صفصافة

صفصافة

محمد أبوالعزايم

في صباي كنت أعيش مع أهلي في مدينةٍ بمحافظة الشرقيةِ تفصلها مسافةٌ ليست بالقصيرة عن القرية التي كانت مسقط رأسي، إلى هذه القرية حملتني الطريقُ بعد غروب شمس أحد أيام  تسعينات القرن الماضي مسكونًا بكثير من الأسى الذي قادني لأُلجئَ ظهري إلى صفصافة هناكَ على جسر ترعةٍ تمرُّ بحقول أجدادي وأعمامي. كانت هذه الصفصافة صديقةَ أحزاني الصغيرة: نصفِ درجةٍ تخطئ الطريق إلى خانةٍ في بطاقة تقويم درجاتي الدراسية، كرةٍ أُرسلُها فترتطمُ بالقائم أو العارضة في مباراةٍ أخوضُها، أو نظرة لومٍ من أبي على تصرفٍ لم يرُقهُ، لكنه لم يُغضبه،…أشياءُ من هذا القبيل.

 

كان الحزن الطفوليُّ قد تعلم_شيئًا فشيئًا_ أن يكبر حتى يليقَ بجِلسةٍ كهذه؛ رحل معلمي الأحبُّ عن مدرستي الإبتدائية إلى مدرسةٍ في بلدهِ البعيد بينما أنا طفل لم يَعرف السفرَ بعد؛ ولم يكن سوى حزنٍ وقورٍ، وبكاءٍ خَفيٍ وظهرٍ مستندٍ إلى جذعها القوي الحاني.

غادر “الخطيبُ” نجيلَ الملاعب الخضراء، وللحق كان الأمرُ أخفَّ وطأةً، لكنْ كانَ حزنٌ وقورٌ وبكاءّ خفيٌّ وظهرٌ مستندٌ إلى جذعها القوي الحاني.

 

ربما تتعجبُ حين أقول لك إن حزن الصبا بلغ ذروة قساوته في اليوم الذي أحدثك عنه.

يومها كان عليَّ أن أحاور الحزنَ لساعاتٍ خلُصتُ

بعقلي الصبيِّ بعدَها إلى حقيقةِ ما كنت أُحسُّه يومَها.

إنها فكرةُ “المِثال”، الفكرة التي لم تفارقني منذ زمنٍ أجدهُ سابقًا على زمن تَشكُّلِ ذاكرتي الأولى.

كان”علاء ميهوب” واحدًا من أبطال طفولتي وصباي، ولم تكن طريقة أدائه في الملعب هي المثال الذي كنتُ أنشدهُ حين أمارسُ الكرةَ فقط،

وإنما في طريقة المذاكرة أثناء سنوات الدراسة، وبعدها في عملي، حتى في كتابتي للشعر: أقسو

على قصيدتي أشد القسوة، وأشتغل عليها بكل ما قسمه الله لي من موهبة، أو وفقني إليه من صنعةٍ حتى أوائمها مع طريقة لعبه للكرة.

أنا هنا أحدثك عن طريقة أدائه لأدواره، الطريقة التي جعلتني أراه لاعب الوسط المصري الأقرب للكمال، لا عن تجربته مع الكرة، التجربة التي لم تواكب حجم موهبته وعقليته داخل الملعب؛لأسبابٍ يضيقُ المقام هنا عن سَوقِها، ويتحمل هو نفسُهُ أكثرها.

كنت أراهُ في وسط الملعب موسيقارًا فذًّا،  وشاعرًا ملهَمًا وملهِما.

 

حين بدأت ذائقتي الشعريةُ في التشكُّلِ رأيتُني مأخوذًا للتجارب الأقرب إلى الكمال في كل عصر، ورأيتُ أمل دنقل في العصر الحديث هو أقرب التجارب الشعرية للكمال، فأصبح شاعري الأثير، وصارت قصيدتُهُ  أوثقَ ما يربطني بالشعر.

 

في اليوم الذي أحدثك عنهُ تخلت إدارةُ الأهلي عن ميهوب، ولم يكن سوى حزنٍ وقورٍ، وبكاءٍ خفيٍّ، وظهرٍ مستندٍ إلى جذعها القوي الحاني.

 

على كل حالٍ سأتركك لتصِمَ أحزاني الصغيرةَ بالتفاهةِ، لأقول_مُبتسمًا_ لصفصافتي:

صباحُ الخيرِ

        أيتها الآهلةُ بالعصافيرِ،

                         والأغنياتِ الشاهقة”

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :