- أبوبكر بن خيلب. أستاذ القانون الخاص – جامعة سبها.
تُعد الجريمة العابرة للحدود الوطنية من أبرز التحديات القانونية المعاصرة، لما تثيره من إشكاليات تتعلق بمدى قدرة التشريعات الوطنية على مواجهة أنماط إجرامية تتجاوز حدود الدولة، ومدى التوفيق بين تطبيق القواعد العقابية الداخلية والالتزامات الدولية الناشئة عن الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (اتفاقية باليرمو لسنة 2000).
وتبرز هذه الإشكالية في النظام القانوني الليبي من خلال التساؤل حول مدى كفاية النصوص العقابية الوطنية لملاحقة هذه الجرائم، وطبيعة العلاقة بين التشريع الداخلي والاتفاقيات الدولية، بما يضمن فاعلية المواجهة الجنائية دون المساس بمبدأ الشرعية الجنائية القائم على قاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.
العلاقة بين التشريع الوطني والالتزامات الدولية.
إن العلاقة بين قانون العقوبات الليبي والتشريعات المكملة له من جهة، والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من جهة أخرى، لا تقوم على التعارض أو إلغاء أحدهما للآخر، وإنما تقوم على التكامل وتحديد الأدوار.
فالغاية الأساسية من التجريم والعقاب هي حماية المصالح الجوهرية للمجتمع، سواء كانت داخلية أو ذات امتداد دولي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأفعال تهدد أمن الدول واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
وتظل الاتفاقيات الدولية، رغم أهميتها، بحاجة إلى آليات تنفيذ وطنية تكفل تطبيقها داخل النظام القانوني للدولة، باعتبار أن النص الجنائي الوطني هو الإطار المباشر لإنزال العقوبة وضمان احترام مبدأ المشروعية.
غياب المصطلح لا يعني غياب الحماية الجنائية.
وقد يثار تساؤل حول عدم ورود مصطلح “الجريمة العابرة للحدود” بصورة صريحة في قانون العقوبات الليبي الصادر سنة 1953، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود فراغ تشريعي.
فالعبرة في القانون الجنائي ليست بالألفاظ المستحدثة، وإنما بطبيعة الفعل المرتكب وأركانه والعناصر التي يقوم عليها، ومدى اعتدائه على المصلحة التي يحميها القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن عددًا من الجرائم التي عرفها التشريع الليبي، مثل جرائم الإرهاب، وتزييف العملات، والاتجار بالبشر، والهجرة غير النظامية، وغيرها من الجرائم ذات الامتداد الدولي، تدخل ضمن نطاق المواجهة الجنائية متى توافرت عناصرها القانونية.
الاختصاص الجنائي الليبي وامتداد أثر الجريمة.
وقد نظم المشرع الليبي مسألة تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان من خلال المبادئ العامة للاختصاص، ومنها مبدأ الإقليمية ومبدأ العينية، بما يسمح بملاحقة بعض الأفعال التي تقع خارج الإقليم الليبي إذا امتدت آثارها إلى الداخل أو مست مصالح يحميها القانون الوطني.
وهذا لا يعد توسعًا غير مشروع في نطاق التجريم، وإنما تطبيقًا للقواعد القانونية القائمة التي تراعي طبيعة الجرائم الحديثة التي لم تعد محصورة داخل الحدود الجغرافية للدولة.
اتفاقية باليرمو ودورها في دعم التعاون الدولي.
أما اتفاقية باليرمو لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، فإن دورها لا يتمثل في إنشاء جرائم جديدة بصورة مباشرة داخل النظام الوطني، وإنما في وضع إطار دولي للتعاون بين الدول وتوحيد الجهود لمواجهة الجرائم المنظمة ذات الطابع العابر للحدود.
وتوفر الاتفاقية أساسًا قانونيًا لتعزيز التعاون القضائي الدولي، بما في ذلك تبادل المعلومات، وتسليم المطلوبين، والإنابات القضائية، وهي مجالات نظمها المشرع الليبي ضمن قواعد الإجراءات الجنائية.
خلاصة: إن مواجهة الجريمة العابرة للحدود في ليبيا لا تقوم على استحداث جرائم أو عقوبات خارج إطار النص الوطني، وإنما على تفعيل التشريعات القائمة وتفسيرها بما يتلاءم مع طبيعة الجرائم الحديثة، مع الاستفادة من الاتفاقيات الدولية باعتبارها إطارًا داعمًا للتعاون والتنسيق.
وبذلك يتحقق التوازن بين حق الدولة في حماية أمنها ومصالحها، وبين ضرورة احترام الضمانات الأساسية للعدالة الجنائية ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.














