- فسانيا | نيفين الهوني تونس خاص
ذات فرح في ليلة من ليالي مهرجان الحمامات الدولي كنا ننتظر أن تغني بثينة نابولي من الذاكرة الغنائية التونسية لنستمتع لكنها لم تغن فقط بل أيقظت ذاكرتنا من سباتها الطويل ودفعتها إلى الضوء النابض بالحب كانت دوليشة مشوارا في حنجرة تونس الذهيبة مشوارا صغير الاسم واسع الجهات يمشي من أزقة المدينة العتيقة إلى شرفات الأغنية ومن رائحة الياسمين العتيق إلى ارتباك الصوت وهو يولد للمرة الأولى

فظهرت الفنانة التونسية بثينة النابولي ولكأنها تفتح خزانة الزمن فلتخرج منها أرواحا مازالت دافئة في الفؤاد فصليحة تمر من بين أصابعها ولطفي بوشناق يطل من نافذة الخفق وأم كلثوم يعبر هتونها في سماء الحمامات فيبلل الروح التي أنهكتها الحياة ثم تعود الأغنية إلى تونس كأنها لم تغادرها يوما في دوليشة لم تترك النابولي التراث ليجلس بوقاره على عرشه المؤرشف بل جعلته يمشي ويرقص ويتلعثم ويغازل الحاضر فمن رصيد الأغنية الشعبية غنت الوردة للفنان حبيب الشنكاوي وارضى علينا يا لميما للفنان صالح الفرزيط
ولم يترك صوتها الأغنية القديمة على حالها كأثر محفوظ خلف زجاج التاريخ بل حوله لكائن حي يمد يده إلى أغنية جديدة ويقول لها تعالي كي لا نصير ماضيا هكذا صارت دوليشة في حفلها أشبه بخريطة سرية لتونس صليحة ورصيدها في الحفل عرضوني وآه ودعوني وخليلة وفيها رائحة التراب الأول المألوف و فرزيط والشنكاوي ظلال المدن العتيقة والأغنية الشعبية النافذة التي تطل على البحر

ولطفي بوشناق ورصيده في الحفل نساية وحلق الواد وريتك ما نعرف وين ذاكرة الصوت حين يخرج من الحنجرة وقد حمل على كتفيه قرنا من الطرب ومن الطرب العربي
أنا في انتظارك لأم كلثوم وقد قدمت منها مقطعا
أما بثينة وحديثها فيأتي من الجهة الأخرى من الخريطة حاملا ثلاث أغنيات جديدة هي دوليشة وناس تخاف من الحب والقلب اختار كأنها عبر جديدها تضع حجرا جديدا في بناء لازال في طور الاكتمال لكن أجمل ما في الرحلة أن بثينة لم تأت وحدها فإلى جوار صوتها كانت سيرين الشكيلي تحمل حقيبة أخرى حقيبة الكلمات وفي عمقها ظل جدها نور الدين صمود ذلك الشاعر الذي كان يعرف أن القصيدة تستطيع أن تعبر من الورق إلى القلب دون جواز سفر بين سيرين وجدها حكاية تشبه النهر حين يغير مجراه ولا يفقد ماءه وبين سيرين وبثينة خيط آخر بدأ في نوبة غرام ثم وجد في دوليشة مساحة أكثر حميمية هناك كانتا جزءا من حكاية جماعية

وهنا أصبحتا تصنعان لبثينة بيتا موسيقيا له بابه وشرفته وذاكرته لذلك بدا الحفل كأن ثلاثة أزمنة ألتقت على خشبة واحدة
زمن الأغنية التونسية حين كانت تغني لكي تحفظ البلاد صوتها
وزمن صمود حين كانت الكلمة تبحث عن موسيقاها وزمن بثينة وسيرين وهما تحاولان أن تقولا إن المستقبل لا يحتاج إلى أن يهدم الماضي كي يبني نفسه
و جمهور الحمامات كان يعرف الأغاني القديمة ويحفظ طريقها إلى القلب لكنه في تلك الليلة كان يتعلم طريقا آخر طريق الأغنية التي لم تصبح بعد ذاكرة الأغنية وهي في لحظة طفولتها الأولى وهنا ربما تكمن فتنة دوليشة
أنها لم تجعل من الذاكرة قبرا ولا من الحداثة مقصلة بل جعلتهما حبيبين يمشيان معا في شارع تونسي قديم وفي حضرة مهرجان الحمامات الدولي كان التاريخ الغنائي لتونس يبدو أقل شبها بمتحف وأكثر شبها بحديقة ليلية

كلما مر صوت بين أشجارها أضاءت أغنية
وكلما أضاءت أغنية ظهر وجه من وجوه البلاد
وكانت بثينة في تلك الليلة لا تغني تونس التي كانت بل تونس التي لازالت تحلم بأن تصبح
وهكذا انتهت دوليشة دون أفول
فالمشوار الحقيقي بدأ حين أطفئت الأضواء
حين أخذ الجمهور معه بعض الأغاني
وأخذت بثينة معها يقينها الأول
أن للذاكرة أقداما وأن أجمل ما يمكن للفنان أن يفعله بتاريخ بلاده أن يترك فيه أثرا جديدا لتاريخه وتراثه














