- تقرير : حليمة حسن عيسى
طلب صناعي عالمي يدفع الليبيين لبيع ذاكرتهم تحت ضغط المعيشة.
الدكتور خالد الهدار: ما يحدث مجزرة تراثية حقيقية وصهر الفضة القديمة يعني محو تاريخ وهوية لا تعوض.
المستشار القانوني عقيلة محجوب: صهر قطعة فضة تراثية يعد طمسا لمعلم أثري ويخالف قانون حماية الآثار مهما بلغت قيمتها السوقية.
صالح محمد: نبيع إرث أجدادنا ليس رغبة في الربح بل هربا من الجوع وضيق الحال.
مع ارتفاع أسعار المعادن النفيسة عالميًا، تشهد الأسواق الليبية في الآونة الأخيرة موجة متزايدة لبيع معدن الفضة، الذي لطالما شكّل جزءا من الموروث الاجتماعي والاقتصادي، إذ لم يقتصر استخدامه على الزينة فحسب، بل امتد أيضًا إلى صناعة الأواني المنزلية التقليدية لدى عدد كبير من الأسر الليبية. وببلوغ الفضة أسعار تتراوح ما بين 16 و18 دينار للجرام الواحد، بحسب ما أفاد التجار، اضطرت العديد من العائلات إلى التخلّي عن مقتنيات فضية احتفظت بها لعقود، بعضها يحمل قيمة رمزية وتراثية، في محاولة لمواجهة تكاليف الحياة اليومية.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعيشها ليبيا، والتي تتجلى في نقص حاد في السيولة داخل المصارف، وتراجع متواصل في قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، إلى جانب ضعف الإيرادات النفطية وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، باتت الفضة، على غرار الذهب سابقًا، ملاذًا أخيرًا لتوفير السيولة، بينما ترتبط أسعارها بعوامل دولية، منها ارتفاع الطلب العالمي، خاصة الصناعي، والارتباط الوثيق بأسعار الذهب.

الفضة أصبحت قيمة اقتصادية تتجاوز قيمتها العاطفية.
صرّح أيمن علي مهتم بالجانب الاقتصادي أنّه مع ارتفاع سعر الفضة عالميًا، شهدت الأسواق الليبية تهافتًا غير مسبوق من المواطنين لبيع مقتنياتهم الفضية القديمة، من مجوهرات عائلية إلى أدوات منزلية ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. وأوضح أنّ المشهد يعكس طرفة اقتصادية وفي الوقت ذاته صرخة اجتماعية واقتصادية تعكس عمق الأزمة التي وصل إليها الليبيون، مضيفًا أنّ بيع الفضة التي كانت يومًا رمزًا للتراث والذكريات أصبح قيمة اقتصادية تتجاوز قيمتها العاطفية.
ارتفاع معدن الفضة بسبب زيادة الطلب الصناعي.
ومن جهته، قال مهيمن الزاوي تاجر في بيع وشراء الذهب والفضة إن سبب ارتفاع الفضة يعود إلى زيادة الطلب الصناعي القوي، خاصة بعد إعلان الصين إيقاف تصدير الفضة وتصنيفها عالميًا كمعدن استراتيجي يدخل في العديد من الصناعات، منها ألواح الطاقة الشمسية، السيارات الكهربائية، الإلكترونيات، الرقاقات، الاتصالات، ومراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وأضاف أنّ هناك عجزًا واضحًا في العرض مقابل الطلب العالمي، ما انعكس مباشرة على الأسواق المحلية.
تاريخ الليبيين أصبح سلعة للتداول.
وتأسفت المواطنة عائشة أحمد على أنّ تاريخ الليبيين أصبح سلعة للتداول، معتبرة أنّ المشهد يعكس واقعًا مؤلمًا. وأضافت أنّ الفضة يمكن أن تكون وسيلة للربح السريع، لكنها في الوقت ذاته مرايا لما آل إليه الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، مشهد يجمع بين الطرافة والحزن، لكنه أكثر من ذلك شهادة على واقع ملموس لا يخفى على أحد.
بسبب نقص السيولة تحرك سوق الفضة في ليبيا.
