القول والعمل.. بين صدق الدعوة وخطر التناقض

القول والعمل.. بين صدق الدعوة وخطر التناقض

  • الشيخ محمد الطيب.

الحمد لله الذي أمر بالصدق ونهى عن الكذب، وأمر بالإخلاص ونهى عن الرياء، وجعل صلاح العبد في موافقة عمله لقوله، وحذّر من التناقض بين الظاهر والباطن.

إن من أعظم البلايا التي قد تصيب الأفراد والمجتمعات أن تنفصل الأقوال عن الأفعال، وأن يصبح الكلام سهلًا والعمل عسيرًا، وأن تتحول المبادئ إلى شعارات تُرفع، والقيم إلى عبارات تُردد، والوعظ إلى كلمات لا تجد لها أثرًا في واقع الناس وسلوكهم. ولهذا جاء التحذير الإلهي واضحًا وصريحًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.

وتأملوا عِظم هذا التعبير القرآني؛ فالله سبحانه لم يقل: كبر ذنبًا أو كبر خطأً، وإنما قال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾، والمقت هو أشد أنواع البغض. وهذا يدل على خطورة أن يدعو الإنسان إلى أمر ثم لا يلتزم به، أو ينهى عن شيء ثم يقع فيه.

وقد وبّخ الله تعالى بني إسرائيل على هذا السلوك فقال:﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وهي آية تحمل رسالة خالدة لكل من يتصدر لتوجيه الناس وإرشادهم، بأن يبدأ بنفسه قبل غيره، وأن يكون أول العاملين بما يدعو إليه.

وجاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى وتحذر من عواقبه. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يؤتى به يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أمعاؤه ويدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار مستغربين حاله، فيقولون: أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيجيبهم: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه.

إنها صورة تهز القلوب وتوقظ الضمائر، لأنها تكشف حجم الخسارة التي يتعرض لها الإنسان حين يفقد المصداقية بين ما يقوله وما يفعله.

ولم يقف التحذير عند هذا الحد، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر أنه رأى ليلة الإسراء والمعراج قومًا تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فلما سأل جبريل عنهم قيل له: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.

ومن هنا ندرك أن الناس لا تتأثر بالكلام وحده، وإنما تتأثر بالقدوة الصالحة. فالكلمات مهما كانت بليغة تفقد أثرها إذا ناقضها السلوك، بينما يبقى أثر المواقف الصادقة راسخًا في النفوس سنوات طويلة. ولذلك كان السلف الصالح يخافون من مخالفة القول للعمل، ويعدونها من أعظم مواطن المحاسبة للنفس.

إن الأمة اليوم لا تحتاج إلى كثرة المتحدثين بقدر حاجتها إلى الصادقين، ولا إلى كثرة الشعارات بقدر حاجتها إلى نماذج عملية تجسد الأخلاق والقيم في واقع الحياة. فحين يرى الناس الصدق متجسدًا في المعاملة، والأمانة حاضرة في السلوك، والإخلاص ظاهرًا في العمل، يكون تأثير ذلك أبلغ من آلاف الكلمات والخطب.

ولا يقف خطر مخالفة القول للعمل عند صاحبه وحده، بل يتعداه إلى المجتمع كله. فكم من شاب أحب طريق الاستقامة ثم تراجع عندما رأى من بعض المنتسبين إليها ما يخالف أقوالهم. وكم من إنسان اهتزت ثقته حين شاهد تناقضًا بين الدعوة والتطبيق. وكم من ضعيف إيمان تعلق قلبه بقدوة يراها صالحة، فلما سقطت تلك القدوة تأثر إيمانه وثباته.

وهنا تكمن خطورة الأمر؛ فبعض الناس إذا أخطأ أضر نفسه فقط، أما من يتصدر للقدوة والتوجيه فقد يضر نفسه ويضر غيره معه. وكثير من الناس لا يفرقون دائمًا بين الدين وأهله، فإذا رأوا التناقض عند بعض المنتسبين إلى الصلاح أو الدعوة أو الإصلاح، ظنوا أن الخلل في الدين نفسه، لا في تصرفات البشر. ومن هنا تبدأ سهام التشكيك، وتنتشر الشبهات، ويضعف أثر الدعوة في النفوس.

لذلك كان السلف الصالح يخافون من المعصية لا خوفًا على أنفسهم فحسب، بل خوفًا من أثرها على الناس ومن أن تكون سببًا في صد أحد عن سبيل الخير.

إن المسلم مطالب بأن يكون صادقًا إذا دعا إلى الصدق، أمينًا إذا دعا إلى الأمانة، حسن الخلق إذا دعا إلى الأخلاق، لأن أعظم المواعظ هي التي ينطق بها العمل قبل اللسان، وأبلغ الدروس هي التي يراها الناس واقعًا حيًا أمامهم.

فليحاسب كل واحد منا نفسه، وليجتهد في إصلاح سريرته وعلانيته، وليجعل أفعاله شاهدة على صدق أقواله، فإن من أعظم القربات إلى الله أن يكون ظاهر الإنسان موافقًا لباطنه، وقوله موافقًا لفعله، وسره موافقًا لعلانيته.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :