معذبو الارض

معذبو الارض

كتب :: عابد الفيتوري

يمثل كتاب ” معذبو الارض ” لمؤلفه ” فرانتز فانون ” آخر مؤلفاته ومرحلة النضج الفكري لصياغة الدور الذي حدده لنفسة عندما قرر الانخراط في صفوف الثورة الجزائرية ، او بالاحرى الثورة الافريقية ليحمل عبء تمزيق احشاء المستعمر الاجنبي الفرنسي ، والوقوف في وجه تطلعاته التوسعية ليس فقط على حساب الشعب والوطن الجزائر ، بل والامم الافريقية جمعاء . فاضحا لجرائمه المتوحشة في حق الشعوب المطالبة بالحرية والاستقلال ، تلك الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي بأسم الثقافة والحضارة الغربية ، وليتخذ من الجزائر والثورة الجزائرية موقعا وموقفا للمقاومة وللاخذ باسباب تحطيم آمال الفرنسيين وانصار الجزائر الفرنسية . L Algerie Francaise
هاجر إلى فرنسا من جزيرة مارتنيك الفرنسية (في البحر الكاريبي) حيث ولد وتربي. هاجر إلى الجزائر، وصار واحدا من فلاسفة الثورة الجزائرية، لكنه توفي عام 1961قبل أن يرى تحقيق حلمه، اى قبل سنة من استقلال الجزائر .
حملت افتاحية الكتاب قولته الشهيرة : ” سواء أقلنا تحريراً وطنياً، نهضة قومية، انبعاثاً شعبياً، أم اتحاداً بين الشعوب؛ وكيفما كانت العناوين المستعملة والمصطلحات الجديدة، فإن محو الاستعمار إن هو إلا حدث عنف دائماً ” .
انتماءه إلى عصر لا يحول دون تمكينه من إغناء عصرنا بأشياء كثيرة .. لقد تهيأ لفانون ان يعيش اللحظة التاريخية عن قرب ، وترعرع في كنف البيئة الفكرية والانتاج الثقافي الفرنسي ، وسبر اغوار التيارات الفكرية ، وتعامل بجدية مع ذاك المناخ الفكري المتعدد المتنوع من أجل استيعاب المستجدات النظرية ، وتمثلها ، وبالتالي استثمارها في بوثقة انتاجه الفكري ، وفي تحديد مساره وخياره ، وقد تبلور بانحيازه الى تيار اليسار ، والى المساندة المطلقة للثورة الجزائرية وللشعب الجزائري الذي يرزح تحت ذات الوطأة التي يئن بألآمها ، ويتوجع بهمجيتها شعبه الصغير في موطنه الاصلي ” جزر الانتيل ” ، بل وافريقية الفرنسية بوجه عام . عبر طريق طويل من النضال بالقلم والكلمة بدأ من مقالات صحيفة ” المجاهد ” الناطق باسم الثورة الجزائرية ، ” سيويولجية ثورة ” ، ” وجوه سوداء بأقنعة بيضاء ” ، ” وانتهاء بخلاصة التجربة ” معذبو الارض ” . و في عام 1960، أوفدته الحكومة المؤقّتة للثورة سفيراً لها في غانا التي كانت المركز الفعليّ لحركة الوحدة الأفريقية .. ومن بعدها الى مؤتمرات شتى ممثلا لها .
لقد سعت فرنسا بكل ما في وسعها عندما احتلت الجزائر الى حرق وتدمير الارث الثقافي وكل ما يتعلق بالثقافة الوطنية لردم هوة الاختلاف الحضاري والثقافي بين الشعبين ، بل انها في لحظة ما وعندما وجدت نفسها في مواجهة صعوبات جمة لتحقيق اهدافها ، واصبحت عاجزة بالتزامن مع انبلاج فجر الثورة الجزائرية في صبيحة اول نوفمبر 1954 ، سعت الى التظاهر بالحاجة اعلان سياسات توفيقية في محاولة لاخماد نار الثورة . لقد ادرك فانون مطامح المستعمر التي تميزت بالنهب والسلب والتدمير والاستغلال ثارة ، وبنهج الاستلاب الثقافي ثارة اخرى . فسعى الى توسيع شبكته السرية مع الطبقة المثقفة من اجل حتها على القيام بدورها وقيادة الحركة النضالية ليس في الجزائر فحسب ، بل وفي عموم افريقيا وداخل فرنسا ذاتها . نلحظ هذا بوضوح عندما نجد فرانس جونسون أحد اقطاب اليسار الفرنسي البارزين يختار كتابة مقدمة كتاب فانون ” وجوه سوداء بأقنعة بيضاء ” كتشجيع لأفكاره الثورية . وفي المقابل انبرت تجربة فانون مع اليسار الفرنسي ايضا على مواقفه النقدية له بسبب عدم حسم هذا اليسار لموقفه من الاستعمار الفرنسي بشكل خاص ، والاستعمار الغربي بشكل عام .
يرى فانون ان كارثة الإنسان الأسود تكمن في واقع أنه تعرّض للاستعباد.. كارثة الإنسان الأبيض ولا إنسانيته تكمنان في واقع أنّه أقدم في مكان ما على قتل الإنسان .
وفي سعيه لبيان الدور الذي اراده للمثقف بدأ بالتنديد بالاعمال الاجرامية الوحشية التي اتسمت بها مرحلة الخمسينات والتي تجاوزها التاريخ ، الى تحرير الثقافة واهمية تشكيل وعي قومي يقف صامدا وسدا منيعا في وجه العصاب الاستعماري وحالة الاستلاب الثقافي الممارس والتي ما انفك المستعمر يؤطر لها ، ينبه المثقف لدوره المتوخى منه تزامنا وضرورات المرحلة ، ويوجه لتعرية محاولة المستعمر تجريد البلاد المستعمرة من تاريخها وماضيها ، وسبيله الى ذلك استثمار حقل الثقافة لاقناع السكان الاصليين بعجز القيم السائدة عن تقديم تصور لمستقبل واعد لهم يحقق طموحاتهم . ولم يكتفي بتحديد دور المثقف المستعمر في تعرية هذه الاكاذيب ، وخوض المعركة بانعاش الثقافة القومية للشعوب المستعمرة وتحريرها من هذا الاحتقار . بل وفتح ابواب مستقبل يعزز الامل بالعمل ، وذلك لا يتأتى برأيه دون الانخراط في المعركة جسدا وروحا . انك لا تستطيع ان تقوي الامل ، وان تهب له عمقا وكثافة ما لم تشارك في العمل . وان تشارك في المعركة بعضلاتك ، فمسؤولية المثقف هي مسؤولية شاملة لا تنحصر في تحرير الثقافة القومية واحياء قيمها بندر القلم فقط ، بل بقبضات الايدي ، بالقتال والمواجهة في ميادين المعارك حيث يخوض الشعب المعركة الحقيقية ، لذا يثني على ما يفعله اولئك الرجال والنساء الذين يقاتلون الاستعمار الفرنسي في الجزائر بقبضات ايديهم العزلاء . لذا يؤكد فانون على نهج المقاومة المتعددة الطرق والاساليب والاصعدة المختلفة : بالسلاح والثقافة والفكر والفن ، والسياسة كوسيلة للتحرر .
قبل وفاته بسنوات قليلة، كتب إدوارد سعيد بحثا أكاديميا حول فانون . قال في حقه : ” إنه ربما لو بقي حيا، لهاجر إلى فلسطين، للاشتراك في الثورة ضد الاحتلال الإسرائيلي ” .. اما الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي كتب توطئة كتاب فانون ” معذبو الارض ” فقد اهاب بالاوربيين قراءة الكتاب قائلا : ” ايها الاوربيون ، اقرأوا هذا الكتاب ، ادخلوا فيه . فبعد ان تسيروا بضع خطوات في الظلام ستجدون أناسا أجانب قد تحلقوا حولنا النار . اقتربوا منهم ، واصغوا اليهم .. لعلكم قائلون لماذا نقرؤه .. ان فانون يشرح امركم لاخوته “.
وفي اشادته بدور فانون ومعانقته الثورة الجزائرية . قال عنه ابرز قادة الثورة احمد بن بلا : ” لم يكن فانون رفيق في المعركة فحسب ، بل كان مرشدا وموجها ، لانه ترك لنا من انتاجه الفكري والسياسي ما هو ضمانة للثورة الجزائرية ”
كتاب فرانتز فانون ” معذبو الارض ” كتاب يفرض على المرء قراءته .

عابد

• فرانتز فانون . معذبو الارض . ت : د . سامي الدروبي . د . جمال الاتاسي . دار القلم . بيروت . لبنان .

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :