- فرج عبد الشافي المنصوري
تُعاني الشعوب حديثة العهد بالعمل السياسي من مأزق “المثالية” وثُنائية “الأبيض والأسود” في المُقابل، يُثبت علم السياسة أن الدول كائنات بلا مشاعر، والقيادة الرشيدة هي التي تقتفي أثر مصالح شعبها؛ لذا لا يُعد الانحناء المؤقت للعاصفة انكساراً، بل هو “إعادة تموضع” ذكية لجمع الأوراق. ويُعد “صُلح الحديبية” الشاهد الأبرز تاريخياً؛ حيث قَبِلَ الرسول ﷺ بشروط ظنها البعض مُجحفة، لكنها كانت فتحاً سياسياً وعسكرياً بعيد المدى حيّد الخصوم ومنح المسلمين اعترافاً دولياً. بالإسقاط على الواقع الليبي، فإن انفتاح القيادة العامة على أنقرة والدوحة يُمثل “مناورة سياسية بارعة” نسفت قواعد اللعبة، وجرّدت الطرف الآخر من ميزتهِ الاحتكارية بعد أن ظل لسنوات يُراهن عليهما كعمق إستراتيجي حصري له. هذا التحارب الدبلوماسي والتحرك الأيجابي للقيادة العامة المتمثل في تعزية تميم بن حمد في والده الشيخ حمد والتقارب الأخير مع الأتراك أحرج العاصمتين وأجبرهما على النظر إلى ليبيا ككل إستراتيجي موحد لا كأطراف مُتنازعة، وهو ما يتطابق مع “نظرية التوازن الإستراتيجي” التي تنص على أن احتواء حُلفاء الخصم هو أقصر الطرق لتحييد فاعليتهم الهجومية. ونتيجة لهذا الاختراق، تحولت تركيا وقطر من خندق الممول لطرف واحد، إلى لاعبين يبحثون عن استقرار ليبيا بالكامل لتأمين استثماراتهم في إعادة الإعمار، وصهر أدواتهم اللوجستية في بودقة التهدئه تُثبت هذه الديناميكية أن السياسة طاولة مُفاوضات مُتحركة تُقسم فيها الملفات إلى مُربعات مُنفصلة لتوليد المكاسب؛ فالقيادة العامة قادرة على الاختلاف مع الأتراك عسكرياً، والاتفاق معهم اقتصادياً على إعمار بنغازي والمناطق المتضررة. ويستند هذا الفصل إلى مفهوم “دبلوماسية المسارات المتوازية”، وهي ممارسة تُتيح للدول تعميق التعاون التجاري مع الإبقاء على الخلافات العسكرية مُجمدة دون أن تُعطل المصالح الحيوية. هذا النُضج البراغماتي يتطابق تماماً مع شواهد التاريخ التي تُثبت أن أعتى العداوات تذوب تحت حرارة الجغرافيا والمصالح المشتركة. ويبرز هنا نموذج: ( الولايات المتحدة والصين ) فلا يخفى على أحد صراع النفوذ المحتدم في بحر الصين الجنوبي، والخلافات الحادة حول ملف تايوان، وحرب تكنولوجية وتجارية مستمرة وفرض عقوبات متبادلة بين البلدين في المقابل تُعد الولايات المتحدة والصين أكبر شريكين تجاريين في العالم ولا يمكن لأي منهما الاستغناء عن الآخر اقتصادياً. كما يتفق الطرفان ويُنسقان بالكامل في ملفات التغير المناخي والأمن الغذائي العالمي.الخ. كذلك العلاقات الإيرانية السعودية. صراع نفوذ إقليمي طويل وحروب بالوكالة في اليمن وسوريا، وتنافس سياسي حاد في المنطقة. بينما طِوال سنوات القطيعة السياسية، كان هناك تنسيق كامل ومُستمر بين البلدين تحت مظلة مُنظمة “أوبك” لضبط أسعار النفط العالمية وحِصص الإنتاج، بالإضافة إلى استمرار التنسيق اللوجستي السنوي لوفود الحجاج الإيرانيين. إذا السياسةُ ليست نصاً مُقدساً، ولا تحكمها ثنائيةُ الأبيضِ والأسود أو الحق والباطل؛ بل هي مِضمار للمناورات المُستمرة التي تُديرها المصلحة أولاً وأخيراً. ومِن هذا المُنطلق، يُمثّلُ تقاربُ القيادة العامة مع خصومِ الأمسِ شهادةَ نُضجٍ سياسيّ وعقلية واعية و خطوةٌ استراتيجيةٌ تُغلقُ المنافذَ أمام التدخلات الخارجية السلبية، وتَفتحُ آفاقَ الاستقرار من مَوقع الندّ للند. ولعل هذه الخطوات هي التجسيدُ الحقيقي للمبدأ التاريخي للورد بالمرستون القائل: ‘ليس لنا أعداءٌ دائمون وليس لنا حلفاءٌ دائمون، لنا مصالح دائمة ومستمرة، وتلك المصالح هي التي يجبُ أن نتبعَها’.”














