- جمال الجلاصي
أودّ أن أبدأ بفكرة بسيطة، وربما مزعجة قليلًا: الرواية لا تُترجم… الرواية تُعاد كتابتها.
أقول هذا لا من موقع نظري، بل من تجربة طويلة داخل النصوص، حيث وجدت نفسي، في كل مرة، أمام السؤال نفسه: هل أنقل ما كُتب… أم ما أُحسّ به وأنا أقرأ؟
سرعان ما أدركت أن السؤال الأهم ليس: كيف نترجم؟ بل: لماذا تقاوم بعض النصوص الترجمة؟
ليست كل الروايات سواء.
هناك روايات مطواعة تمرّ بسهولة نسبية، كأنها مستعدّة من تلقاء نصّها للعبور من لغة إلى أخرى. وهناك روايات … تتمنّع، تتصلّب، ترفض أن تُنقل دون أن تفقد الكثير من روحها.
هذه المقاومة ليست واحدة، بل تتخذ أشكالًا متعددة:
• أحيانًا تكون لغوية: في الإيقاع، في اللعب على الكلمات، في العبارات ذاتها، في تركيب الجملة.
• وأحيانًا تكون ثقافية: في مفاهيم لا مقابل لها، في عادات، في علاقات ضمنية لا تُقال لكنها تُفهم.
• لكن أخطرها، في رأيي، هي مقاومة من نوع آخر… مقاومة جمالية… أو إن شئتم، مقاومة في طريقة الإحساس بالعالم.
سأعطي مثالًا من تجربتي.
أودّ أن أبدأ من تجربة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت لي لحظة كشف مبكرة عن طبيعة الترجمة.
أثناء اشتغالي على ترجمة رواية السيد الرئيس للكاتب ميغيل أنخل أستورياس، صادفت عنوان فصل بالفرنسية : colin-maillard. أول ما قيل لي، كما هو شائع بين المترجمين، أن المقابل العربي هو “الغميضة”. وكان هذا الحل مقبولًا من الناحية المعجمية، بل ربما من الناحية المدرسية أيضًا. لكنني، رغم ذلك، شعرت بشيء من التردد.
لم يكن التردد نابعًا من جهل بالمقابل، بل من شيء أعمق: أن “الغميضة” لا تستدعي في ذهني نفس التجربة التي يستدعيها النص الأصلي.
الغميضة لعبة اختفاء… بينما اللعبة المقصودة تقوم على فكرة مختلفة: أن تُعصب العين، أن تفقد البصر، وأن تتحرك داخل فضاء لا تراه لكنك تحاول الإمساك بما فيه.
هنا بدأت أفكر بطريقة مختلفة: لم أعد أبحث عن كلمة، بل عن تجربة.
وعندها، استعدت لعبة من طفولتي في مدينتي، كنا نسميها “دجاجة عمياء” لم تكن ترجمة قاموسية، لكنها كانت، في إحساسي، أقرب إلى روح اللعبة، إلى طريقة اللعب نفسها، لا إلى اسمها فقط.
اعتمدت هذا الخيار، ثم عرضته على أحد الأصدقاء المترجمين، فأعجبه. والأهم من ذلك أن قراء من بلدان عربية مختلفة تواصلوا معي لاحقًا ليقولوا إن لديهم تسمية مشابهة، أو قريبة جدًا منها. هنا فقط أدركت شيئًا بسيطًا لكنه مهم جدًا: بعض الكلمات لا تُترجم من القاموس… بل من الذاكرة.
لكن هذا النوع من الحلول، رغم جماله، لا يكون دائمًا ممكنًا أو كافيًا.
هناك نصوص لا تسمح لك بهذا النوع من العودة الهادئة إلى الذاكرة، بل تدفعك إلى منطقة أكثر اضطرابًا.
وهنا أصل إلى تجربة مختلفة تمامًا. فهناك نصوص لا تُبنى على ما يُقال، بل على كيف يُقال، وعلى ما لا يُقال. نصوص تقوم على الصمت، على التردد، على الإيحاء.
وهنا، لا يعود السؤال: كيف أترجم الكلمة؟ بل يصبح: كيف أنقل طريقة الشعور نفسها؟
حين اشتغلت على ترجمة رواية الله ليس مجبرا للروائي أحمدو كوروما، وجدت نفسي أمام معضلة حقيقية.
الرواية مكتوبة على لسان طفل جندي، طفل ربّته الحرب، والشارع، والعنف. وكانت لغته… بذيئة.
لكن هذه البذاءة لم تكن زائدة، ولم تكن زينة لغوية، بل كانت جزءًا من بناء الشخصية، ومن صدق العالم الذي تنتمي إليه. هنا، لم تكن المشكلة أنني لم أجد مقابلات لهذه اللغة، بل على العكس…
كنت أعرفها جيّدًا… وكنت مترددًا في استعمالها.
هل ألطّفها؟ فأخون الصوت؟ أم أنقلها كما هي؟ فأصدم القارئ، وربما أفقد النص قارئه؟
الحل لم يكن جاهزًا… لكنه جاءني من متن الرواية ذاتها. كما هو معروف، يستعمل كوروما في كتابته مزيجًا من الفرنسية ولهجات محلية، ليخلق لغة مكسورة، مشبعة بالواقع. فاخترت أن أسلك المسار نفسه:
استعملت مرادفات من اللهجة التونسية، تحمل نفس الخشونة، نفس الفجاجة، نفس القرب من الشارع.
وفي المقابل، اعتمدت الهوامش- بلغة رصينة-كما فعل الروائي نفسه.
في تلك اللحظة، شعرت أنني لم أترجم الكلمات فقط… بل ترجمت طريقة الكتابة نفسها.
لم أبحث عن مقابل للكلمة النابية، بل عن البيئة التي يمكن أن تولد فيها من جديد.
هذا النوع من النصوص لا يقاوم الترجمة لأنه صعب، بل لأنه يفرض عليك أن تغيّر موقعك كمترجم.
لم أعد ناقلًا… بل أصبحت مشاركًا في إعادة خلق الصوت. وهنا أصل إلى فكرة أؤمن بها اليوم: المترجم الجيد ليس من يُلغي مقاومة النص… بل من يعرف أين يتركها تعمل.
في النهاية، أظن أن الترجمة ليست جسرًا بسيطًا بين لغتين، بل هي منطقة توتر، منطقة تفاوض، منطقة فقدان وكسب في آن.
ولعلّ أفضل صورة يمكن أن أعبّر بها عن الترجمة هي هذه: النص المترجم الناجح يشبه قبلة من خلال قماش شفاف… نحسّ حرارتها، لكننا لا نستطيع أن نستعيد طعم الشفاه كما هو. نقترب… لكن شيئًا ما يبقى دائمًا في الجهة الأخرى من اللغة.
وأنا اليوم أكتب رواية، أجد نفسي أكتبها وأنا أعرف أن مترجمًا آخر سيأتي يومًا ما ليعيد كتابتها بطريقته.
وهذا يضعني أمام مفارقة جميلة ومقلقة في الآن نفسه:
هل أكتب بلغة قابلة للترجمة… أم بلغة وفية لتجربتها، حتى لو قاومت الترجمة؟
ربما لا جواب نهائي لهذا السؤال… لكن ما أنا متأكد منه هو أن:
الترجمة ليست نقلًا للنص… بل مغامرة في حدوده.














