نصف إعتراف لم يكتمل

نصف إعتراف لم يكتمل

  • محمد نجيب الهاني

آخر مقهى جلسنا فيه

صار الآنَ مزارًا للحنين..

يأتي الناس من مُدن بعيدة

ليجلسوا على الطاولةِ التي تركنا فوقها

فتاتَ الضحكِ

ونصفَ اعترافٍ لم يكتمل..

النُّدُلُ الجدد

يشيرون إلى قائمتنا القديمة

كما لو أنّها مخطوطةٌ نجت

من حريقِ عاشقَيْن..

حتى الكؤوسُ

يقولون إنّها تحتفظُ ببصماتِ أصابعنا

وأنّ الملاعقَ الصغيرة

ما زالت ترتجفُ كلّما مرّ اسمُكِ في المكان..

ثمّةَ حلوى جديدة أيضا،

يقدّمونها للعشّاقِ في المساء

وفي قلبها

تختبئُ ضحكاتُنا القديمة

مثلُ موسيقى بعيدةٍ

قادمةٍ من ردهةِ عمرٍ انطفأ..

نعم.. حينَ عدتُ إلى هناك

لم أجدِ المقهى..

كان المكانُ فارغًا

كقلبِ ساعةٍ توقّفت

بعد موعدها الأخير..

لا أحدَ يسألني

إن كنتُ أفضّلُ الجلوسَ قربَ النافذة

أو قربَ ذاكرتك،

لا أحدَ يلتقطُ الصورَ

فوق ظلَّيْنا المعلّقَيْنِ في الهواء

كوشمٍ قديمٍ على جدارِ الوقت..

وجدتُكِ وحدكِ..

هادئةً

كأنّكِ الناجيةُ الأخيرة

من سفينةِ حبٍّ غرقت

وبقي عطرُها يطفو فوق الماء..

جلستُ قبالتكِ مرّةً أخرى،

وأخذنا نأكلُ أعمارَنا القديمة

بملاعقَ من صمت،

ونشربُ ما تبقّى من ابتسامتنا

مُذابة في زجاجِ الكؤوس

مثل نبيذٍ أعدّهُ الحنينُ سرًّا

في قبوِ الغياب..

وحين غسلنا أيدينا

كانت دموعُنا دافئةً

إلى حدِّ أنّني شعرتُ

أنّ الحزنَ نفسه

يمكن أن يكونَ طقسًا مقدّسًا..

ثمّ نهضتِ

ورحلتِ بخفّةِ امرأةٍ

تعرفُ كيف تتركُ خرابا كاملا

دون أن تُسقطَ شيئًا..

وتركتِني وحدي

أمامَ الطاولةِ الخالية،

أحدّقُ في الكرسيِّ المقابل

كأنّي أحدّقُ في حياتي السابقة..

وها أنا إلى الآن،

كما كنتِ تعرفين دائما

أعيشُ بجوعِ الذين

أكلوا الحبَّ مرّةً واحدة

ولم يشبعوا أبدا….

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :