قصائد مختارة من الشعر العربي ( الجزء الأول )

قصائد مختارة من الشعر العربي ( الجزء الأول )

إعداد : حسن المغربي

مقدمة :

يعد وصف الحيوان و الطير من أبرز معالم القصيدة العربية ، ومن أغراضها الأساسية، قبل أن يستقل هذا الغرض بنفسه ، ويتطور بتطور الحياة الحضارية للعرب، فيصبح فناً شعرياً قائماً بذاته ، له شعراؤه وأعلامه، وتتنوع أساليبه ومذاهبه، وتتعدد أغراضه لتشمل الوصف والمديح والرثاء وغيرها من أغراض الشعر.

في هذا المقال سنقدم لكم قصائد من الشعر العربي قيلت في وصف الحيوان ، قلما نجد لها نظيرا في الشعر العالمي.  لما تتسم به من طرافة في المعاني ، ورقة في المشاعر ، وروعة في التعابير . حيث كان هذا الفن الفريد من أروع فنون الشعر العربي على اختلاف مذاهبه وأغراضه ، وما يمكن أن يكشف عنه من ملامح فنية ، وطوابع فكرية، وظواهر اجتماعية تجعله جديراً بالتقدير ، مع إن هذا الغرض من الشعر لم يكتمل في صورته النهائية إلا في العصر العباسي ، حيث نرى عددا كبيرا من الشعراء اختص به ،  فاتسعت أبوابه ، وتعددت أغراضه،  وكان لذلك ما يبرره من وجهة نظر بيئية وحضارية، بعد أن تطور المجتمع العربي في ذلك العصر .

وإذا ما عرفنا  أيها السادة  أن وصف الحيوان من أجمل ما جاء به الشعر العربي، حيث تمثل به الشعراء حينما كانت الصحاري والجبال والوديان تكتظ بألوان الغزلان والخيول والذئاب ، فماذا قال الشاعر العربي في لقاء الحيوانات سواء أكانت مفترسة أو أليفة  ، وكيف تعاملفي الوقت ذاته مع الطيور الجارحة والداجنة معا . هذا ما سوف نقدمه لكم  أيها السادة الأكارم  في برنامجنا الجديد ( في وصف الطير والحيوان – قصائد مختارة من الشعر العربي ) .

وصف الذئب في الشعر العربي

لا تقل مكانة الذئب في الشعر العربي عن مكانة الناقة والفرس والظبي ، فقد شغل  هذا الحيوان المفترس تفكير الإنسان العربي منذ أقدم العصور ، فمن اسمه اشُتقت أسماء وأفعال وصفات ، ومن خُلقه استعيرت فضائل ورذائل ألصقت بالبشر ، وللذئب أسماء عديدة وردت في الشعر العربي منها : السرحان، الأطلس ، العملس ، السيدأويس ، وأم عامر. ولقدأشتهر الذئب بالدهاء والمكر وضربت بأفعاله الأمثال، ومن مسلكه استلهم الشعراء كثيرا من صور الفخر والهجاء. كما كان للذئب حكايات كثيرة في الغدر نذكر منها ما رواه الأصمعي ، أنه مرّ ببعض الأحياء فوجد عجوزا وبجانبها شاة مقتولة وذئب مقطع الأوصال فسألها عن السبب فقالت: الذئب ربيناه صغيرا، ولما كبر فعل بالشاة ما ترى، وأسمعت الأصمعي أبياتا من الشعر قالت فيها عن الذئب:
                      بقرتَ شويهتي وفجعت قلبي            وأنت لشاتنا ولد ربيب
غذيت بدرها وربيت فينا                فمن أنباك أن أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء             فلا أدبٌ يُفيدُ ولا أديبُ.

ومع هذا لم يكن الذئب في كل الأحيان ذلك الحيوان البغيض، فقد أكبر العرب فيه الصبر والبأس،وهناك من الشعراء من يستأنس  بصوته مثل الأحمير السعدي الذي قال :

عوى الذئبُ فاستأنستُ إذ عوى       وصوت إنسانٌ فكدت أطيرُ

كما أن هناك قصصعديدة  في التراث العربي تروي لنا كيف ألف الشاعر العربي الذئب وضيفه ،وأصبحت هذه الألفة حقيقة شائعة  في معظم  شعرنا العربي ، وقد اخترنا لكم بعض القصائد التي قيلت في وصف الذئب .