أفاد المواطن صالح محمد أنّه بسبب تدهور الأوضاع المعيشية وازدياد معاناة المواطنين، اضطر كثير من الليبيين إلى بيع ما يملكونه من حُليّ الفضة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، مؤكدًا أنّ القطع الفضية اليوم ليست مجرد معدن، بل إرث تاريخي وهوية أصيلة، داعيًا إلى تسعير القطع التراثية وفق قيمتها التاريخية والفنية وليس بناءً على وزنها.
تقول الحاجة سعدة محمد بلهجتها المحلية الدارجة ” حتى أنا قعدت آثار مش غير فضة أمي ” وتضيف ، إنها اضطرت لبيع بعض مقتنيات والدتها من أساور الفضة العتيقة بعد أن احتفظت بها لسنوات طويلة، مؤكدة أنّ الظروف الاقتصادية الصعبة ونقص السيولة أجبرتها على هذه الخطوة لتأمين احتياجات العلاج والغذاء، رغم القيمة الرمزية والتراثية التي تحملها هذه القطع.
وتابعت ، لا أنكر أنني حافظت لسنوات طويلة على ما تركته لي أمي من أساور فضة عتيقة وقديمة جدا ، لم أفكر في كونها إرث، فأمام الحاجة أجد 700 دينار التي تحصلت عليها من بيع سوارين قديمين أفضل بكثير ، وتؤكد أنها إذا كانت في ظروف اقتصادية جيدة لم أفكر في هذه الخطوة، لكن ضنك الحال أجبرني على بيعها وهي الحقيقة لا تساوي كثيرا.

الفضة لا للاكتناز أو التخزين.
وصرحت المواطنة أميرة أحمد أنها صُدمت بالفرق الكبير بين ما كانت تتوقعه وما تحصلت عليه فعليا عند بيع مقتنياتها الفضية، موضحة أنها اشترت عقدا من الفضة أثناء تجهيزها لزفافها قبل سنوات بثمن بسيط، وكانت تعتقد أن ارتفاع الأسعار سيمنحها فرصة لتعويضه بمبلغ مُجزٍ.
وأضافت أن سعر الغرام في السوق المحلية يتراوح حاليا بين 27 و29 دينارًا بحسب العيار ونوع القطعة، إلا أنها عند عرض عقدها للبيع لم تتحصل إلا على نحو 130 دينارا فقط، لأن القطع الحديثة وفق ما أبلغها به التاجر لا تُقيَّم كسعر حلي تراثية بل تحسب غالبا كسعر فضة كسر وفق الوزن المعدني.
وأوضحت أن التاجر أخبرها بأن الإقبال الأكبر يتركز على الفضة القديمة أو ما يُعرف بـ”الفجرة التراثية” التي تحمل قيمة تاريخية.
وأكدت أميرة أنها رغم شعورها بخيبة الأمل لم تتردد في البيع، قائلة إن هذه المقتنيات وُجدت لتُستخدم وقت الحاجة لا للاكتناز، مشيرة إلى أن الظروف المعيشية وتراجع القدرة الشرائية دفعاها لاتخاذ القرار، مضيفة أن زوجها شجعها على البيع باعتبار أن الأولوية لتغطية الالتزامات اليومية، لا للاحتفاظ بمقتنيات قد لا تُستثمر في الوقت المناسب.

الموروث العائلي ليس سلعة موسمية في سوق المعادن.
ومن جهتها أكدت المعلمة حواء عبداللطيف أن ما يحدث في سوق الفضة لا يمكن النظر إليه من زاوية اقتصادية فقط بل من زاوية وجدانية ووطنية أيضا، موضحة أنها تمتلك مجموعة كاملة من الحلي الفضية، جزء منها ورثته عن والدتها ، والجزء الآخر كان ضمن جهاز زفافها، مشيرة إلى أن الليبيين يولون اهتماما خاصا بالفضة، أحيانا يفوق اهتمامهم بالذهب، إذ تحرص العائلات على اقتنائها ضمن تجهيزات العروس باعتبارها رمزا أصيلا من رموز التراث المحلي.
وأضافت أن ما تحتفظ به اليوم لا يمثل قيمة مادية فحسب، بل رصيدا معنويا وتاريخيا مرتبطا بذاكرة الأسرة وطقوس اجتماعية متجذرة، مؤكدة أنها لن تبيع هذه المقتنيات مهما ارتفع ثمنها، لأن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بسعر الغرام في السوق.
وأعربت عن استغرابها من غياب تحرك فعلي لحماية هذا الموروث، قائلة إن العشرات باتوا يتوافدون على محال الصاغة لبيع قطع أثرية وعتيقة تمثل جزءا من تاريخ المنطقة متسائلة إلى أين ستذهب هذه الفضة بعد خروجها من بيوت أصحابها خاصة في ظل الارتفاع العالمي؟.
ودعت الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة الثقافة والمهتمين بالمأثور الشعبي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الثروات المحلية سواء عبر التوثيق أو الشراء أو سن ضوابط صارمة تمنع صهر القطع ذات القيمة التاريخية.
مؤكدة أنها نصحت كل من تعرفهم بعدم التفريط في مقتنياتهم، معتبرة أن الحفاظ على التراث مسؤولية وطنية قبل أن يكون خيارًا شخصيا.

طمس ممنهج للموروث الثقافي الليبي.
وأوضح الصحفي أسعد أبوقيلة أنّ السوق الليبي للمقتنيات الفضية شهد ثورة حقيقية بعد تداول الفيديو، الذي أظهر حصول أحد المواطنين على 40 ألف دينار مقابل براد فضة قديم، ما يعكس تفريط بعض العائلات في تحف نادرة وقطع ثمينة ورثوها عن أجدادهم، وهو ما يفرغ تدريجيًا المجتمع الليبي من تراثه المادي الأصيل. وأكد أنّ ارتفاع سعر الغرام إلى نحو 29 دينارًا انعكس مباشرة على الإقبال الكبير من المواطنين على بيع الأواني والمشغولات الفضية، مشيرًا إلى فقدان الثقة في الدينار الليبي الذي يتداول في السوق الموازي عند 9.17 دينار للدولار الواحد، فيما بلغ سعر الأونصة من الفضة في الأسواق العالمية نحو 100 دولار تقريبًا، أي ما يعادل 28.35 جرامًا. وأضاف أنّ هذا الارتفاع مرتبط بالطلب العالمي المتزايد، خاصة الصناعي، إضافة إلى العلاقة الوثيقة بأسعار الذهب، مؤكدًا أنّ استخدام الفضة لم يعد محصورًا في الحلي والمجوهرات، بل امتد ليشمل صناعات متعددة، من السيارات الكهربائية إلى ألواح الطاقة الشمسية، ما زاد الضغط على العرض العالمي.
صهر قطعة فضة تراثية هو طمس لمعلم أثري.
صرّح المستشار القانوني عقيلة محجوب، حسب قانون رقم 3 لسنة 1995، الفقرة 4، بشأن حماية الآثار والمتاحف والمدن القديمة، أنّه يمنع تصدير وصهر القطع التراثية والأثرية، خاصة الصناعات التقليدية ذات الطابع الأثري التي عمرها أكثر من 100 عام، محذرًا من أنّ صهر قطعة فضة تراثية يُعد طمسًا لمعلم أثري لا يقل أهمية عن المباني التاريخية، مؤكّدًا أنّ قيمة هذه القطع الحقيقية تكمن في بعدها الأنثروبولوجي والفني لا في وزنها أو ثمنها في سوق المعادن.
حماية التراث الفضي الوطني من خطر الصهر والطمس.
وحذر خبير الآثار وعضو هيئة التدريس بجامعة بنغازي د. خالد الهدار من خطر صهر واندثار التراث الفضي الليبي، واصفًا ما يحدث بـ”المجزرة التراثية” تهدد الهوية الوطنية، وذلك في ظل التحديات المتزايدة التي تهدد التراث الثقافي المادي وغير المادي في ليبيا، وإقبال المواطنين على بيع حُلي الفضة القديمة. كما وجه نداءً خاصًا إلى تجار الذهب والفضة وصاغة المعادن الثمينة، مشيرًا إلى أنّ الأسواق تشهد موجة بيع واسعة للفضيات القديمة، خاصة الحلي النسائية التقليدية، مدفوعة بالارتفاع غير المسبوق في أسعار الفضة عالميًا، حيث يتم التعامل مع هذه القطع كـ «فضة كسر» تُرسل إلى المصاهر لتحويلها إلى سبائك خام.
وأكد أنّ صهر القطع التراثية يؤدي إلى محو نقوش وزخارف يدوية تعود لمئات السنين وتمثل وثائق تاريخية وليست مجرد معادن ثمينة، داعيًا تجار الذهب والفضة ونقابة الصاغة والمعادن الثمينة إلى استشعار مسؤوليتهم الوطنية بوصفهم حراسًا على جزء أصيل من تاريخ البلاد، وناشد الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني بالتدخل العاجل عبر تفعيل ما أسماه “المشتري البديل”، من خلال دعوة رجال الأعمال ومصلحة الآثار و وزارة الثقافة إلى شراء هذه القطع من الأسواق بأسعار تفوق سعر الصهر لضمان بقائها وحمايتها من التلف والضياع. وطالب بوضع معايير صارمة تمنع صهر أو تصدير القطع الفضية التي تحمل دلالات تاريخية أو فنية نادرة، إلى جانب إطلاق حملة توثيق رقمي عاجلة لتصوير وحصر القطع الموجودة لدى محلات الصاغة قبل فقدانها للأبد، وختم ندائه بدعوة المواطنين لتحمل مسؤوليتهم التاريخية تجاه مقتنياتهم العائلية، مؤكدًا أنّ التفريط في فضة الجدّات هو تفريط في الرواية التاريخية للأجيال القادمة، وأن ضياع التراث يعني تحوّل الأمة إلى كيان بلا ذاكرة.

بيان وزارة الثقافة والتنمية المعرفية بشأن الحفاظ على الموروث الثقافي الوطني.
ومن جهتها أعربت وزارة الثقافة والتنمية المعرفية بحكومة الوحدة الوطنية، بقلق بالغ الظاهرة المتنامية المتمثلة في قيام بعض المواطنين والتجار بعرض وبيع مقتنيات شعبية تراثية متنوعة، خاصة المصنوعة من الفضة، والتي تشكل جزءًا أصيلاً من ذاكرتنا وهويتنا الوطنية التي لا تقدر بثمن. وأكدت الوزارة أنّ هذا الموروث الثقافي الذي تناقلته الأجيال ليس مجرد سلع مادية بل هو سجل حي لتاريخ الأمة وحضارتها وشاهد على إبداع الأجداد ومهاراتهم، وأن التفريط في هذه الكنوز ببيعها أو صهرها يعد طمسًا لذاكرة وهوية وطنية لا يمكن تعويضها وخسارة فادحة للأجيال القادمة. وناشدت الوزارة جميع المواطنين، وخصوصًا التجار وأصحاب محال بيع المجوهرات، التحلي بالوعي الوطني وأن يكونوا شركاء في حماية هذا الإرث العظيم لا أداة لضياعه

مؤكدة أنّ دورهم كمحافظين على هذه المقتنيات لا يقل أهمية عن دور المؤسسات الثقافية، وأن ليبيا التزمت دوليًا بحماية تراثها من خلال انضمامها رسميًا في نوفمبر 2023 إلى اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي. وأوضحت الوزارة أنّها ستعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية على تطبيق كافة التشريعات اللازمة لحماية الموروث من الاتجار غير المنظم ومحاسبة كل من يساهم في تبديده، مشددة على أنّ الحفاظ على تراثنا هو حفاظ على مستقبل هويتنا.
وبينما تتأرجح الأسعار العالمية وتتصاعد المخاطر على التراث، يظل التساؤل الأكبر هل ستتمكن ليبيا من الحفاظ على ذاكرة أجدادها وسط ضغوط الاقتصاد وفقدان الثقة؟ أم ستتحوّل القطع التراثية إلى مجرد أرقام مالية في سوق يبتلع التاريخ؟ .














