين حديث عن فرض ضريبة على شراء الدولار، وضرائب على السلع الأساسية وغير الأساسية، يجد المواطن نفسه مرة أخرى في مواجهة قرارات تمس قوته اليومي، في وقت تغيب فيه الحلول الجذرية، وتتوارى فيه المحاسبة خلف أرقام ومراسلات متضاربة.

الضرائب التي تُعد في الدول المستقرة أداة لإعادة توزيع الثروة وتحسين الخدمات تُطرح في ليبيا في سياق مختلف تماما حيث تعاني البلاد من اختلالات هيكلية عميقة وهدر في المال العام وتهريب منظم للعملة والسلع دون أن يشعر المواطن بأي تحسن يوازي ما يُطلب منه تحمّله.

لم تمر قرارات الضرائب مرورا عاديا بل تحولت فور إعلانها إلى صدمة اقتصادية واجتماعية فتحت مخاوف حقيقية من موجة غلاء جديدة، خصوصا وأن السوق الليبي سريع التأثر بأي إجراء مالي وغالبًا ما تُنقل كلفة القرار مباشرة إلى المواطن دون أي عازل اجتماعي و قبل حتى تنفيده .

مراسلة تشعل الجدل ونفي لا يبدد المخاوف

الجدل تفجر عقب تداول مراسلة منسوبة إلى لجنة الاقتصاد والتجارة بمجلس النواب تفيد باعتماد ضريبة بنسبة 15% على شراء الدولار للأغراض الشخصية، وفرض ضرائب تتراوح بين 2% و7% على استيراد المواد الغذائية الأساسية والمواد الخام، مع فرض نسب أعلى تصل إلى 35% على السلع غير الأساسية.

مقترح قُوبل برفض واسع وتساؤلات مشروعة حول توقيته وآثاره ومدى قانونيته.

في المقابل، أعلن 85 نائبًا أن ما جرى تداوله ليس قرارًا رسميًا نافذًا وإنما مجرد مشروع قدم  للنقاش ولم يصدر عن رئاسة المجلس مؤكدين أن المراسلة الصادرة عن لجنة الاقتصاد غير ملزمة ولا تمثل قرارًا تشريعيًا ومحمّلين محافظ مصرف ليبيا المركزي كامل المسؤولية القانونية عن أي إجراء يُتخذ استنادًا إليها.

غير أن هذا النفي لم يبدد المخاوف بل زاد من حالة الارتباك وفقدان الثقة  خاصة في ظل تجارب سابقة انعكست فورا على الأسعار ومعيشة المواطن.

غياب الإصلاح الشامل وهروب من جوهر الأزمة

عضو مجلس الدولة الاستشاري سعد بن شرادة اعتبر أن فرض الضرائب دون حزمة إصلاح متكاملة يمثل هروبا من جوهر الأزمة مؤكدا أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق عبر إجراءات معزولة أو قرارات منفردة ، وشدد على أن أي ضريبة لا يسبقها وقف حقيقي للتهريب وضبط للإنفاق الحكومي ومحاربة للهدر، لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الاجتماعية ، وأضاف أن الدولة الليبية تعتمد كليا على اقتصاد ريعي نفطي وأن الإنفاق الحكومي تجاوز الإيرادات بشكل مخيف محذرا من أن تحميل المواطن أعباء إضافية في هذا التوقيت سيؤدي إلى نتائج كارثية.

ضرائب بلا خدمات والمواطن يدفع الثمن

من جهته رأى الكاتب والمحلل عبدالسلام أبوغالية أن الضرائب والرسوم التي يجري الحديث عنها لن يقابلها أي تحسّن فعلي في الخدمات.

مشيرا إلى أن الواقع الليبي لا يوحي بقدرة الدولة على تحويل الإيرادات الضريبية إلى خدمات ملموسة ، وأكد أن التاجر سيحمّل الضريبة مباشرة على سعر السلعة ما يعني أن المواطن هو من سيدفع الثمن كاملًا وذهب أبو غالية إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن التوسع في فرض الضرائب والرسوم يشبه قرارا غير معلن بتفريغ ليبيا من مواطنيها عبر دفعهم إلى الهجرة في ظل انسداد الأفق الاقتصادي.

قرارات بلا شرعية

الناشط السياسي حسام القماطي وصف ما يجري بأنه فضيحة اقتصادية بكل المقاييس، مؤكدا أن ما يسمى بضريبة الاستهلاك لم تمر بقانون ولا بجلسة رسمية ذات صفة تشريعية وإنما طرحت في جلسات تشاورية لا تملك أي شرعية قانونية ، واعتبر أن تحميل المواطن هذه الأعباء يمثل عقابا جماعيا لشعب منهك، محمّلا رئاسة مجلس النواب المسؤولية السياسية الكاملة عن هذا المسار ومستنكرا صمت بقية الأجسام السياسية عن قرارات تمس حياة الليبيين بشكل مباشر.

الضرائب لا تضر  إذا جاءت برؤية الإصلاح

في المقابل قدم الدكتور مبروك أبوعميد رؤية مغايرة معتبرا أن فرض ضرائب على السلع غير الأساسية لا يضر بالمواطن إذا جاء ضمن رؤية إصلاح شاملة ، ودعا إلى فرض ضريبة دخل تصاعدية وفرض ضرائب على العمالة الوافدة وتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب العملة والسلع، مؤكدا أن المشكلة ليست في الضريبة بحد ذاتها بل في غياب العدالة والشفافية وتكافؤ الأعباء

تحذير مصرفي من العبث بسعر الصرف.

عضو إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق امراجع غيث حذّر من أن التلاعب بسعر الصرف لتعويض إلغاء أو دمج الضرائب يمثل خطرا حقيقيا على الاستقرار المالي

 مشيرا إلى أن عدم استقرار السعر الرسمي يضر بالتعاقدات التجارية ويغذي التضخم ، وأكد أن الدور الحقيقي للمصرف المركزي يجب أن يتركز على الرقابة المصرفية وضمان الاستقرار المالي لا إدارة الأزمات بردود أفعال قصيرة المدى.

لا نرفض الإصلاح لكن نرفض دفع الفاتورة وحدنا

أما رأي الشارع فقد عبّر المواطن الشريف أحمد  عن قلق واسع من موجة غلاء جديدة وأكد أن أي ضريبة على الدولار تعني تلقائيا ارتفاع أسعار كل شيء في ظل رواتب ثابتة وقدرة شرائية تتآكل يوما بعد يوم .

وقال إن الشارع الليبي لا يرفض الإصلاح لكنه يرفض أن يكون الإصلاح دائما على حساب المواطن وحده دون أن يلمس تحسنا في الخدمات أو محاسبة حقيقية للفاسدين.

أزمات مفتعلة وتمهيد لرفع الدعم.

وفي رأي المواطن “ منصور نوح  “ فإن الموضوع لم يعد يحتمل حلولا ترقيعية أو مسكنات مؤقتة. ويرى أن ما يحدث اليوم هو تمهيد واضح لرفع الدعم عن الوقود، ضمن سلسلة أزمات مفتعلة يعاد إنتاجها كل مرة لإشغال الشارع وصرف الأنظار عن الفشل الحقيقي.

ويؤكد أن اختفاء السيولة النقدية ليس أمرا عشوائيا ، بل نتيجة مباشرة لسياسات ومسؤولين يقفون وراء هذه الأزمات، مضيفا من العار أن تكون ليبيا دولة نفط وتدار بهذه الطريقة ويترك المواطن عرضة للضغط والابتزاز الاقتصادي.

ويضيف أن المواطن بدأ يرى النقد متوفرا لدى التجار فجأة بعد فترة طويلة من الشح ليتزامن ذلك مع إثارة ملف جديد حول بيع الفضة في محاولة واضحة لإلهاء الناس بأزمة أخرى. ويتساءل لماذا كل مرة تخلق قصة جديدة لإشغال الرأي العام؟ ولماذا لا يتم فتح الملفات الحقيقية المتعلقة بالفساد والتهريب وهدر المال العام؟ معتبرا أن ما يحدث ليس سوء إدارة فقط بل نمط متكرر من العبث بمعيشة الناس وأن استمرار الصمت سيشجع المسؤولين على التمادي أكثر.

التهريب حاضر والمحاسبة غائبة

القانونية وعد التاجوري تشير إلى أنه يبقى ملف التهريب حاضرا كأحد أكبر النزيفات الاقتصادية كتهريب الوقود و السلع وحتى العملة يدار في الظل دون إجراءات رادعة واضحة.

وتابعت أن هذا التناقض يطرح سؤالا مشروعًا لماذا تفرض الضرائب على من يلتزم بينما يفلت من يستنزف الاقتصاد من أي محاسبة حقيقية؟ وتخوفت  من أن تكون هذه الإجراءات خطوة تمهيدية لرفع الدعم عن الوقود.

وترى التاجوري أن الأزمات من السيولة إلى الدولار ثم الضرائب، ليس إلا حلقات في سلسلة إلهاء مستمرة ، كلما ارتفع الغضب طرحت أزمة جديدة تشغل الرأي العام  ، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة أين تذهب الأموال؟ ولماذا لا يشعر المواطن بأي تحسن رغم المليارات المصروفة؟.

ضريبة الدولار صدمة تضخمية بلا إصلاح حقيقي.

يرى الخبير الاقتصادي نجم أوحيدة أن فرض ضريبة على شراء الدولار سينعكس على المدى القصير بشكل مباشر على معدلات التضخم، موضحا أن هذه الضريبة تفرض فعليا على الواردات ما يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار السلع المستوردة، وبما أن الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد، فإن الزيادة تنتقل مباشرة إلى المستهلك النهائي، مسببة ما يُعرف بالتضخم المستورد خاصة في الغذاء والدواء ومواد البناء.

وعلى مستوى سعر الصرف يشير أوحيدة إلى أن الضريبة قد تقلل نسبيا من الطلب على الدولار وتخفف الضغط مؤقتا على الاحتياطيات لكنها لا تعالج أصل المشكلة المرتبطة بهيكل الطلب على العملة الأجنبية ما يجعل أي تحسن محتمل هشا وقصير الأجل.

ويحذر من أنه على المدى المتوسط قد يتحول التضخم إلى حالة مزمنة تتآكل معها القدرة الشرائية فيما يعود الضغط على الدولار ويتوسع نشاط السوق الموازي لتفقد الضريبة فعاليتها كأداة استقرار ويخلص إلى أن ضريبة الدولار ليست إصلاحا اقتصاديا، بل أداة مالية ظرفية في حين أن الإصلاح الحقيقي يتطلب تنويع مصادر الدخل وإصلاح المالية العامة وتحسين الإنتاج المحلي وإعادة هيكلة النظام المصرفي.

نقل كلفة الفشل إلى المواطن

تؤكد الدكتورة سلمى مسعود أن فرض الضرائب على الدولار والسلع في السياق الليبي الحالي يمثل نقلا مباشرا لكلفة الفشل المالي والإداري إلى المواطن، أكثر من كونه حلا اقتصاديا حقيقيا ، وتوضح أن السياسة الضريبية لا تكون أداة إصلاح إلا إذا جاءت ضمن رؤية اقتصادية شاملة وهو ما تفتقده ليبيا حاليا.

وتشير إلى أن الاعتماد الكبير على الاستيراد وإيرادات النفط يجعل أي ضريبة على النقد الأجنبي أو السلع المستوردة عبئا فوريا على المستهلك دون معالجة جذور الأزمة المتمثلة في ضعف الحوكمة والهدر المالي وغياب تنويع مصادر الدخل.

وتحذر من ارتفاع عام في الأسعار وتآكل القدرة الشرائية لا سيما في السلع الأساسية، إضافة إلى توسع السوق الموازية وتراجع الثقة في القنوات الرسمية ، وترى أن الأزمات الاقتصادية المتكررة ناتجة عن خلل هيكلي عميق يتم توظيفه سياسيا، ما يحولها إلى أزمات مدارة أو مفاقمة، وليست قدرا حتميا.

المواطن يدفع ثمن قرارات لم يكن طرفا  فيها

يرى مصري عمر المختص في الإدارة المحلية، أن الانهيار المتواصل للأوضاع المعيشية وكثرة القرارات العشوائية يعكسان أزمات مفتعلة للتغطية على الفشل داخل الإدارات عبر سياسات وقوانين تخدم مصالح ضيّقة.

ويؤكد أن الضرائب التي فرضت لم تسن بقانون واضح ولم تناقش علنا لكنها استُوفيت فعليا من جيب المواطن واستنزفت دخله ومدخراته.

ويشير إلى أن ضريبة الأغراض الشخصية نشأت أساسا من فجوة سعرية مصطنعة بين سعر الدولار الرسمي وسعره في السوق الموازي دفعها المواطن كفرق سعر مباشر دون تسميتها ضريبة وتحولت إلى عبء دائم.

وتابع ، أن كل زيادة في تكلفة العملة أو العمولات انعكست فورا على الأسعار دون حماية حقيقية للمواطن ، معتبرا  أن ما حدث تحميل مباشر للمواطن كلفة سياسات افتقرت إلى الشفافية والعدالة والمساءلة وأن استعادة الثقة تبدأ بالمصارحة وإعادة بناء السياسات المالية بما يحمي القدرة الشرائية.

ضريبة العملات الأجنبية جريمة اقتصادية.

اعتبر عمر علي أبوسعدة رئيس هيئة تنمية مشاريع فزان  أن فرض الضريبة على العملات الأجنبية سيقع عبؤه الاقتصادي بالكامل على المواطن منذ اللحظة الأولى، محذرا من ارتفاع معدلات التضخم بنسبة توازي قيمة الضريبة أو تتجاوزها وما يرافق ذلك من تراجع فرص النمو وخلق حالة كساد عام في مختلف القطاعات.

ويرى أن هذا التوجه يعكس فشلا ذريعا في سياسات المصرف المركزي وسوء إدارة لملف سعر الصرف، مؤكدا أن المصرف المركزي مختص بتحديد السعر لا بفرض الضرائب عليه.

ويصف أبوسعدة فرض ضريبة على العملة الأجنبية بأنه إنشاء لاقتصاد ظل حكومي مقنن يصل إلى مستوى الجريمة الاقتصادية لما له من آثار مدمرة على الاستقرار المالي.

كما يحذر من تدهور مستوى معيشة المواطنين وتآكل مدخراتهم خاصة لدى ذوي الدخل المحدود، معتبرا أن الأزمات الاقتصادية المتكررة في ليبيا ليست سوى حصيلة إخفاقات سياسية واقتصادية متراكمة وغياب رؤية وطنية شاملة يدفع ثمنها المواطن وحده.

مقترح الضريبة لم يناقش ولم يعتمد

قال عضو مجلس النواب عبدالنبي عبد المولى إن مقترح فرض الضريبة الذي جرى تداوله لم يُناقش داخل مجلس النواب ولم يكن مدرجًا أصلًا ضمن جدول أعماله، مؤكدًا أن ما حدث لا يرقى إلى مستوى قرار تشريعي صادر عن المجلس.

و أوضح عبد المولى أن رئيس لجنة الاقتصاد بدر النحيب هو من قدّم المقترح خلال جلسة النواب دون أن يتم التصويت عليه، مشيرًا إلى أن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح رفع الجلسة ولم يتم اعتماد أي قرار بشأن الضرائب، قبل أن يُفاجأ النواب بتسويق المقترح إعلاميا على أنه قرار صادر عن المجلس.

فيما أصدر مجلس النواب الليبي القرار رقم (1) لسنة 2026 بشأن ما تم تداوله حول فرض ضريبة على الإنتاج والاستهلاك وأكد المجلس على عدم فرض أي ضرائب أو رسوم على السلع الأساسية والضرورية للمواطنين.

وأوضح المجلس في بيان رسمي أن ما يتداول بهذا الخصوص لا يزال قيد الدراسة والمراجعة من قبل الجهات والمؤسسات الليبية المختصة، مشددا على أنه لن يتم اتخاذ أي قرار نهائي إلا بما يحقق مصلحة المواطن ويدعم الاقتصاد الوطني ويحفظ الأمن القومي.

ودعا مجلس النواب وسائل الإعلام إلى تحري الدقة في نقل المعلومات والاعتماد على البيانات الرسمية الصادرة عنه تفاديا لإثارة البلبلة أو تداول معلومات غير دقيقة.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :