هل يشعر سكان الجنوب الليبي أنهم مواطنون من الدرجة الثانية؟

هل يشعر سكان الجنوب الليبي أنهم مواطنون من الدرجة الثانية؟

  • استطلاع | منى توكا شها

يُعد سؤال “المواطنة المتساوية” في ليبيا من أكثر الأسئلة حساسية وعمقًا، خصوصًا عندما يُطرح من الجنوب الليبي، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة، وتتقاطع الخدمات مع التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، ويصبح الشعور بالانتماء محل نقاش دائم بين الدولة والمجتمع.

في هذا الاستطلاع، نفتح المجال أمام أصوات من مدن الجنوب المختلفة، للحديث عن تجربتهم المباشرة مع الخدمات، والتمثيل، والقرارات، والشعور العام بالمساواة داخل الدولة الليبية، من خلال سؤال واحد:

هل شعرت يومًا أن سكان الجنوب يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية؟ ولماذا؟

ضغط الخدمات

صلاح إبراهيم – سبها:

يقول صلاح إبراهيم من سبها إن هذا الشعور بات، بحسب تعبيره، “متأصلًا في عقول الجنوبيين”، مشيرًا إلى أنه يتجلى في أكثر من مستوى من الحياة اليومية.

ويوضح أن بعض النظرات الموجهة نحو الجنوب تقوم على الاستعطاف والشفقة، وتُبرَّر بعوامل جغرافية مثل بُعد المسافة وطبيعة المناخ الصحراوي، في حين تُستخدم هذه الصورة، حسب رأيه، في تبرير ضعف الخدمات المحلية والحاجة الدائمة إلى المركزية فيما يتعلق بالعلاج والإجراءات الإدارية.

ويضيف أن أكثر ما يعمّق هذا الإحساس هو حالة التهميش خلال الأزمات، واللجوء المستمر إلى المناشدات والمطالبات حتى في أبسط الحقوق الخدمية التي يفترض أن تكون متوفرة بشكل طبيعي لكل المواطنين، وليست امتيازات أو كماليات.

ويشير في هذا السياق إلى استمرار أزمة المحروقات لسنوات، إلى جانب مشاكل الكهرباء، وما يصفه بالتجاهل غير المبرر لتدهور شبكات البنية التحتية في المدن الجنوبية.

قرارات تعسفية

سيف سيدا – القطرون:

يرى سيف سيدا من القطرون أن قمة الشعور بالتهميش والإقصاء تتجلى في حرمان المواطن من أبسط مقومات الحياة الأساسية، وعلى رأسها الوقود وغاز الطهو، مع مقارنة وضع الجنوب بمناطق أخرى تنعم بهذه الخدمات بشكل أفضل.

ويضيف أن هذا الإحساس يتعمق أكثر بسبب ما يعتبره قرارات تعسفية لا تراعي خصوصية المنطقة الجغرافية، مثل حظر السيارات الصحراوية في الجنوب رغم طبيعته الوعرة، بذريعة مكافحة التهريب، في حين أن مناطق أخرى مثل أجدابيا وطبرق وتازربو تشهد، بحسب قوله، معدلات تهريب أعلى دون تطبيق نفس القيود.

ويؤكد أن هذا التباين في التعامل يعزز شعورًا عامًا لدى سكان الجنوب بأنهم يُعاملون بشكل مختلف، ما يرسخ لديهم الإحساس بأنهم مواطنون من درجة أقل مقارنة بغيرهم.

التهميش الخدمي

منتصر بالله الفاخري – سبها:

يجيب منتصر بالله الفاخري من سبها على سؤال الشعور بالمساواة داخل الدولة الليبية، قائلاً :إن هذا الإحساس يتكرر أحيانًا نتيجة ما يراه من أولوية تُمنح لمدن أخرى في الشرق أو الغرب، سواء في مستوى الخدمات أو المشاريع أو حتى في أبسط الحقوق الأساسية.

ويشير إلى أن الجنوب، بحسب وصفه، غالبًا ما يشعر بأنه “آخر لقمة في الصونية”، موضحًا أنه في حال توفر الميزانيات فإن نصيب الجنوب يكون أقل، وإن وُجدت مشاريع فإنها تصل متأخرة أو لا تصل أصلًا.

ويضيف أن هذا الإحساس لا يتوقف عند الجانب الخدمي فقط، بل يمتد إلى التمثيل السياسي، حيث يرى أن حضور الجنوب في الحكومات والوزارات والسفارات والقرارات الكبرى ضعيف جدًا، وكأن صوته غير مسموع بالشكل الذي يتناسب مع حجمه وتضحياته.

كما يلفت إلى أن بعض المسؤولين المحسوبين على الجنوب قد يساهمون، من وجهة نظره، في تعميق هذا الشعور، بسبب صمتهم أو ترددهم في المطالبة بحقوق مناطقهم، ما يزيد من إحساس الناس بالتهميش.

وعند سؤاله عن أكثر ما يعزز هذا الشعور، يوضح أن الأزمات اليومية المتكررة في الجنوب، مثل نقص الوقود وانقطاع الكهرباء وشح السيولة وتراجع الخدمات، تجعل المواطن يعيش تحت ضغط مستمر، ويشعر بأنه يتحمل أعباء تفوق قدرته.

ويختتم بالإشارة إلى غياب الصوت الذي يمثل الجنوب بشكل فعّال، قائلاً: إن الناس لا يجدون من ينقل معاناتهم بوضوح، سواء من نواب أو وزراء أو مسؤولين، ما يجعل الجنوب حاضرًا في الخطاب فقط، بينما يظل في الواقع في آخر سلم الأولويات، رغم أن سكانه، بحسب قوله، يستحقون نفس مستوى الاهتمام والخدمات والاحترام مثل باقي مناطق ليبيا.

بين الواقع والخطاب

الصالحة الدماري – الشاطئ:

تقول الصالحة الدماري إنه يمكن تفكيك الواقع المعاش من خلال أكثر من زاوية، موضحة أن فكرة تصنيف المواطنين إلى درجات هي معاناة عامة يشكو منها الجميع في ليبيا، سواء في الجنوب أو الشرق أو الغرب.

وتضيف أن هذا التمييز موجود بالفعل لكنه لا يقتصر على الجنوب، بل يرتبط باعتبارات اجتماعية أوسع مثل اللون والمناطقية والنفوذ العائلي والقبلي، وهي ظاهرة مجتمعية شاملة يتضرر منها مختلف الليبيين بدرجات متفاوتة.

وترى أن جزءًا من الإحساس بالتهميش قد يكون ناتجًا عن تكرار هذا الخطاب داخل المجتمع نفسه، حيث يتحول مع الوقت إلى حالة ذهنية شبه ثابتة، تشبه ما تصفه بـ“المظلومية المكتسبة”، والتي قد تدفع إلى تبني موقع الضحية بدل التركيز على المبادرة وإثبات الكفاءة.

وفي المقابل، تشير إلى أن ما يمكن اعتباره تهميشًا حقيقيًا يرتبط بالجانب الخدمي والإداري، وليس الاجتماعي بين المواطنين. وتوضح أن ذلك يظهر في ضعف الخدمات، وشح السيولة، وتكرار أزمات الوقود والبنية التحتية، وهو ما تتحمل مسؤوليته الحكومات المتعاقبة والمركزية الإدارية، وليس المجتمع.

وتختم بأن معالجة هذا الواقع تبدأ من الداخل عبر تقليل الاعتماد على خطاب المظلومية، مقابل تعزيز العمل والقدرة على فرض الحضور بالكفاءة، إلى جانب الاستمرار في المطالبة بالحقوق التنموية والخدمية المشروعة.

تآكل الخدمة

علي سعيدي يقول:  إن ما يجري في ملف  الكهرباء وبقية الخدمات لم يعد مجرد أعطال متكررة، بل نمطًا يوميًا من التدهور يعيد، بحسب تعبيره، طرح سؤال المواطنة المتساوية داخل الدولة بشكل مباشر، خصوصًا عندما تصبح الخدمة الأساسية غير مستقرة لفترات طويلة دون حلول جذرية.

ويضيف أن توالي الأعطال في  نقاط مختلفة، وتكرار نفس المشاهد من إصلاح مؤقت يعقبه انقطاع جديد، خلق حالة من الإرهاق لدى السكان، الذين باتوا يتعاملون مع الخدمة وكأنها

 وضع طارئ دائم وليس بنية تحتية مستقرة.

كما يشير إلى أن بعض الإجراءات المرتبطة بالصيانة أو الإصلاح، والتي يُطلب فيها من المواطنين المساهمة المالية، تزيد من شعور الضغط، خاصة مع غياب وضوح كافٍ حول الميزانيات أو آليات التنفيذ، وهو  ما يفتح، بحسب رأيه، تساؤلات حول إدارة القطاع.

ويرى أن هذا الواقع لا يمكن فصله عن النقاش الأوسع حول التفاوت في مستوى الخدمات بين المناطق، معتبرًا أن استمرار هذا النمط يعزز الإحساس بأن الجنوب يعيش داخل معادلة خدمات مختلفة عن باقي البلاد.

ويختم بالتأكيد على أن ما يطلبه المواطن بسيط وواضح: خدمة مستقرة وحق أساسي في الكهرباء دون انقطاع مستمر، معتبرًا أن غياب هذا الحد الأدنى من الاستقرار هو ما يجعل سؤال “المواطنة من الدرجة الثانية” حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.

نفوذ القبيلة

محمد قلمي – الكفرة:

يقول محمد قلمي من الكفرة إن الشعور باعتبار أهل الجنوب مواطنون من الدرجة الثانية شعور دائم وممتد، وليس مرتبطًا بلحظة عابرة، مشيرًا إلى أن هذا الإحساس يتشكل من عدة معايير إقليمية متداخلة يشعر بها المواطنون في مختلف المناطق.

ويضيف أن أحد أبرز هذه المعايير يرتبط بالبنية القبلية في ليبيا، موضحًا أن الدولة، بحسب وصفه، تحتوي على العديد من القبائل، خصوصًا في منطقتي برقة والجنوب، وأن النفوذ القبلي لبعض القبائل الكبرى جعل لها الكلمة العليا في إدارة الشأن العام، وهو ما أدى إلى تهميش قبائل أخرى لا تمتلك نفس النفوذ، مما يخلق صراعات داخلية قد تهدد الاستقرار في المنطقة.

ويشير كذلك إلى عامل آخر يتمثل في وجود ما يصفه بالعنصرية المبنية على اللون، حيث يقول إن بعض الفئات في الشرق والجنوب تنظر إلى ذوي البشرة السمراء بنوع من الدونية، بل وتعتبرهم في بعض الأحيان غير ليبيين، وإنما وافدون من دول الجوار الأفريقي، وهو ما يضيف، بحسب رأيه، بعدًا آخر من التوتر إلى جانب الصراع القبلي.

ويرى أن تداخل الصراعين القبلي والعنصري يؤدي إلى حالة من الضعف والتفكك داخل المنطقة، وينعكس ذلك على تهميش الكفاءات العلمية والقيادية، لصالح أصحاب النفوذ، مما يخلق فجوة بين القاعدة الشعبية والقيادات العليا، ويؤدي إلى تراجع تمثيل مصالح المواطنين.

كما يذهب إلى أن جزءًا من الأزمة مرتبط، من وجهة نظره، بغياب الإرادة الوطنية لدى بعض القيادات العليا، التي تركز على مصالحها الشخصية، وتتعامل مع موارد الجنوب كمصدر منفعة، في ظل غياب أصوات فاعلة تدافع عن حقوق المنطقة، أو يتم استيعابها ضمن منظومات الفساد القائمة، وهو ما يساهم في استمرار تهميش الجنوب رغم مساهمته الاقتصادية في البلاد من النفط والزراعة وغيرها.

ويختم بأن هذه أبرز الأسباب التي تتبادر إلى ذهنه، مع التأكيد أنها ليست كل الأسباب، لكنها الأكثر حضورًا في تفسير هذا الواقع من وجهة نظره.

ضعف التمثيل

خيرية آموال – غات:

تقول خيرية آموال من غات إنها شعرت بهذا الإحساس أكثر من مرة، متسائلة عن سبب غياب تمثيل واضح لأبناء الجنوب في بعض المحافل والأنشطة الوطنية، رغم وجود كفاءات ومؤهلات، بحسب قولها، لا تقل عن غيرها في باقي المناطق.

وتضيف أن بعض الفعاليات على مستوى ليبيا، مثل أنشطة الكشافة وغيرها، غالبًا ما تكون لجانها من الشرق والغرب، في حين يغيب تمثيل الجنوب بشكل ملحوظ، وهو ما يطرح تساؤلات حول فرص المشاركة الشبابية وتوزيعها العادل.

وترى أن جزءًا من المشكلة مرتبط، من وجهة نظرها، بكون الجنوب “غير مسموع”، مشيرة إلى أن بعض المسؤولين عند توليهم مناصب عليا قد ينقطع تواصلهم مع قضايا مناطقهم، وكأنهم أصبحوا بعيدين عنها، سواء كانوا من الشرق أو الغرب.

كما تشير إلى استمرار الأزمات الخدمية في الجنوب، وعلى رأسها أزمة الوقود التي لم تُحل بشكل جذري، إلى جانب أزمة الكهرباء، وإغلاق مطار المنطقة لفترات طويلة، ما يزيد من صعوبة التنقل، حيث تبعد أقرب المدن مسافات طويلة مثل غات وأوباري.

وتضيف أن تدهور الطرق وامتداد أعمال الصيانة لسنوات طويلة يجعل التنقل إلى العاصمة أو المدن الكبرى مرهقًا للغاية، ويضاعف من معاناة المرضى والمواطنين بشكل عام، في ظل غياب بدائل نقل فعالة أو بنية تحتية مستقرة.

مخاطر الحياة اليومية

أحمد رامي – تجرهي:

يقول أحمد رامي من سكان  تجرهي إن سؤال “هل يُعامل مواطنو الجنوب كمواطنين من الدرجة الثانية؟” لا يُطرح بالنسبة له كفكرة نظرية، بل كواقع يومي يظهر في تفاصيل الحياة الأساسية.

ويوضح أن هذا الإحساس يتغذى من ظروف معيشية وصحية صعبة تتكرر دون حلول جذرية، ما يجعل سكان مناطق بعينها يشعرون بأن مستوى الحماية والخدمات لا يتساوى مع باقي البلاد.

ويشير إلى أن من أخطر ما يعيشه السكان هو غياب استجابة صحية عاجلة وفعّالة في حالات لدغات العقارب، التي تتكرر سنويًا في المنطقة وتؤدي إلى وفيات كان يمكن تفاديها في حال توفر أمصال ومراكز إسعاف مجهزة بشكل كافٍ.

ويؤكد أن استمرار هذا الوضع يجعل “الوقت” عاملًا حاسمًا بين الحياة والموت، وهو ما يعمّق لديهم الإحساس بعدم المساواة في الحق في العلاج.

كما يضيف أن معاناة النساء في  الجنوب تمثل جانبًا آخر من هذا الواقع، إذ تضطر العديد منهن إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مستشفيات مجهزة  من أجل الولادة، وهو ما يجعل تجربة أساسية مثل الحمل والولادة محفوفة بالمخاطر، خصوصًا في ظل ضعف وسائل

 النقل وصعوبة الطرق وغياب المراكز القريبة المؤهلة

ويرى أن تكرار هذه الظروف من -غياب العلاج الطارئ إلى صعوبة الوصول للخدمات الأساسية- هو ما يجعل فكرة “المواطنة من الدرجة الثانية” حاضرة في الوعي اليومي للسكان، ليس كشعار سياسي، بل  كتجربة معيشة مرتبطة مباشرة بالحق في الحياة والرعاية والكرامة.

تتعدد الأصوات، وتختلف  التفسيرات، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو وجود شعور عميق وممتد لدى جزء كبير من سكان الجنوب بأنهم خارج مركز الاهتمام الفعلي للدولة، سواء في الخدمات أو التمثيل أو القرارات.

وبين من يرى أن المشكلة بنيوية في الدولة، ومن يرى أنها أيضًا مرتبطة بالخطاب الاجتماعي الداخلي، يبقى الجنوب الليبي في قلب سؤال أكبر: هل المشكلة في “مواطنة منقوصة”، أم في دولة لم تكتمل بعد؟.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :