جهاد النفاتي
في المقال السابق تناولتُ كيف لم يعد المطلوب اليوم إسكات صوت الإنسان بقدر ما أصبح الهدف الأعمق هو إضعاف عقله وإشغاله وإبعاده عن التفكير والتمييز.
أما اليوم فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو من المستفيد من عقل مُطفأ ؟
الإجابة تقودنا إلى طرفين يملكان أكبر قدرة على التأثير في الوعي الجمعي هما السياسيون وبعض المتصدرين للمشهد الديني.
في المجال السياسي لا يحتاج الجميع إلى شعب يفكر بقدر ما يحتاجون إلى جمهور يصفق. فالعقل الذي يسأل: لماذا؟ وكيف؟ ومن المستفيد؟ هو عقل مزعج و يصعب توجيهه ولا يمكن كسبه بالشعارات وحدها. لذلك تُصنع في كثير من الأحيان بيئة تكافئ الانحياز الأعمى وتغذي الانقسام وتدفع الناس إلى الاصطفاف الحاد بين ( مع و ضد) من دون مساحة حقيقية للتفكير أو التحقق.
وقد ساهمت للأسف وسائل الإعلام المختلفة في تكريس هذا الواقع من خلال تقديم أفكار وآراء تكاد تكون معلبة و جاهزة للاستهلاك . وهكذا تتحول السياسة من إدارة شؤون الناس إلى إدارة مشاعرهم حينها يُستثمر الخوف ويُؤجج الغضب ويُستخدم الانتماء بديلا عن الفهم. وفي قلب هذا المشهد يُطلب من المواطن بشكل مباشر أو غير مباشر ألّا يفكر كثيراً بل أن يحدد موقعه فقط ثم يبقى فيه.
أما في المجال الديني فحدث ولا حرج فالصورة لا تقل تعقيداً عن سابقتها فالدين في جوهره دعوة إلى التدبر والتأمل لكنّه حين يتحول في يد بعض المتصدرين إلى أداة للهيمنة يصبح السؤال تمردا والتفكير تهديدا والاجتهاد أيضاً هو خروج عن الصف. وتُقدم الطاعة على أنها فضيلة مطلقة حتى وإن كانت بلا وعي ويُختزل الإيمان في الاتباع دون تفكير أو حتى فهم .
وهنا تتجلى أخطر الرسائل الضمنية التي قد تُبث في الوعي العام ( أطفئ نور عقلك واتبعنا فنحن نفهم عنك) .
والخطورة هنا تكمن فيمن يحتكر تفسير الدين و من يحول النص إلى سلطة مغلقة والعقل إلى خصم يجب تحييده .
فحين يُخيفك أحدهم من السؤال أو يجعلك تشعر بالذنب لأنك فقط تفكر فاعلم أن المشكلة ليست في سؤالك بل في هشاشة ما يُراد لك أن تصدقه ، لأن الحقيقة لا تخاف من البحث والفكرة الراسخة لا ترتجف أمام العقل.
والأخطر من ذلك كله هو التقاء السياسي بالديني .
حين يحدث على نحو يخدم السيطرة سياسة تحتاج إلى جمهور مطيع وخطاب ديني يقدّس الطاعة فتكون النتيجة عقل مجمد ووعي معطل و بشر يُقادون.
إن التفكير في السياسة لا يعني التمرد بل يعني الفهم. والتفكير في الدين لا يعني الشك بل يعني التدبر والتأمل و التعقل كما أمرنا الله عز وجل .
والفرق كبير بين من يسأل ليهدم ومن يسأل ليفهم لكن في الحالتين يظل السؤال هو بداية الوعي وأول خطوة في مقاومة كل محاولة تستهدف إطفاء العقل وتحويل الإنسان إلى تابع مطيع لا يرى إلا ما يُراد له أن يراه.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خطاب سياسي يطلب التصفي أو خطابٍ ديني يطلب التسليم بل في المناخ العام الذي يُربّي الإنسان على الخوف من التفكير ويجعل الطاعة مرادفة للفضيلة والاصطفاف دليلاً على الوعي والصمت علامة على الحكمة
فقد لا يأتي من يقول لنا صراحة ( أطفئ نور عقلك واتبعنا ) لكن ذلك يحدث كل يوم بطرق أكثر هدوءًا وخطورة.
المعركة الحقيقية اليوم هي معركة على العقول نفسها على تلك المساحة الصغيرة داخل الإنسان التي يقرر فيها أن يفهم قبل أن يصفق وأن يتحقق قبل أن يصدق وأن يسأل قبل أن ينقاد.
فإذا انطفأ العقل لم نعد بحاجة إلى سلاسل لكي نُقاد يكفي أن نُترك داخل قطيع نردد ما زُرع فينا وندافع عما لا نفهمه ونُخاصم من أجل قضايا لم نفكر فيها بعقولنا.
لذلك فإن أول أشكال المقاومة أن يبقى في داخلنا سؤال حي ووعي لا ينام وشك نبيل لا يهدم الحقيقة بل يحميها من التزييف.
فالعقل المضيء لا يعادي الدين ولا يخرب السياسة ولا يهدد المجتمع بل يمنع الدين من أن يتحول إلى سوط على رقاب الناس والسياسة من أن تتحول إلى قطيع والوطن من أن يتحول إلى رقعة شطرنج تتحرك فوقها الشعوب بلا إرادة.
احرسوا نور عقولكم فكل ظلام يبدأ حين يتنازل الإنسان عن حقه في الفهم وكل استبداد يبدأ حين يصبح السؤال جريمة وكل سقوط يبدأ حين يقتنع الناس أن التفكير ترف.
فالذين يريدون عقولا مطفأة لا يخافون من أصواتنا العالية بقدر ما يخافون من لحظة صمت واحدة نفكر فيها بصدق.
لأن الجموع تُصنع بالتلقين
أما الأوطان، فلا تصنعها إلا العقول اليقظة.