 

الشنفرى

(لقاء الذئب )

الشنفرى اسمه، وقيل هو لقبٌ غالب عليه لعظم شفتيه. أما اسمه فهو عمرو بن مالك الأزدي،يمني الأصل من بني أواس ، وهو شاعر صعلوك ، كان يضرب به المثل في سرعة الركض ومدى القفز ، توفي حوالى عام 70 قبل الهجرة  525للميلاد ، له قصيدة لامية تقعُ في ثمانية وستينَ بيتاً، سَمّتها الناسُ فيما بعد -لاميّةَ العرب -، وسَمّاها المستشرقُ جورج يعقوب ( نشيدَ الصحراء ) ، وقد خّصّ الشاعِرُ الذئبَ بعشرة أبياتٍ منها: من البيتِ السادس والعشرين حتى الخامس والثلاثين، وهذا هو مشهد لقاء الذئبِ كما يصوره الشنفرى :

وأغدو على القوتِ الزهيدِ كما غدا      أزلُّ تَهَاداهُ التنائِف أطحَلُ

غدا طاوياً، يُعارضُ الريح هافياً       يخوتُ بأذناب الشعابِ، ويَعسِلُ

فلّما لواه القوت من حيثُ أمَّهُ           دعا، فأجابته نظائرُ نُحّلُ

مُهَلْهَلَةٌ، شيب الوجوه، كأنّها           قداحٌ بكفي ياسرٍ، تتقلقَلُ

أو الخشرَمُ المبعوثُ حَثْحَثَ دَبْرَهُ     محابيضُ أرواهُنَّ سَامٍ مُعَسِّلُ

مهَّرتهٌ، فوهٌ، كأنّ شدوقَها             شقوقُ العِصِيِّ، كالحاتٌ وبُسّلُ

فضجَّ، وضَجّتْ، بالبَرَاحِ، كأنّها        وإياهُ، نُوْحٌ فوقَ علياءَ، ثُكّلُ

وأغضى، وأغضَت، واتّسى، اتّسَتْ به  مَراميلُ عَزّاها، وعَزَّتْهُ مُرمِلُ

شكا وشكتْ، ثمّ ارعوى بَعْدُ وارْعَوتْ   وللصَّبْرُ، إنْ لم ينفعِ الشكوُ، أجمَلُ

وفاءَ وفاءتْ بادراتٌ، وكُلُّها            على نكظٍ ممّا يكاتِمُ، مُجمِلُ

الفرزدق

(ضيافة الذئب )

ولد الفرزدق بالكاظمة – شرق مدينة الكويت حاليا – عام  20ه في أواخر خلافة عمر ، والفرزدق لقب له لغلظ وجهه وشبهه بالرغيف ، وتوفي بالعراق عام 114ه .قال يونس ابن حبيب النحوي لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب. وهو من أحسن شعراء العصر الأموي فخرا .

كان الفرزدق قد خرج من الكوفة هو وبعض أصحابه، ولما طال بهم المسير أناخوا ركابهم في منتصف الليل وناموا، وكانوا قد هيؤوا للعشاء شاة وسلخوها وعلقوها على جمل لهم، ولكن النوم غلبهم فاستجابوا له، وبينما هم في نومهم إذ هجم ذئب على تلك الشاة المسلوخة وأخذ ينهشها، فاستيقظ الفرزدق، وأناخ الإِبل وقطع رجل الشاة ورماها للذئب، فأخذها الذئب وتنحى جانباً وأكلها ثم عاد، فما كان من الفرزدق إلا أن قطع له يد الشاة فأخذها الذئب وذهب لسبيله. وفي الصباح قص الفرزدق على أصحابه ما كان بينه وبين الذئب، وأخذ يروي لهم كيف دعا الذئب إلى القري ( الضيافة ) وإنه لم يقتله كرما منه ، وإليكم ما حدث :

وَأطْلَسَ عسّالٍ وما كان صاحباً            دعوت بِنَاري مـَوْهِناً فأتـاني

فلما دَنَا قلت ادْنُ دونك إنّـني              وإِيَّاكَ في زادي لَـمُشْتَرِكـَانِ

فبت أُسَوَّي الزاد بيـني وبينه                على ضوء نـار مرة ودخـان

فقلت له لمـا تَكـَشَّر ضاحكاً              وقائمُ سَيْفِي من يدي بمـكان

ىتَعَشَّ فإن واثقتـني لا تخونـني              نكن مِثْلَ من يا ذئبُ يصطحبان

وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما        أُخَيّيْنِ كـانا أُرْضـِعَا بِلِبـَانِ

ولو غيرنا نَبَّهْتَ تَلْتَمِسُ القِـرَى           أتاك بسـهم أو شبَـاةِ سِنَـانِ

وكلُ رفيقي كل رحلٍ –وإن هما         تعاطى القنا قوماهما – أخوانِ

 المُرقِّشُ الأكبرُ

( استضافة الذئب )

اسمه ربيعة بن سعد ، ويقال :بل هو عمرو بن سعد من بني ثعلبة كما ذكر ” ابن قتيبة “،  ولقد سميبالمرقش لقوله :

الدار قفرٌ والرسوم كما رقش في ظهر الأديم قلم”

ولد في اليمن عام 500م ، ونشأ في العراق ، تعلم القراءة والخط في صباه ، ثم شارك في حرب البسوس ، وتوفي عام 552م ، وهو أحد عشاق العرب المشهورين ، وصاحبته أسماء بنت عوف ، روى له صاحب الأغاني أشعار كثيرة ، أشهرها سينيته التي وقف فيها على طلول أسماء الدوارس  ينعي وحشة المكان ، ثم وصف ناقته وما تلقى من جهد السير ، وتحدث أيضا  عن الذئب الذي قابله وهو يشوي في الفلاة ، كيف أكرمه كما يُكرم الضيف ، وفي نهاية القصيدة عاد إلى وصف الناقة وسياسته إياها في السير ، ويتحدث عن السوط الذي يزجرها به . يقول:  المرقش في ( استضافة الذئب ) :

ولما أضأنا النارَ عند شِوائِنا         عَرَانا عليها أطلَسُ اللونِ بائِسُ

نَبَذتُ إليه حُزّةً من شِوائِنا         حَيَاءً ، وما فُحشِي على من أجالِسُ

فآضَ بها جذلانَ يَنفُضُ رَأسَهُ      كما آب بالنّهبِ الكَمِيُّ المُحَالِسُ

حميد بن ثور الهلالي

( وصف ذئب وامرأة )

حميد بن ثور شاعر مخضرم ، شهد معركة حُنين عام 8 مع المشركين ، ثم أسلم ووفد على الرسول الكريم ( ص ) ، أشتهر شاعرنا حميد بالهجاء والغزل والحماسة ، وله قصيدة رائعة في وصف ذئب وامرأة ، نختار منها :

طَوي البطنِ إلا من مَصيرٍ يَبُلّه                  دم الجوف أو سُؤرٌ من الحوض ناقع

ترى طرفينه يعسلان كلاهما                     كما اهتز عود الساسمالمُتتايع

إذا خاف جورا من عدو رمت به           قُصايتُه والجانب المُتواضع

وان بات وحشا ليلةً لم يضق بها           ذِراعا ، ولم يٌصبح لها وهو خاشع

إذا احتل حضني بلدة طُر منهما           لأخرى خفي الشخص للريح تابعُ

وان حَذرت أرض عليه فانّه                 بغُرّة أخرى طيّب النفس قانع

ينام بإحدى مقلتيه ، ويتّقي                بأخرى المنايا : فهو يقظان هاجع

إذا ما غدا يوما رأيت غيابة                من الطير ينظرن الذي هو صانع

الشَمَردل بن شَريك

( قنص الذئب )

شاعر وراجز مقتدر من العراق  ، يُعرف عادة بابن الخريطة ، لأنه وضع وهو صبي صغير في خريطة ، نشأ الشمردل بالبصرة ،  كان مولعا بالخمر ، روى له صاحب الأغاني أشعار كثيرة ، وقد اشتهر بالرثاء والمدح والغزل ، وهناك قصة مفادها إن ذئبا قد لازم مرعى غنم للشمردل ، وكان لا يزال يفرس منها الشاة بعد الشاة ، فرصد الشمردل ذلك الذئب ذات ليلة حتى جاء الذئب لعادته ، فرماه الشمردل بسهم فقتله ثم قال :

               هُل خُبّر السِرحانُ إذ يستخبرُ                 عني ، وقد نام الصحاب السمّرُ

                 لما رأيتُ الضأن منه تنفرُ                     نهضتُ وَسنانَ وطار المِئزَر

                وراع منها مرحٌ مستيهِر                       كأنه إعصارُ ريح اغبرُ

               فلم أزل أطرُدُه ويعكِر                          حتى إذا استيقنتُ أن لا أُعذر

                وأن عَقرى غنمي ستكثُر                      طار بكفّي وفؤادي وأوجَر

                ثُمّت أهويتُ – لا أُزجر –                     سهما فولّى عنه وهو يعثُر

                                           وبت ليلي    آمنا أكبرُ

 البُحتُري

(مصرع الذئب )

ولد البحتري في مدينة منبج بالشام عام 206ه ، ونشأ في باديتها بين قبائل بني طي ، فهو عربي خالص ، وشعره حلو الألفاظ سهل التراكيب ، وقد أشتهر بالمديح والعتاب ، بالإضافة إلى وصف القصور والرياض.

يقول البحتري في ” مصرع الذئب”  :

وليلٍ كأن الصُبح في أخرياته                      حُشاشةُ نصلٍ ضم إفرندهُ غمِدُ      

تسربلتُه – والذئبُ وسنانُ هاجعٌ                  بعين ابن ليلٍ ما له بالكرى عهد

أُثير القطا الكُدرِي جثماته                          وتألفُني فيه الثعالبُ والرُبد

سما لي ، وبي من شدةِ الجوع ما به              ببيداءَ لم تُعرف بها عيشةُ رغد

كلانا بها ذئبٌ يُحدّثُ نفسَه                         بصاحبه ، والجد يُتعسُه الجد

عوى ثم أقعى ، فارتجزتُ فهِجتُه                 فأقبل مثل البرقِ يتبعُه الرعدُ

فأوجرتُه خرقاء تحسبُ ريشَها                   على كوكبٍ ينقض والليلُ مُسودّ

فما ازداد إلا جُرأةً وصرامة                      وأيقنتُ أن الأمر منه هو الجِد

فأتبعتُها أخرى فأضللت نصلها                   بحيث يكونُ اللُب والرُعب والحقد

فخرّ ، وقد أوردته منهل الردى                  على ظمأ لو أنه عذُبَ الوِرد

وقُمت فجمّعت الحصى فاشتويتُه                  عليها وللرمضاءِ من تحتهِ وقد

 وللحديث بقية في الجزء الثاني 

 

 

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :