بين بروتوكول القاعات وأزمات الشارع

بين بروتوكول القاعات وأزمات الشارع

  • عتيق حيدر

 ​في أدبيات الإدارة السياسية المعاصرة، ومبادئ “الحكم الرشيد”، لا تُعتبر الاجتماعات الدورية للمجالس الوزارية حدثاً استثنائياً يستدعي التوثيق والاحتفاء؛ بل هي مجرد أداة عمل روتينية، ومنصة للمكاشفة والمحاسبة. في تلك البيئات التي تحترم العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، يُقاس الأداء بالنتائج لا بالشكليات، حتى إن تأخر وزير لبضع دقائق عن الحضور لظروف قاهرة يدفعه لتقديم اعتذار علني للأمة، وقد يتدحرج الأمر سريعاً إلى الاستقالة إن غاب دون عذر مقنع. هناك، هيبة الدولة من هيبة الوقت، واحترام المواطن هو المعيار الأول والأخير.

​لكن المشهد في واقعنا السياسي يبدو منفصلاً تماماً عن هذه البديهيات. فبالأمس، في اليوم العاشر من الشهر السادس تبارت وسائل الإعلام الرسمية في بث أخبار عقد “الاجتماع الثالث” لمجلس الوزراء الموقر، وصيغت البيانات بنبرة تفيض بالفخر والاعتزاز، وكأن مجرد جلوس الوزراء حول طاولة مستديرة ( بيضوية ) هو معجزة إدارية لم تحققها أكثر دول العالم استقراراً ونماءً.

​هذا الاحتفاء المبالغ فيه بالشكليات يضعنا أمام معضلة حقيقية في فقه الأولويات السياسية. فالإعلام الرسمي، ومن خلفه صُنّاع القرار، يبدون وكأنهم يعيشون في جزيرة معزولة، لا تصلها أصوات المواطنين المنهكين. إنهم يحتفلون بالواجبات الإجرائية العادية، في وقت يغرق فيه المواطن الليبي في تفاصيل معركة يومية قاسية لتأمين أبسط مقومات الحياة.

​عن أي فخر يمكن أن نتحدث، والمواطن لا يزال يقف في طوابير المصارف المهينة بحثاً عن سيولة نقدية هي في الأصل شقاء عمره؟ وعن أي إنجاز نجامل، والبلد الذي ينام على بحيرات من النفط يعاني قاطنوه شُحاً في الوقود، وظلاماً دامساً يفرضه الانقطاع المستمر للكهرباء مع لظى الصيف، فضلاً عن قطاع صحي متهالك جعل من الحق في العلاج رفاهية لا تنالها إلا القلة والمواطن الليبي غير مرحب به في أغلب دول العالم؟

​إن تسويق “الاجتماع” كإنجاز بحد ذاته هو تكريس لثقافة “البروتوكول البديل عن الفعل”. المواطن الليبي اليوم لم يعد يكترث بالصور التذكارية، ولا بالبيانات المنمقة التي تولد في القاعات المكيفة؛ إنه يبحث عن “أثر” هذه الاجتماعات في الشارع، وفي جيبه، وفي خدماته اليومية.

​حينما تتحول الواجبات الروتينية إلى انتصارات تاريخية في نظر السلطة، فإن ذلك يشير إلى فجوة عميقة في الوعي، وفصل تام بين المسؤول ومعاناة الشارع. إن كرامة المواطن وحل أزماته الخانقة هي الإنجاز الوحيد الذي يستحق الاحتفال، وما دون ذلك ليس إلا روتين عمل واجباً، لا يستدعي الفخر، بل يستدعي العمل بصمت وبكثير من الخجل.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :