- ادريس بن جديرية
في متابعة لتصريحي السابق عبر سبوتنيك عربي بتاريخ 7 نوفمبر 2024، مع بداية استلام ترامب لولايته الثانية، يبدو اليوم أن جزءًا مهمًا من تلك القراءة بدأ يقترب من الواقع السياسي الليبي، خاصة مع التحركات الأمريكية الجديدة، والدفع نحو توحيد الميزانية، والسعي لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، إلى جانب محاولة تحريك المسار السياسي ضمن تفاهمات إقليمية ودولية أوسع.
فالمشهد الحالي يوحي بأن واشنطن لم تعد تنظر إلى ليبيا فقط كملف أزمة داخلية، بل كجزء من إعادة ترتيب النفوذ في المتوسط وأفريقيا، في ظل التنافس الدولي، وتصاعد أهمية ملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي. ولهذا أصبحت الإدارة الأمريكية أكثر اهتمامًا بإيجاد حد أدنى من الاستقرار المؤسسي داخل ليبيا، خصوصًا على المستويين المالي والعسكري.
كما أن الحديث عن توحيد الميزانية لا يمكن اعتباره مجرد إجراء اقتصادي فقط، بل خطوة سياسية وأمنية تمهد لتقليص حالة الانقسام، وتفتح الطريق أمام مؤسسات أكثر تماسكًا وقدرة على إدارة الدولة بصورة أفضل. وكذلك الأمر بالنسبة للمؤسسة العسكرية، حيث بات واضحًا أن هناك قناعة دولية متزايدة بأن أي مسار سياسي لن ينجح دون إطار أمني موحد وأكثر تنظيمًا وقدرة على فرض الاستقرار.
وفي هذا السياق، يبدو أن التفاهمات الإقليمية، خاصة بين مصر وتركيا، أصبحت عنصرًا أساسيًا في دعم أي مبادرة أمريكية أو دولية، لأن الطرفين يمتلكان تأثيرًا مباشرًا على القوى الفاعلة شرقًا وغربًا. وربما تدرك واشنطن أن نجاح أي تسوية يتطلب غطاءً إقليميًا قادرًا على إقناع الأطراف الليبية المترددة أو ممارسة الضغط عليها.
وفي تقديري، فإن الدور التركي تحديدًا قد يكون أكثر تأثيرًا داخل غرب ليبيا إذا توفرت إرادة حقيقية للدفع نحو التسوية، بينما ترى مصر أن استقرار ليبيا يمثل ضرورة مباشرة لأمنها القومي، وهو ما يجعل التفاهم بين القاهرة وأنقرة عاملًا مهمًا في هذه المرحلة.
أما الأطراف التي ما تزال تعارض هذا المسار، فيبدو أن جزءًا كبيرًا من اعتراضها لا يرتبط بمشروع وطني بقدر ما يرتبط بمصالح ضيقة تشكلت خلال سنوات الانقسام والفوضى. ولهذا فإن قدرتها على التعطيل قد تتراجع في حال وجود جدية أمريكية حقيقية، وتوافق إقليمي ودولي داعم، لأن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولًا لدى كثير من الأطراف الخارجية.
ومن هنا يمكن القول إن بعض القوى المستفيدة من الانقسام قد تكون بالفعل أمام لحظتها الأخيرة، خاصة إذا استمر الدفع نحو توحيد المؤسسات المالية والعسكرية والسياسية، لأن نجاح هذا المسار يعني تدريجيًا إنهاء بيئة الفوضى التي سمحت بتضخم النفوذ والمصالح الضيقة خلال السنوات الماضية.
وفيما يتعلق برأي الشعب الليبي، فبكل تأكيد يبقى الليبيون هم أصحاب المصلحة الحقيقية، لأنهم من يعيشون يوميًا تداعيات الأزمة والانقسام والمعاناة الاقتصادية والأمنية. ولهذا أصبح هناك إدراك متزايد لدى شريحة واسعة من الليبيين بأن أي حل، مهما كانت طبيعته، يجب أن يبدأ أولًا بتحقيق الأمن والاستقرار، وفرض سلطة الدولة، والعمل على نزع السلاح وحل التشكيلات المسلحة، باعتبار أن استمرار الفوضى الأمنية كان أحد أبرز أسباب تعطيل بناء الدولة وإطالة أمد الأزمة طوال السنوات الماضية.
كما نعتقد أن استمرار الضغط الدولي، بالتوازي مع تنامي القناعة الداخلية بضرورة إنهاء حالة الانقسام، قد يؤتي ثماره خلال المرحلة المقبلة، ويفتح الباب أمام إنجاز حل يؤسس لمرحلة جديدة في ليبيا، تقوم على توحيد المؤسسات، وإعادة بناء الدولة، وتحريك المياه الراكدة التي ظلت تعيق أي تقدم سياسي حقيقي طوال السنوات الماضية.
ورغم صعوبة المشهد وتعقيداته، فإن ما يحدث اليوم قد يمثل فرصة مختلفة، ليس لأن الخلافات انتهت، بل لأن كثيرًا من الأطراف الدولية والإقليمية باتت تدرك أن استمرار الفوضى والانقسام أصبح خطرًا على الجميع، وأن استقرار ليبيا لم يعد قضية محلية فقط، بل جزءًا من أمن واستقرار المنطقة بأكملها.














