حين تتفتح أبواب الحضارة على وقع الكتاب فتتعانق المعاني في أفق ثقافي رحب

 حين تتفتح أبواب الحضارة على وقع الكتاب فتتعانق المعاني في أفق ثقافي رحب

متابعة نيفين الهوني / تونس / خاص | تصوير: المكتب الإعلامي

معرض تونس الدولي للكتاب 2026:

شهدت الدورة الأربعون من معرض تونس الدولي للكتاب 2026 و التي اختتمت اليومين الماضيين بقصر المعارض بالكرم حركية ثقافية مكثفة عكست مكانة هذا الحدث كأبرز تظاهرة فكرية وأدبية تحدث كل عام في تونس وواحدة من أهم المواعيد الثقافية في المنطقة العربية وقد تميزت هذه الدورة وفق ما رصدته عدسة الملف الثقافي وما وثق عبرها وعبر الرواق المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي بتنوع برامجها وتعدد أنشطتها المختلفة . وتختتم المعرض بتنظيم حفل توزيع الجوائز الأدبية التي شملت مجالات الرواية والشعر والترجمة والدراسات الإنسانية كما تم تكريم عدد من المبدعين الذين ساهموا في إثراء الساحة الثقافية ويعد هذا الحفل لحظة تتويج لمسار ثقافي حافل امتد على مدى عشرة أيام تخللتها لقاءات ونقاشات وعروض متنوعة عكست حيوية المشهد الثقافي في تونس والدول المشاركة حيث تم الاحتفاء بالكلمة وصنّاعها وقد أُسدل الستار على قائمة الفائزين بالجوائز الأدبية والفكرية التي تمثل تقليدا راسخا في المشهد الثقافي التونسي وتعد مرآة تعكس حركية الإبداع وتنوع تجلياته وكشفت نتائج هذه الدورة عن حضور لافت للأصوات الأدبية الجديدة إلى جانب أسماء معروفة في مجالات الرواية والقصة والشعر والدراسات الإنسانية والترجمة وتوزعت الجوائز بين أعمال قاربت أسئلة الذات والمجتمع واستحضرت قضايا الإنسان في أبعاده الوجودية والرمزية فيما اختارت لجنة التحكيم حجب جائزة الكتابات الفلسفية في إشارة إلى حرصها على معايير الجودة والتميز كما عكست الأعمال المتوجة تنوعا في دور النشر التونسية والعربية التي ساهمت في دعم الكتاب وإيصاله إلى القارئ وتبقى هذه الجوائز بما تحمله من رمزية وقيمة معنوية أكثر من مجرد تتويج سنوي بل هي لحظة اعتراف جماعي بالإبداع التونسي ورافد أساسي لدفع الحركة الأدبية نحو مزيد من التألق والتجدد في سياق ثقافي عربي ودولي متحول

وقد كانت الجوائز كالآتي :

1_ جائزة البشير خريف للإبداع الأدبي في الرواية: – رواية “ تحت جسر أمستردام”، الصادرة عن دار الأمينة للنشر والتوزيع (2025) لأمينة زريق 2- جائزة علي الدوعاجي للإبداع الأدبي في الأقصوصة: – حفيظة قارة بيبان، عن مجموعة “أنا والقاتلة وظلالنا”، دار نقوش عربية (2025).

3- جائزة فاطمة الحداد للكتابات الفلسفية: حُجبت

 4- جائزة الطاهر الحداد في الدراسات الإنسانية والأدبية (مناصفة): – العادل خضر، عن كتاب “في الحب والح(ر)ب”، الدار التونسية للكتاب (2026). – محمد الحداد عن كتاب “علمنة الإصلاح الديني”، دار محمد علي الحامي للنشر (2025).

 5- جائزة مصطفى خريف للإبداع الأدبي في الشعر: – محمد الناصر المولهي ، عن ديوان “لا بيت للشباك الحفيد”، أبجديات للنشر (2026).

 6- جائزة الصادق مازيغ في الترجمة من العربية وإليها: – أحمد الحيزم عن “من واحة إلى أخرى”، كونتراست للنشر (2026)

 7- جائزة عبد القادر بن الشيخ لنشر قصص الأطفال واليافعين: زينب بن عثمان دار نحن للإبداع والنشر والتوزيع

8- جائزة نور الدين بن خذر للنشر: – Pop Libris سامي المقدم

من جاكرتا إلى قرطاج حكاية ثقافة تعبر البحار

لقد كان حضور إندونيسيا في معرض تونس الدولي للكتاب تقليدا بروتوكوليا متعارف عليه بالإضافة برنامج ثقافي متكامل كشف للزائر التونسي عن ملامح بلد غني بالتنوع الحضاري والإنساني فقد تحول الجناح الإندونيسي إلى فضاء نابض بالحياة يستقطب الزوار على امتداد أيام المعرض من خلال عروض يومية وأنشطة متجددة تجمع بين الأدب والفنون والتفاعل المباشر وافتتحت البرمجة بسلسلة من العروض الفنية التي حملت عناوين مستمدة من التراث المحلي مثل عرض تاري نيرمالا الذي قدم لوحة راقصة ترمز إلى الترحيب والسلام وعرض داياك تاري الذي استلهم حركاته من تقاليد سكان بورنيو الأصليين إلى جانب عرض ميدلي تاري الذي جمع بين أكثر من نمط راقص في لوحة واحدة عكست وحدة التنوع داخل إندونيسيا وقد تواصلت هذه العروض بشكل شبه يومي مما جعل الجناح وجهة ثابتة لعشاق الفنون

وفي الجانب الأدبي تم تنظيم لقاءات متعددة مع كتاب إندونيسيين حيث قُدمت أعمال روائية وشعرية معاصرة إلى جانب جلسات تعريف بالأدب الإندونيسي الكلاسيكي ومن أبرز الفعاليات جلسة تقديم كتاب القرآن كتاب التسامح التي أثارت اهتماما واسعا لما طرحته من مقاربة فكرية تعكس تجربة إندونيسيا في التعايش الديني كما نظمت ندوة بعنوان من جاكرتا إلى قرطاج التي تناولت الروابط الثقافية والتاريخية بين البلدين وفتحت باب النقاش حول إمكانيات التعاون الثقافي واحتضن الجناح فقرة يوميات صحفية في رحاب إندونيسيا وهي تجربة تفاعلية جمعت إعلاميين وزوارا في حوارات مفتوحة حول الانطباعات الثقافية والاختلافات الحضارية وقد ساهمت هذه الفقرة في خلق محتوى حي تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي خاصة عبر مقاطع فيديو قصيرة وصور للعروض ولم تغب الأنشطة الموجهة للأطفال أيضا حيث تم تنظيم قراءات من قصص الفلكلور الإندونيسي مصحوبة بسرد تفاعلي وعروض مبسطة ساعدت الأطفال على اكتشاف شخصيات أسطورية وحكايات شعبية كما تم تقديم ورشات تعريف بالحرف التقليدية وأساسيات بعض الفنون اليدوية وفي بعده التعريفي قدم الجناح سلسلة عروض سمعية بصرية حول تاريخ إندونيسيا وتنوعها اللغوي حيث تم إبراز تعدد الجزر والثقافات داخل هذا البلد إلى جانب تقديم لمحات عن المطبخ الإندونيسي والأزياء التقليدية والجميل أن التفاعل الجماهيري كان واضحا حيث أظهرت منصات التواصل الاجتماعي اهتماما كبيرا بالعروض الراقصة مثل تاري نيرمالا وداياك تاري إذ تداول الزوار مقاطع منها بشكل واسع مع تعليقات تشيد بجمالية الأداء وغنى الأزياء كما اعتبر كثيرون أن الجناح الإندونيسي قدم أفضل تجربة تفاعلية داخل المعرض من حيث التنوع والتنظيم وقد اظهرت التفاعلات نجاح هذه المشاركة في تقديم صورة متكاملة عن الثقافة الإندونيسية تجمع بين الأصالة والانفتاح حيث يعتبر البرنامج نموذجا لكيفية توظيف الثقافة كأداة دبلوماسية ناعمة تعزز الحوار بين الشعوب و نجحت إندونيسيا في تحويل حضورها إلى تجربة حية تتجاوز العرض التقليدي للكتب نحو فضاء شامل يدمج الفن والمعرفة والتفاعل وهو ما سيرسخ مكانة المعرض كمنصة دولية للتبادل الثقافي

ملتقى العالم حيث تتقاطع دور النشر وتتحاور الثقافات

أكد الدكتور محمد صالح القادري في ندوة المعرض الصحافية وعبر كل تداخلاته في وسائل الاعلام وتصريحاته لنا أن المعرض سجل مشاركة واسعة لدور نشر تونسية وأجنبية حيث تجاوز عددها 390 دار نشر من نحو 37 دولة مع عرض ما يفوق 148 ألف عنوان في مختلف الاختصاصات من الأدب والرواية إلى العلوم الإنسانية وكتب الأطفال وهذا التنوع جعل من أروقة المعرض فضاء مفتوحا للاكتشاف والتبادل الثقافي حيث تلاقت ثقافات متعددة وأساليب نشر مختلفة في مشهد يعكس ديناميكية هذا القطاع رغم التحديات التي يواجهها وخصوصا بعد 2011م كما أن الحضور الدولي لم يقتصر على دور النشر فحسب بل شمل كذلك كتابا ومفكرين وباحثين شاركوا في الندوات واللقاءات الفكرية مما أضفى بعدا حواريا على التظاهرة وعزز من مكانتها كمنصة للنقاش حول قضايا الثقافة المعاصرة.

الندوات الفكرية أسئلة الحاضر ورهانات الكتاب في زمن التحول

تميز البرنامج الثقافي  بثرائه وتنوعه حيث تضمن عشرات الندوات الفكرية والجلسات الحوارية التي تناولت مواضيع راهنة مثل حقوق الملكية الفكرية والتحولات الرقمية في عالم النشر، ومستقبل الكتاب الورقي في ظل التطور التكنولوجي. كما خُصصت لقاءات لمناقشة قضايا الهوية، واللغة العربية، والترجمة، إضافة إلى الأدب النسوي والسرديات الجديدة ولعل أبرز الندوات التي اقيمت داخل أروقة المعرض وتحديدا رواق وزارة الشؤون الثقافية التونسية على سبيل المثال لا الحصر: الندوة الفكرية الرواية والسينما في تونس الموجود والمنشود بمشاركة الاديب التونسي لاسعد بن حسين وندوة ألسنة الرواية : قضايا الترجمة من العربية وإليها تتناول إشكاليات نقل النصوص الروائية بين اللغات والتحديات المرتبطة بها وجلسة حوارية نقدية موضوعها الجائزة العالمية للرواية العربية حوار مع صاحب الرواية الفائزة أغالب مجرى النهر للكاتب الجزائري سعيد خطيبي تقديم الناقد التونسي بشير الجلجلي وندوة الاتصال الثقافي والذكاء الاصطناعي وندوة الأدب والتاريخ تكامل أم تنافر بمشاركة الاديبة المصرية ريم بسيوني وندوة واقع النشر ووسائل الاتصال الحديثة

توقيعات الكتب لقاء حي يعيد وصل الكاتب بالقارئ

إلى جانب الأنشطة الفكرية احتضن المعرض عروضا فنية وثقافية تنوعت بين أمسيات شعرية وعروض موسيقية ومسرحية. وقد ساهمت هذه الفعاليات، خاصة تلك التي أقيمت في الفترة المسائية في استقطاب جمهور واسع حيث تحولت بعض السهرات إلى مناسبات احتفالية جمعت بين أهل الأدب وأهل الفن مما جعل المعرض تجربة ثقافية متكاملة تتجاوز مجرد اقتناء الكتب فاحتلت جلسات توقيع الكتب موقعا مركزيا في صفحات الأصدقاء وخصوصا كتاب الرواق الأجلاء  والمخلصين له وتحولت إلى واحدة من أبرز نقاط الجذب داخل المعرض فقد شهدت أروقة دور النشر يوميا لقاءات مباشرة بين القراء والكتاب في أجواء احتفالية اتسمت بالحيوية والتفاعل ومرة أخرى على سبيل المثال لا الحصر حفل توقع كتاب أما كان الاجدى ان تنتظري قليلا للشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري وحفل توقيع المجموعة القصصية للقاص والشاعر التونسي عادل الجريدي التي تحمل عنوان أشجار تودع ظلالها والروائي التونسي سفيان رجب لروايته الجديدة كوميديا الجنائز وسط طوابير من القراء خاصة من فئة الشباب. وقد أظهر هذا الحضور اهتماما متزايدا بالرواية العربية المعاصرة وكتب التنمية الذاتية إلى جانب الإصدارات الفكرية الحديثة وفي هذا السياق اعتبر الجمهور بعد سؤالهم أن هذه اللقاءات تعزز العلاقة بين الكاتب والقارئ وتمنح الكتاب بعدا إنسانيا يتجاوز كونه مجرد منتج ثقافي ليصبح تجربة تواصل حقيقية.

فضاء الطفل: استثمار في المستقبل

خصص المعرض براحا للأطفال واليافعين وهذا الأمر حظي بإشادة واسعة في كل وسائل الإعلام ومن كل أولياء الأمور فقد تضمن هذا الفضاء برنامجا متنوعا شمل ورشات رسم وقراءة وعروضا مسرحية وأنشطة تفاعلية تهدف إلى ترسيخ ثقافة المطالعة لدى الأطفال كما شملت الفعاليات ورشات في الروبوتيك والألعاب التعليمية ليعكس توجها نحو دمج التكنولوجيا في الأنشطة الثقافية. وقد أبدت العائلات ارتياحها لهذا التنوع معتبرة أن المعرض لم يعد موجها فقط للنخبة بل أصبح فضاء عائليا بامتياز.

تكريم القامات الفكرية احتفاء بالذاكرة الثقافية الحية

في إطار الفعاليات شهدت هذه الدورة لحظة وفاء رمزية تم خلالها تكريم ثلة من الأدباء والمفكرين الذين تركوا بصمتهم العميقة في المشهد الثقافي التونسي وأسهموا عبر مساراتهم المتواصلة في إثراء الفكر والإبداع وتعزيز إشعاع الثقافة الوطنية وقد شمل هذا التكريم نخبة من الأسماء التي تمثل تجارب متنوعة ومتكاملة وهم : محمد حسين فنطر ومحمود قطاط وعز الدين المدني ومنصف المزغني ومحمد علي الحلواني ولطفي عيسى وعبد الرزاق قراقب وريم عيساوي حيث جاء هذا التكريم تقديرا لمساراتهم الحافلة بالعطاء واعترافا بإسهاماتهم القيمة في دعم الحركة الثقافية وتوسيع آفاقها وقد عكس هذا الاحتفاء حرص المعرض على صون الذاكرة الثقافية الوطنية والاعتراف برموزها في لحظة جامعة تؤكد مكانة الفكر والإبداع في بناء الوعي وتعزيز الهوية الثقافية في تونس

بين وهج الإقبال وتحديات الأسعار ملاحظات لا تحجب القيمة الثقافية

وعلى الرغم من النجاح التنظيمي والإقبال الجماهيري لم يخل الأمر من بعض الملاحظات فقد أشار عدد من الزوار والمثقفين وحتى المبدعين  في حساباتهم الشخصية إلى ارتفاع أسعار الكتب خاصة المستوردة منها وهو ما اعتبروه عائقا أمام اقتناء عدد أكبر من العناوين كما تم تسجيل نقص نسبي في بعض الإصدارات إلى جانب محدودية الكتب باللغة الإنجليزية مقارنة بالطلب المتزايد عليها ومع ذلك اعتبر كثيرون أن هذه النقائص لا تحجب القيمة الثقافية الكبيرة للمعرض.

معرض تونس الدولي للكتاب فضاء متجدد لصناعة الثقافة وترسيخ فعل القراءة

أن معرض تونس الدولي للكتاب يواصل لعب دور محوري في تنشيط الحياة الثقافية في البلاد، من خلال توفير فضاء للقاء بين مختلف الفاعلين في مجال الكتاب من ناشرين وكتاب وقراء كما يمثل المعرض فرصة لدعم صناعة النشر والترويج للكتاب التونسي وتعزيز حضور الثقافة التونسية على المستوى الدولي وفي هذا الإطار شدد الحضور على أهمية تطوير هذه التظاهرة ومواكبتها للتحولات الرقمية لضمان استمراريتها وجاذبيتها ففي ظل التحديات التي تواجه قطاع النشر يظل هذا الحدث ركيزة أساسية لدعم الكتاب وتعزيز ثقافة القراءة وهذا ما يجعله موعدا سنويا ينتظره القراء والمهتمون بالشأن الثقافي في تونس وخارجها فمعرض تونس الدولي للكتاب تظاهرة ثقافية متجددة استطاعت أن تجمع بين البعد الفكري والبعد الجماهيري وأن تخلق فضاء للحوار والتفاعل بين مختلف مكونات الحقل الثقافي وبين الندوات الفكرية وتوقيع الكتب والأنشطة الفنية وفضاءات الأطفال فأكد المعرض مرة أخرى أنه ليس مجرد سوق للكتاب بل هو احتفال شامل بالثقافة والمعرفة.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :