طريق الخلاص.

طريق الخلاص.

بقلم :: ابوبكر عبد الرحمن

دقت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليلٌ، كانت الشوارع خالية إلاُ من الكراتين التي تهشٌها الريح، في هدوء سبها، الكئيب ، مُطَمئن، مريب، لا مارٌة و لاحياة،  ثنائية تتخللها إنفجارات لقذائف غير محددة الهدف وتتقطع فيها أصوات إطلاق سيور من رشاشة البي كاي تي معهودة للمدينة، كان الجو بارد قليلاً ليلة الخميس 14/ديسمبر عندما أعلن في الإنترنت عن توفٌر السيولة”  قبل يومين من التاريخ نفسه للمصارف، أرسلت من حصة نقدية الشرق  أو  من نقديٌة الغرب،  فلم يؤكٌد بعد، ككل سيولة مرسلة إذا ما كانت من فلوس الشرق أو هي من فلوس الغرب،  لأن الجددليٌة هذه  لم تحسم بعد لدي الجوانبة في تحديد الجهة التي،في ميزان حسناتها، قد وافقت علي إرسالها من مصارفها إلي مصارف الجنوب،   والتي، كعادة الجدليٌة الاوليٌ، تختلف الجهة المصرفيٌة  في إستقبالها من مصارف الجنوب التي إما أن تستقبل النقدية المرسلة من سيولة المصارف الشرقيٌة لوحدها دوناً عن إستقبال النقدية المرسلة من سيولة المصارف  الغربيٌة، وإما أن تستقبل النقديٌة المرسلة من سيولة المصارف الغربيٌة هي الأخري أيضاً دوناً عن إستقبال النقديٌة المرسلة من سيولة المصارف الشرقيٌة، إلاٌ بعض المصارف التي تستقبل السيولة من الجهتين، كالتجاريٌ، كما تروج و تشاع الأحاديث المتداولة،” “وأودعها من لطفه وشماله * بدائع سحر في النهي متصرف”(1)  فلا يوجد للمصارف الجنوبيٌة سيولة ترسلها إلي الجهتين، ولا يوجد فيها سيولة توفرٌها لسكان المدينة، “المهم أن السيولة النقديٌة قد تم توفيرها للمصارف، وخلاص: يقول عبدالسلام أبوبكر حييٌ  أحد المواطنين الطلاب الذين يبيتون أمام المصرف التجاريٌ ينتظرون، قبل كل شيء،  الصرٌاف لفتح شبٌاكه عليهم، قبل أن يحل الله الصباح، إذا ماكان أحد يبالي بحلول صباح، ويصرف الصرٌاف السيولة، ويحصل الكل علي المرتب الشهريٌ الذي من المفترض أنهم قد استلموه قبل أربعة أشهر من هذا التاريخ”  وإذا ماتوخيٌنا الدقة في اللغة، وهذه جدليٌة أخري،  فإنه قد يحالف المواطنين الحظ في استلام المرتب،   فالصرٌاف هو الأخر، وفق ما تحققه هذه الجملة “يصرف الصرٌاف السيولة” من تلاعب، فلا يصرف، الصرٌاف، أي الموظف، السيولة  للمواطنين فحسب، أي المفعول بهم الغائبين، فكلمة “يصرف” هذه بالمعني النحويٌ ذات فعل إزدواجي مضارع، يمكٌنه من التلاعب أيضاً بصرف بالسيولة، مستغلاً الوظيفة، وتقسيمها إلي جهتين أخرتين بمعادلة إقتصادية ناجحة يكون فيها القسم الأول هو الأهم، أي العائلة و شبكة الأقارب والمعارف، و إذا حالف  “المتزاحمين” بعد أن كانوا “مواطنين” قبل قليل في الحصول علي نصف المرتب الشهريٌ بعد أن كان المرتب الشهريٌ، الذي من المفترض أنهم قد استلموه قبل أربعة أشهر من هذا التاريخ.

يروِ المواطن عبدالسلام أبوبكر قصته

اليوم الأول.

يقول:

” في تلك الليلة سمعنا عن توفٌر السيولة في المصارف، وأنها قد تفتح في اليومين القادمين، ولكن  من ضرب التشاؤم والتوجس، لم  أذهب في اليوم الأول  منذ توزيع السيولة، فسبب ذلك، والأسباب متعددة، أن شائعة السيوة المتوفرة  في مصرفي التجاري قد تكون كاذبة، عندها أكون أرهقت نفسي دون جدوي وأكون قد ضيعت وقتي بلا فائدة من المبيت وحدي أمام المصرف وقد أتعرٌض حينها للإبتزاز كذلك وأفقد هاتفي أو سيارتي أو حياتي حتي لأجل تلك الشائعة الغير مؤكٌدة، وأكون قد حذفت يوماً من الأسبوع في دفتر يومياتيٌ  وأفوٌت محاضراتي الدراسيٌة و بعض واجباتي الخاصٌة لوالديٌ في البيت .. باختصار ذلك اليوم ينقص من عمري، وإذا ماكانت الشائعة أكيدة فإنه من الصعب إن لم يكن ذلك بالمستحيل أنني أستطيع بلوغ شبٌاك الصرٌاف جرٌاء الإزدحامات المكثٌفة التي تحوط به والتي قتل بسببها أكثر من شخص في السابق، لا يمكنني المغامرة بنفسي يومذاك،  فأترك حصة اليوم الأول لهم، ومن ثم أجهز نفسي جيداً لليوم الثاني.”

المبيت في اليوم الثاني

يقول :

في اليوم الذي يلي اليوم الأول من فتح المصرف، وهذا اليوم تاريخي كما يترك لي إنطباعا عن تصوٌره دوماً،  أتغذٌي فيه جيداً بما يقدم علي سفرة الغذاء، وفي الليل أتعشي علي مايدفئني و  وأملأ بطني حتي بالخبز وحده، تناولت علي سفرة العشاء عصيدة بالسمن والأرب وكان أفضل ما يحول بيني وبين الجوع والبرد في الليل. أرتديت الفالينيا الصوفيٌة الشتوٌية، وأرتديت فوقها معطف أخي الكبير “حبيب “، لأن معاطفي الثلاثة لا أرتديها إلاٌ في الغالب، فقد تمزق معطفي الأول جرُاء مسمار بارز بجانب باب الزريبة بينما كنت أحاول إطعام أغنام  والدي، كان والدي يربيٌ الماشية مصدر رزقنا الوافر، ولم أكن أذهب إليها إلاٌ في الغالب كذلك، أما معطفي الثاني فكان قديماً ولم يعد يستوعب حجم جسدي ويبدو قصيراً عليه، أما معطفي الثالث فلا أرتديه إلاٌ عندما أذهب للكلية، فهو معطف الدراسة المخصص لها وحدها.  ختمت طقس الإرتداء ذاك بوضع القلنسوة السوداء المحكمة علي الرأس. أنتظرت قدومه، جهزنا البطانيٌتين في السيٌارة  ، وحملتُ حفنة تمر معي في كيس أسود، بينما أحضر معه إناء محكم مملوء حتي نصفه بحليب الأبل، وذهبت معيه، قريبي ” عبدالسلام عمر قداية” المهني لدي شركة الكهرباء. كانت الشوارع مظلمة ينير أرصفتها فنار السيارة. وصلنا المصرف. وجدنا أمامنا مايقرب سبعة أشخاص أعمارهم متراوحة السنيٌ، كان هناك” أبراهيم” الطالب الذي يلف رأسه بشماغ أصفر، و”يونس ” الدمث شرس الطباع، كما عرفت البقية ونسيت أسماءهم، حجزنا دورنا في مكان الطابور وجلسنا ندردش معهم لعلهم يحفظون وجوهنا وأماكننا في الطابور ولعلنا نعرفهم لكي لايحدث شجار كالعادة التي يحدث فيها لأجل مكان ما  في الطابور شجار، أضرم إبراهيم النار في الحطب الذي جمعه من الجوار، وذهب أخر ليجلب من سيارته مؤونة المكرونة. ذهبنا لنرتاح قليلاً داخل السيارة وتحت الأغطية. ودعونا  بطيب خاطرعندما طَهَواها ولكننا رفضنا.  مسحتُ البخار الذي يحجب الرؤية عن الزجاج وفوجئت.

كان علي الباب الأخر المقابل لنا، نسوة جالسات أمامه، مايقرب ستة أو أكثر، كنٌ يرتجفن من البرد، ولم يكن لديهن ما يحول بينهن وبين البرد سوي ألحفتهن وعباءاتهن السود، خائفات يتلفٌن بقلق و يحدقن حولهن وكأن شيء ما سوف يقع، أرسلوا إليهن منها،، طهارة المكرونة، صحن ساخن، وأرسلوا معها بعض البطانيات والأغطية للعجائز. تحدثنا ونحن نفرك بأيدينا علي أرجلنا متجنٌبين قدر الإمكان الروافد  التي تؤدي إلي الحديث عن الإنتماءات والقبيلة.  عندما دقت الساعة الثانية، وبينما كنت مستلقياً علي مقعد السيارة الخلفيٌ، سمعت حفيف رداء تلفحه الريح ووقع أقدام،  أدركت أنهن نساء أخريات، نظرت من زجاج النافذة، فرأيت شابة بيضاء مع أمرأة تبدو أنها أمها سرعان ما جلسن بجانب البقية الجالسات. أخذتنا الغفوة علي حين  فجأة  علي مقاعد السيارة أنذاك.  دقت الساعة الرابعة  عندما بدأ يزداد عدد طابور الرجال والنساء أمام الأبواب

العرمرم البشري، مارثون.

يقول:

بعد أذان الفجر بدأ أيقظنتي أصوات شجار عالية كانت بين “يونس الدمث” و “أبن البولنديٌة ” وسبب الخلاف كما هو معتاد كان علي مكان في الطابور، كليهما يريد أن يكون أمام الأخر رغم أنهما جاءا سويٌة   ، أستيقظ بقيٌة النيام وتجمٌعوا كل واحد منهم يدلي برأيه في المسألة لا لشيء إلاٌ لأن يضمن مكانه، أو يضمن مكاناً له، كان ليس له أصلاً ، في الطابور. حلت المشكلة بعد أن  كادت تتدخل البنادق المسدولة السيور علي الأكتاف، وقفت مكاني في الطابور من الساعة  الثامنة، مع طلوع الشمس ناحيتنا،  وبدأ الطابور يزداد طولاً وأفراده يزدادون عدداً، كان كلٌما أبتعد عن شبٌاك الصرٌاف يتلٌويٌ يميناً ويساراً  ويتعرٌج، في الساعة العاشرة  أنحشرنا علي بعضنا كل بطن زاحم في الطابور  تلتصق بظهر  الزاحم الذي أمامه. فتح الصرٌاف الشبٌاك، سمعنا أصوات الصراخ من جهة النساء ” شبشبي طاح” وأخري ” العباءة انقطعت” و” جوازي ضاع”  والتدافع في الطابور راح يزداد تدريجيُا  من الخلف ويضغط إلي الأمام في يوم حشر، كنت السابع تقريباً في الطابور  ولكنني، ولحسن حظي، قد أصبحت الرابع فيه، كان أمامي “إبراهيم ” الطالب ورجل خمسينيٌ لا أعرفه كان أمامه الأول علي الشبٌاك اسمه “عبد الله ” شره التدخين، كان العجوز يحاذي عبدالله علي الشباك بينما كنت أنا، جرٌاء التدافع العنيف خلفي، ألتصق به من الخلف ويحاذيني إبراهيم، وعلي اليسار بدا طابور أخر في التشكٌل يتقدم لإختراق طابورنا من الأمام ويصل مباشرة للشبٌاك، ولكننا تكاتفنا و قاومناه بعنف، أقتضت الخطة ” أ ” بأن نحضر ذاك البدين في منتصف طابورنا، فقد عرضنا عليه أن نسحب شيكاته مقابل أن يقف عائقاً أمام الطابور الذي يخترقنا، أما الخطة البديلة “ب” فأقتضت أن لا يتحرك الأمامييٌن عندما يقابلون الصرٌاف ويحصلو علي الشيك  من أماكنهم  حتي نسلم لهم صكوكنا ونحصل علي المبلغ، ولكن ظهر فجأة بينما كنا نسد الثغرات في طابورنا مجموعة من البهلوانييٌن يقفزون فوق رؤوسنا ومجموعة أخري من المتسلٌقين الذين كانوا يتشبثون بفتحة التهوية الواقعة فوق شبٌاك الصرٌاف، قفز أحدهم أولاً وكان اسمه “خالد” ومد شيكاته التي يبدو أنهما متٌفقان ريث استلامها من يد الصرٌاف ” محمد” كما كان يناديه، ولا شكٌ أن معرفة، صداقة، صلة قرابة، مصلحة، قبيلة ، كانت من يسٌر له ذلك، كان كلٌما يتمكٌن أحد من إختراق الطابور كلٌما يزداد التدافع من الخلفٌ ناحية الأمام، انقطع التنفس عندما لم يكن هنالك من متنفٌس سوي بداية الطابور، حيث الخلاص،  بدأت المشاجرات بعد الساعة الثانية عشر، والجميع ينظر ناحية الشبٌاك طامعاً في التمسٌك بقضبانه، لمحني أحد الأقارب وكان خارج الطابور وأسرع في اتجاهي، أحرجني  بعرضه المتوقٌع في أن أقبل صرف صكه له إن حالفني الحظ طبعاً في الوصول للشبٌاك، كان معي أربعة صكوك كلها للعائلة، واحد لوالدي والأخر لأخي حبيب، أما الصٌكين الآخرين فكانا لخالي، وكان يواجه مشكلة في ربط دفتر صكوكه بالمنظومة المصرفيٌة، فكان غير معروف أيٌ صك من الصكوك  مربوطاً في المنظومة ولذلك كنت أحمل صكيٌن إذا كان قد حالفني الحظ في سحب أحدهما من حسابه، أخذت من قريبي الصك وأنا أتوقٌع رفض الصرٌاف في سحبه، نجحت الخطة ” أ ” من الجهة التي كنت أنويٌ التقدم فيها إلي الصرٌاف والبدين لايزال  يحاذيني وأنفاس الشخص الملتصق خلفي تحرق رقبتي، كنت مثل كرة القدم الأمريكيٌة، يتلاعبون بتوازني ويدفعونني إلي كل اتجاه يتلوي فيه الطابور، ولكنها فرصة، فرصة واحدة فحسب، كان هي طريقي للخلاص، انخفضت مقرفصاً تحت الأقدام ولمحت فجوة بينها في الجدار تحت سبٌاك الصرٌاف مباشرة، كان الهواء فيها نقيٌا من روائح العرق والدخان و الأنفاس المقرفة و الأفواه المتعفنة، ومن أصوات العويل والشجار والسب والشتم الذي يصف كل عضو بتفاصيله، وسرعان ماعدت من جديد لمكاني الذي أقترب عندما سحب الأثنين اللذين كانا أمامي، حشرت يدي لأعطي الصرٌاف “محمد” صكوكيٌ وأنا أتوسٌل إليه لكي لا يردٌني، وبعد ربع ساعة من توقف المنظومة المصرفيٌة عن العمل استلم الصكوك واثبات الهويٌة” الجواز” بعد أن تناول السندويتشين ورشف من كوبه، رجعت المنظومة تعمل مرة أخري، كانت خمس مائة دينار لكل صك، فقدت حذائي عندما كان جمهورفي الطابور يحملني بينما كنت عالقاً أحاول الخروج وسط أجواء احتفالية من تهنئات ومباركات،  بحثت عن الغطاء الذي كنت أتدثر به فوجته تحت واحد من الجالسين فوق الصفيح المعدنيٌ، حملته معي فوق رأسي وخرجت وأنا أفكر فيما سوف تصرف هذه الخمس مائة، مبتسماً.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :