محمود السوكني__
لم تعد وسائل الإعلام قادرة على مجاراة وحش الهواتف النقالة التي تتسيد كل مكان ، وعلى كل المستويات ، ومهما إختلفت الأعمار ، ليلاً كان الوقت أو نهار .
الكل يحضن هاتفه النقال ، ويتشبت به ، ولا يغفل عنه لحظه . في كل المناسبات هو السيد حتى في المقابر تسمع طنينه ، ويعلو ضجيجه على كل ما عداه !
كنت عندما اعود إلى البيت يتنافس ابنائي على إستقبالي والترحيب بمقدمي ، الآن لا أجد أحداً ، الكل منهمكاً مع ذلك الجهاز اللعين الذي سرقنا من احبتنا ، جميعهم يتابعون بشغف ما ينقله ذلك الجهاز غير عابئين بمن حولهم ، والله وحده يعلم ماينقله من برامج ، وما يزرعه في عقول أبنائنا المتعطشة للمعرفة ، المهيئة للاستقبال من أفكار وتوجهات قد لا تتفق مع ما نخطط له ، وما نطمح إليه من بناء جيل واع محصن بالمعرفة والعلم ، المؤسس على القيم والمبادئ التي تحكم مجتمعنا وتحفظ بنياننا .
والأمر ذاته يتكرر مع الوسائط الإعلامية الوافدة التي غزت عقول فلذات أكبادنا وتحكمت في مشاعرهم وطغت على أحاسيسهم ، وهم يلتهمون محتوياتها سدا للنقص الذي نعانية – إلا فيما نذر – والفراغ الذي نلمسه والشح الذي تتصف به حياتنا الثقافية في هذا الجانب مع بعض الاستثناءات المحتشمة التي تصدر بأعداد فقيرة وأوقات متضاربة !!
يغيب الطفل عن بالنا ، ونسقطه من حساباتنا ، وهو أحوج ما يكون لاهتمامنا ، وأكثر حاجة لأن نصرف جل إنتباهنا لمشاغله وتطلعاته ورغباته الملحة .
الطفل ، ذلك النبتة الطرية الواعدة ، تحتاج من يتعهدها بالرعاية کي تنمو ويشتد عودها ، وتغوص جذورها قوية صلبة ، تستمد من الأرض ماضيها التليد ، وتتنسم السمو من هوائها العليل ، وتعانق المجد من سمائها الرحبة .
كيف لنا أن نطمح في جيل قادر طموح ، ونحن نغفل تأسيس بنيانه ودعم أركانه ؟
ما الذي ننتظره من هذه الجموع ، و غيرنا من يرعى أفكارها ويحدد مسارها ؟!
هناك خلل نعانيه ، ولا يجب أن نداريه ، ونقفز على تداعياته ونتجاهل نتائجه !
أين البرامج المتخصصة ، والأمسيات الهادفة ، والمادة الثقافية القيمة التي تخاطب عقول الأطفال ، وتضئ دروبهم وتستهوي أفكارهم ؟!
الحاجة تدعو وبإلحاح ، إلى الالتفات بكل جدية . وبالفعل لا القول ، إلى دنيا الطفولة ، وعالم الشباب المتعطش لكل ما هو جديد ، المقبل على خوض مجاهل المعرفة ، وسبر أغوار الحقيقة.
علينا أن نشحذ الهمم ، ونعد الخطوط ، ونرسم الدروب ونجهز الكوادر التي تبدع الوسائط التثقيفية التي نحتاجها لبناء أجيال المستقبل.
لايعقل أن نركن إلى الأخر يتولى تربية أبنائنا وتثقيف عقولهم وتوسيع مداركهم ، فنحن أكثر حرصا منه على مستقبلهم ، وأكثر فهما لما يحتاجونه ويتطلعون إليه .
ولست أجد مهمة أكثر أهمية لوزارة الثقافة من تثقيف النشء وإعدادهم وتنمية مداركهم .
إن مهمة بهذا الحجم ، تتطلب تضافر الجهود ، واجتماع العقول ، وحشد الهمم لتأسيس مصادر للعلم والمعرفة بوسائل مبهرة تلفت انتباه المتلقي وتلبي رغباته وتحترم تفكيره ، وتلهيه عن ذلك الجهاز اللعين أو تُسخِّرهُ لما ننشده من خير له ، وتخدم في ذات الوقت مانطمح إليه ، ونرنو إلى تحقيقه من طفولة مشرقة واعدة ، وشباب قادر على استكمال المسيرة نحو قرص الشمس .














