في ليبيا: الجميع يحكم ولا أحد يسيطر

في ليبيا: الجميع يحكم ولا أحد يسيطر

“الجميع يحكم ولا أحد يسيطر”.. بهذه الجملة اختصر موسى الكوني، العضو المستقيل من المجلس الرئاسي الليبي،  المأزق الذي وصل إليه أعضاء المجلس بعد تسعة أشهر من مباشرتهم مهامهم الفعلية من العاصمة الليبية طرابلس.

وتمكن المجلس الرئاسي، من وضع موازنة “ضخمة” للبلاد من 26 مليار دولار في 2017، لكنه أخفق في السيطرة على الأرض، التي تحكمها ميليشيات متناحرة، رغم امتلاكه صلاحية التعيينات في المناصب الرئيسية.

استقالة “الكوني” الاثنين الماضي، فاجأت الكثير من المتابعين للوضع في هذا البلد الغني بالنفط، خاصة وأنها جاءت بعد نقاش حاد حول مصير المجلس وحكومة الوفاق التي يقودها، بعد مرور أكثر من عام على توقيع اتفاق الصخيرات في 17  كانون الأول (ديسمبر) 2015، لتزيد تلك الاستقالة من جراح المجلس الرئاسي، بعد أن أصبح ثلث أعضائه التسعة إما مقاطعين لجلساته أو مستقيلين.

وقبل الحديث عن تداعيات هذه الاستقالة، لا بد من الرجوع إلى خلفياتها، والتي جاءت بعد يوم من إصدار عضو المجلس الرئاسي، فتحي المجبري (من إقليم برقة في الشرق الليبي) قرارات بتعيينات في مناصب حساسة مثل قائد جهاز المخابرات، وقوة مكافحة الإٍرهاب، ووزير العدل، الأمر الذي استدعى اعتراض عبد السلام كاجمان، عضو المجلس الرئاسي (محسوب على الإخوان المسلمين) على هذه القرارات، في بيان رسمي صدر له أمس الأول الأحد.

واتخذت تعيينات “المجبري” في الفترة من 28 ديسمبر2016 إلى الأول من كانون الثاني (يناير) 2017، فيما اعتبرها كاجمان “باطلة وغير قانونية”، كما أجّل فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، زيارته إلى العاصمة المصرية القاهرة بسبب هذه التطورات.

وأوضح مصدر حسن الإطلاع، أن فتحي المجبري، لم يتخذ قراراته تلك إلا بعد أن فوّضه السراج، بمهامه، بعد أن كان الأخير خارج البلاد.

وأشار المصدر إلى أن المجبري، الذي ينحدر من “واحة جالو”، جنوب منطقة الهلال النفطي، حيث تنتشر حقول النفط، جنوب شرقي البلاد، (منطقة خاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر) اجتمع مع ثلاثة أعضاء آخرين في المجلس الرئاسي، وهم أحمد معيتيق (مصراته) محمد العماري (إسلامي)، وموسى الكوني (الطوارق بالجنوب)، في غياب كاجمان (لأسباب غير واضحة)، والسراج، وعلي القطراني (عضو مقاطع يمثل حفتر)، وعمر القطراني (عضو مقاطع يمثل قبيلة الزنتان).

ولفت المصدر ذاته، إلى أن النائب فتح الله حسين عبد الكريم محمد، الذي عيّن رئيسا لجهاز المخابرات، موال بالكامل لـ”حفتر”، قائد القوات المنبثقة عن مجلس نواب طبرق بالشرق الليبي، كما أنه في الثلاثينات من العمر، ولا يملك خبرة في الميدان العسكري والاستخباري، لذلك تم التحفظ بشأنه حتى من أطراف في شرق ليبيا يفترض أنه ينتمي إليها.

واستغرب المصدر “صمت” كل من أحمد معيتيق، الذي يمثل مدينة مصراته، بشأن التعيينات الجديدة، خاصة في جهاز المخابرات، موضحا أن هذا “الصمت يفسر على أنه موافقة على هذه التعيينات، خاصة وأنها تمت بحضور معيتيق نفسه”.

ورجح المصدر أن تكون هناك صفقة تم التوافق عليها بين مصراته – تعتبر أكبر قوة عسكرية غربي البلاد – وخليفة حفتر – يمثل أكبر قوة عسكرية شرقيها – تقضي بتولي سالم جحا، أحد القيادات العسكرية لكتائب مصراته، (الملحق العسكري الحالي لليبيا في الإمارات العربية المتحدة)، منصب قائد أركان الجيش، خاصة وأن أبوظبي والقاهرة تعتبران بأنه أكثر اعتدالا من قيادات أخرى في مصراته.

“وفي المقابل، تقضي الصفقة بأن يتولى خليفة حفتر، منصب القائد الأعلى للجيش، ويتم توزيع بقية المناصب وفق التوزيع الجغرافي للأقاليم الثلاثة (طرابلس في الغرب، برقة في الشرق، فزان في الجنوب)”، بحسب المصدر.

غير أن اعتراض عبد السلام كاجمان، على التعيينات الأخيرة، واستقالة موسى الكوني، من المجلس الرئاسي، فضلا عن مقاطعة كل من علي القطراني، وعمر الأسود (منذ وصول المجلس إلى طرابلس)، يهدد بإضعاف المجلس الرئاسي أكثر، رغم أن مصادر للأناضول ترجح أن يتم الضغط على الكوني، للتراجع عن استقالته، وليس مستبعدا أن يتم إعادة النظر في التعيينات الجديدة أو على الأقل تعديلها.

فليس مستبعدا أن تكون استقالة الكوني، راجعة إلى تعيينات المجبري، الذي سبق له وأن وقف موقفا مؤيدا لسيطرة حفتر على الموانئ النفطية في أيلول (سبتمبر) الماضي، وهذا ما دفع الكوني إلى التصريح أن “الكل يحكم ولا أحد يسيطر”، في إشارة إلى أن أعضاء المجلس الرئاسي يوزعون المناصب والأموال ولكن ولا أحد فيهم يسيطر على الأرض، على حد توصيف المصدر المطلع.

وحول السيناريوهات التي تنتظر المجلس الرئاسي بعد استقالة الكوني، اعتبر المصدر ذاته، أن “المجلس الرئاسي ليس مشكلة في حد ذاته، لأنه أحد منتجات الاتفاق السياسي، والسؤال الأولى أن يطرح: هل سيصمد هذا الاتفاق أمام كل هذه التطورات؟”.

ولفت المصدر إلى أن المجلس الرئاسي عندما وصل إلى العاصمة طرابلس في 30 مارس2016، كانت له ثلاثة أهداف رئيسية؛ أولها القضاء على تنظيم “داعش” الإرهابي في مدينة سرت وضواحيها (شمال وسط)، والثاني إنهاء أزمة تصدير النفط، وثالثها توحيد البلاد.

وأضاف أن المجلس الرئاسي نجح في القضاء على “داعش” في سرت، بفضل قوات البنيان المرصوص، التي ينحدر معظم كتائبها من مصراته، كما استطاع إنهاء أزمة النفط (ارتفاع صادرات البلاد من أقل من 300 ألف برميل يوميا قبل أشهر، إلى 685 ألف برميل يوميا حاليا)، لكنه لحد الآن لم يتمكن من تحقيق الهدف الثالث المتمثل في توحيد البلاد.

ورغم أن العديد من الأطراف خاصة من شرق ليبيا، يتهمون المجلس الرئاسي بـ”الفشل خاصة في شرق ليبيا، بعد تعطيل عملية منح مجلس النواب الثقة لحكومة الوفاق”، إلا أن المصدر اعتبر أن “المجتمع الدولي لن يرفع الشرعية عن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، ولن يمنحها لا للحكومة المؤقتة في الشرق، ولا لحكومة الإنقاذ في الغرب، وسيبقى دعمه لحكومة الوفاق حتى ولو لم يبق في المجلس الرئاسي سوى شخص واحد”.

غير أن المصدر، أشار إلى أن هناك ضغوط شديدة تمارس لتعديل الاتفاق السياسي، بالنظر إلى التغيرات الكبيرة التي جرت بعد توقيع الاتفاق إلى اليوم، من بينها سيطرة “حفتر” على الموانئ النفطية، وقضاء كتائب مصراته على “داعش” في سرت، وتواجدهما (حفتر وكتائب مصراتة) على خط تماس بشكل مباشر لأول مرة.

بل وقعت مواجهات بين الطرفين في الجنوب (الجنوب الغربي)، واستولت قوات بقيادة محمد بن نايل، الموالي لحفتر على قاعدة “براك الشاطئ” الجوية شمال مدينة سبها، ثم محاولته السيطرة على القاعدة الجوية تمنهنت في سبها، لكنها فشلت بعد إرسال القوة الثالثة لمصراته تعزيزات عسكرية إلى الجنوب.

وفي ظل المعطيات السابقة، توقع المصدر بقاء المجلس الرئاسي في المرحلة القادمة “حتى ولو تغيرت الأسماء”، ولمّح إلى إمكانية تقليص عدد أعضائه من 9 إلى 3 أعضاء فقط يمثلون الأقاليم الثلاثة (طرابلس، برقة، فزان)، وتعديل المادة الثامنة من الاتفاق، بالشكل الذي يسمح بتعيين حفتر قائدا عاما للجيش الليبي، بالرغم من أن السيناريو المتوقع بعد ذلك انقلاب حفتر على الحكومة وإعلانه الأحكام العرفية، لذلك يتم الحوار مع كتائب مصراته، بشأن تولي سالم جحا، لمنصب قائد الأركان لمنع حدوث مثل هذا السيناريو، وإحداث توازن في الجيش المستقبلي بين حفتر ومصراته.

وأفاد المصدر أن الجزائر، أبلغت حفتر خلال زيارته الأخيرة إليها في ديسمبر الماضي، رفضها لأي إجراء (عسكري) على حدودها دون موافقتها، في إشارة إلى إعلان قيادات عسكرية موالية لحفتر، الاستعداد للسيطرة على العاصمة طرابلس.

وبهذا الخصوص، أوضح المصدر أن “الجزائر لا ترغب في أن ترى مصر على حدودها في حال سيطر حفتر على الغرب الليبي، لذلك يتم التنسيق بين الجزائر ومصر وتونس في الفترة الأخيرة، لإرضاء مصالح البلدان الثلاثة في ليبيا”.

غير أن الاتفاق بين قوات حفتر المتمركزة في إقليم برقة، وكتائب مصراته في إقليم طرابلس، من شأنه تهميش دور إقليم فزان في الجنوب الذي ينتمي إليه موسى الكوني، والذي لا يمثل ثقلا عسكريا وسياسيا كبيرا في البلاد، بالنظر إلى قلة عدد سكانه مقارنة بإقليمي طرابلس وبرقة، ناهيك عن تناحر مكوناته الثلاثة الرئيسية (طوارق، تبو، وعرب)، وتحوله لمنطقة نزاع بين القوة الثالثة (مصراته) واللواء المجحفل بقيادة محمد بن نايل (بقايا كتائب القذافي التي أعلنت ولاءها لحفتر).

واستقالة الكوني من المجلس الرئاسي، حتى وإن ضيّقت الخناق أكثر على حكومة السراج، إلا أن المرحلة القادمة من المتوقع أن تشهد حراكا دبلوماسيا دوليا وإقليميا لتعديل الاتفاق السياسي، بشكل يجدد روح الاتفاق، لكن التحدي الأكبر للمجلس الرئاسي سيتمثل في توحيد أقاليم البلاد الثلاثة تحت سلطة واحدة، تسمح بالمرور إلى مرحلة انتقالية، تنتهي بانتخاب حكومة جديدة، تخضع لها المؤسسة العسكرية بعد سحب السلاح من جميع المليشيات.

 

 

 

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :