حين تُروى الذاكرة بلا نقد.. تأملات في قضية 106 والعهد الملكي
خلال العام الماضي، حضرت ثلاث محاضرات عُقدت في طرابلس تناولت قضية 106 وما يرتبط بها من أحداث وسياقات. ألقى المحاضرة الأولى علي اللافي، أحد أبرز رموز وقيادات حركة القوميين العرب خلال العهد الملكي في ليبيا، وأحد الذين صدرت بحقهم أحكام في تلك القضية.
أما المحاضرة الثانية فقد قدّمها الأستاذ حسين المزداوي، الأكاديمي والباحث الموثِّق الذي أمضى سنوات طويلة في العمل الدبلوماسي. في حين تناولت المحاضرة الثالثة موضوع المحاكمات السياسية في ليبيا، بما في ذلك قضية 106، وقدّمها الأستاذ أبوبكر الشريف، السجين السياسي السابق في عهد القذافي، ومؤلف كتاب «المحاكمات السياسية في ليبيا»، الذي يوثّق المحاكمات السياسية التي تعرّض لها معارضو النظامين الملكي والجماهيري خلال الفترة الممتدة من عام 1951م إلى عام 2011م.
كما قرأت العديد من المقالات والمداخلات الصادرة عن شخصيات محسوبة على التيار القومي، ولا سيما مجموعة 106. فلم أجد في محاضرة علي اللافي المشار إليها، ولا في كتابات أو حوارات أو مداخلات الشخصيات الأخرى المنتمية إلى حركة القوميين العرب، ما يعبّر عن مراجعة نقدية لتجربتهم أو تقييم موضوعي لأدائهم. كذلك لم ألمس اعتذاراً أو إنصافاً للعهد الملكي، على الرغم من أن كثيرين يرون أن عهد القذافي كان نقطة التحوّل التي قلبت موازين الحياة السياسية والاجتماعية في ليبيا.
ويوم، الخميس الموافق 4 يونيو 2026م، وقعت بين يديّ مقالة تتناول قضية «106» وبعض الشخصيات المنتمية إلى حركة القوميين العرب ونضالاتها، بعنوان: «درس من دروس الوطنية: علي وريث، عزالدين الغدامسي، عبدالسلام الزقعار». وكانت هذه المقالة قد نُشرت سابقاً بتاريخ 17 مايو 2020م على صفحات موقع فيسبوك، ثم أُعيد نشرها في عدد من المواقع الصحفية والإعلامية، الأمر الذي دفعني إلى إبداء رأيي بشأن مجموعة المئة والستة، وملف قضيتهم، وموقفهم المعادي للملك إدريس وعهده، ذلك الموقف الذي أراه غير مبرر، والذي ظل قائماً ومستمراً على امتداد السنوات.

رأيي في قضية لــ106 !
كان النظام الملكي في ليبيا نظاماً دستورياً على رأسه ملكٌ صالح. وقد اتسم تعامل الملك إدريس مع المعارضة بالعفو والتسامح، فلم يلجأ إلى قمع الاعتصامات أو الإضرابات، كما أُتيحت مساحات واسعة للتعبير عن الرأي لم يكن لها نظير في المنطقة آنذاك، وربما لم يضاهها سوى ما كان قائماً في لبنان.
ولم تكن المعارضة في العهد الملكي تشكو من التضييق على الحريات، أو غياب العدالة، أو مخالفة الدستور وتجاوزه، أو انعدام الصحافة الحرة، أو من قضايا تتعلق بحياة المواطن ومعيشته وصحته وتعليمه ووضعه المادي. وإنما رفعت شعارات تتجاوز الحدود الوطنية، وانساقت وراء ما كانت تبثه إذاعة «صوت العرب» وما كان يردده جمال عبدالناصر في خطاباته، وهو ما اعتذر عنه لاحقاً للملك إدريس في خطابه الشهير بمدينة بورسعيد.
أما قضية القوميين العرب ومجموعة 106، فلم تكن – بحسب الرواية المطروحة – قضية رأي أو تعبير سياسي، بل قضية ارتبطت بحيازة السلاح، والتدريب العسكري في الخارج، والتخطيط لزعزعة استقرار النظام. وأثناء تنفيذ عملية القبض على المتهمين، تم ضبط عدد من الوثائق والأسلحة والمتفجرات، وقد جرت مصادرتها وفق الإجراءات المتبعة.
ومن أبرز الأسماء في قضية لــ106، هم: عزالدين الغدامسي وعبدالسلام الزقعار وفرج سعيد وجمعة الفزاني والصديق الهمالي ونصرالدين البقار وعمر المنتصر والبراني موسى وعلي اللافي وصالح قمر وسالم الشويهدي وجمعة الفرجاني ومصطفى العالم ويوسف الشين وميكائيل السنوسي وعلي العرفي ومصطفى سعيد وعيسى القبلاوي وبالنور الفلاح وضو نجاح وعبدالسلام العمامي وعبدالحميد بطاو ورجب الهنيد وعمر دبوب ومحمد بن سعود ومحمد الشلطامي وغيرهم.
كما ارتبط حزب أو حركة القوميين العرب في ليبيا بعدد من الشخصيات العربية الوثيقة الصلة بالحركة، من الفلسطينيين والسوريين والكويتيين. وكان بعضهم موجوداً في ليبيا أو تردد عليها، في حين لم يزرها بعضهم الآخر مطلقاً. ومن أبرز هؤلاء: جورج حبش، وفيصل سعود، ومحمد كشلي، وهاني الهندي، ووديع حداد.
وقد خضع المتهمون لمحاكمةٍ عادية استمرت قرابة شهر، وعُقدت أولى جلساتها في طرابلس يوم الإثنين الموافق 15 يناير 1968م. وصدر بحقهم عدد من الأحكام المخففة، تراوحت بين البراءة والسجن لمدة سنة واحدة، بينما لم تتجاوز أقصى العقوبات ست سنوات. كما أُفرج عن بعض المحكوم عليهم قبل انتهاء مدد عقوباتهم.
وقد ذكر حسين المزداوي في محاضرته المشار إليها آنفاً أن جميع الوثائق تشير إلى أن محاكمة حركة القوميين العرب كانت عادلة، وأنه قد توافرت للمتهمين سبل الدفاع عن أنفسهم. كما أشار إلى أن الصحافة أشادت بالأحكام وبالمعاملة الحسنة التي حظي بها المتهمون، ومن بين تلك الصحف الصحافة اللبنانية.
والشاهد، كانت الأحكام تُعد مخففة إلى حد كبير، كما أن أماكن الاحتجاز كانت، بحسب ما يُروى، مطابقة للمعايير الدولية الخاصة بحقوق السجناء. كذلك توافرت في المحاكمات جميع الضمانات الأساسية للعدالة، وكانت عائلات السجناء قادرة على زيارتهم بصورة منتظمة وتزويدهم بما يحتاجون إليه. كما عاملتهم الدولة معاملة حسنة، ولم يتعرضوا لأي أذى طوال فترة سجنهم، مع توفير وسائل الاطلاع والثقافة، مثل أجهزة الراديو والصحف والكتب، فضلاً عن الدواء والرعاية الطبية.
كما تدخّل الملك إدريس السنوسي شخصياً، وطلب من إدارة السجن أن تُحسن معاملة هذه المجموعة من المتعلمين والمثقفين، وألّا تُلزمهم بارتداء ملابس السجن، وأن تسمح لهم بارتداء ملابسهم العادية، وأن تُبقي زيارات أسرهم وذويهم مفتوحة، وأن تُلبّى جميع طلباتهم المشروعة. وقد اتخذ الملك إدريس هذه الخطوة بعد أن تحدّث معه الشيخ عبدالحميد العبار، رئيس مجلس الشيوخ، بشأن المسجونين في قضية «المئة والستة».
ويُذكر أن السيد محمد الزقعار، عضو مجلس الشيوخ، كان قد طلب من الشيخ عبدالحميد العبار أن يلتمس من الملك إدريس توصية الجهات المختصة بحسن معاملة مجموعة «المئة والستة»، وأن يشملهم بمراسيم العفو التي يصدرها، إذ كان ابنه عبدالسلام أحد المتهمين في هذه القضية.
ولا شك أن القوميين، ومعهم البعثيون والناصريون، كانوا من أبرز القوى التي مهّدت لانقلاب سبتمبر 1969م، ثم ساندته بعد وقوعه وأسهمت في ترسيخ أركانه وتثبيت حكمه. ومن ثمّ، فإنهم يتحملون جانباً من المسؤولية عن الكارثة التي ألمّت ببلادنا عقب ذلك الانقلاب في سبتمبر 1969م.
وما زال هؤلاء يعدّون ما قاموا به في العهد الملكي عملاً بطولياً يستحق الإشادة والثناء، ويتحدثون عن فترة سجنهم في ذلك العهد بكل فخر واعتزاز، ولا يدعون مناسبة تمر إلا ووجّهوا فيها الانتقاد اللاذع الجائر إلى العهد الملكي. وفي المقابل، لا نكاد نسمع منهم حديثاً عن تجربتهم مع نظام القذافي، ولا عن طبيعة المعاملة التي لاقوها في عهده.
فهل سجنهم القذافي؟ وكيف كانت معاملتهم داخل السجون؟ وهل كانت متاحة لهم في عهده المظاهرات أو الاعتصامات أو الإضرابات كما كان الحال من قبل ؟.
وبدلاً من أن نراهم اليوم يعيدون قراءة ما حدث قراءةً نقدية، ويعترفون بأخطائهم، وينصفون الملك إدريس وعهده، نجدهم ما زالوا ماضين في غيّهم، يتخبطون في أوهام الماضي دون مراجعة أو إنصاف.
هذا ما لزم بيانه، وكفى.
شكري السنكي
الخميس الموافق 4 يونيو 2026م














