- د_عبدالله محمد أطبيقه
قسم الإعلام جامعة سرت دولة ليبيا
يعيش القطاع الإعلامي اليوم مرحلة تحول دراماتيكية بسبب التطور السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد أصبحت الخوارزميات والنماذج الذكية قادرة على كتابة الأخبار، صياغة المقالات، تحرير الفيديوهات، تحسين الصور، بل وحتى تقديم البرامج عبر المذيعين الافتراضيين. هذا الواقع الجديد أثار قلقاً واسعاً في أوساط الصحفيين والمبتكرين حول مستقبل وظائفهم والتخوف من موجات بطالة هيكلية.
الوظائف الإعلامية الأكثر عرضة لخطر الاستبدال
لا تؤثر تقنيات الذكاء الاصطناعي على جميع الوظائف الإعلامية بنفس الدرجة، بل يتركز الخطر الأكبر على المهام الروتينية والنمطية التي لا تتطلب تعمقاً تحليلياً:
- محررو الأخبار السريعة: صياغة البيانات الصحفية والأخبار العاجلة والبسيطة (مثل التقارير الرياضية أو نتائج الأسواق المالية).
- المترجمون والمصححون اللغويون: التدقيق اللغوي والترجمة الفورية أصبحت تُنفذ بدقة عالية عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.
- الفنيون ومصممو الجرافيك والمونتاج: إنتاج التصاميم المبدئية وتعديل مقاطع الفيديو القصيرة تلقائياً عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
- أخصائيو تحسين محركات البحث وإدارة منصات التواصل: أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي أسرع في اختيار العناوين الأكثر انتشاراً والجدولة التلقائية للمنشورات.
هل يستبدل الذكاء الاصطناعي الصحفي تماماً؟
رغم القوة الحسابية والإنتاجية للذكاء الاصطناعي، إلا أنه يواجه عيوباً جوهرية تمنعه من إلغاء العنصر البشري بالكامل:
- الافتقار للعدسة الأخلاقية والحس الإنساني: يفتقر الذكاء الاصطناعي للتعاطف البشري، والقدرة على تقييم البُعد الأخلاقي أو المشاعر الإنسانية في التغطيات الميدانية والقصص الإنسانية.
- التحقيق والمصادر الميدانية: لا يستطيع الذكاء الاصطناعي بناء علاقات مع مصادر سرية، أو إجراء مقابلات ميدانية حية، أو القيام بـ “الصحافة الاستقصائية” التي تتطلب مخاطرة واستكشافاً للمجهول.
- مشكلة الهلوسة والانحياز: تنتج النماذج الذكية أحياناً معلومات مضللة أو غير دقيقة وتفتقر للقدرة على التفكير النظري والتحليلي النقدي للواقع السياسي والاجتماعي.
تحول طبيعة العمل الإعلامي (إعادة التشكل بدلاً من الاختفاء)
تؤكد الدراسات الإعلامية الحديثة أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي وظيفة الصحفي، بل سيستبدل الصحفي الذي لا يستخدم الذكاء الاصطناعي بصحفي يتقن استخدامه، حيث تحولت الوظائف التقليدية إلى أدوار مستقبلية مستحدثة؛ فبدلاً من الاقتصار على كتابة الأخبار الروتينية، برز دور مهندس الأوامر الإعلامية الذي يتولى صياغة التعليمات للحصول على أفضل مخرجات من أدوات الذكاء الاصطناعي، وبدلاً من الاكتفاء بالتدقيق اللغوي واليدوي، ظهرت الحاجة إلى مدقق وصانع حقائق يراجع جودة ومصداقية المحتوى المولّد آلياً، كما تطور البحث العشوائي عن الأفكار إلى وظيفة محلل البيانات الصحفية، والذي يستخرج القصص المتميزة من مجموعات البيانات الضخمة بمساعدة الخوارزميات.
كيف يحمي الإعلاميون أنفسهم من بطالة الذكاء الاصطناعي؟
لمواجهة مخاطر فقدان الوظائف، يتعين على الصحفيين وصناع المحتوى التركيز على المهارات التي لا يمكن للآلة محاكاتها:
- تطوير مهارات الصحافة الاستقصائية: التركيز على كشف الحقائق المخفية والتغطيات الميدانية المباشرة.
- تبني أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعد ذكي: استخدام الأدوات لزيادة الإنتاجية وتوفير الوقت والمجهود للمهام الأكثر تعقيداً.
- التركيز على السرد القصصي الإنساني: بناء المحتوى القائم على التجارب الإنسانية والرأي والتحليل العميق.
- التدرب على التحقق من المحتوى: اكتساب مهارات كشف الفيديوهات والصور المفبركة والتزييف العميق.














